ربيع الحافظ

ربيع الحافظ

باحث وكاتب عراقي متخصص في العلاقات الإستراتيجية العربية التركية

ظاهرة لا تلقى رعاية
ما بين مشهدين 

يتجاذب منطقةَ الشرق الأوسط اليوم نظامان يتحدد على أساسهما الانتماء السياسي لمجتمعاتها: نظام الدولة المركزية، ونظام "الأطراف غير التابعة للدولة" (المليشيات)، ومن لا ينتمي إلى الثاني فهو إلى الأول منتمٍ بالضرورة. إلى هذا الحد والمشهد السياسي خالٍ من النقاش، أي أن المنطقة متفقة على عنوانها الكبير، ومنقسمة حول التفاصيل التي تندرج تحته أو تغيب عنه، ليبقى العنوان الكبير من دون تفسير.

مثّل تصدي الشعب التركي -بمختلف مشاربه الثقافية- للانقلاب بنزوله واعتصامه في الشوارع أسابيع، ورفضه الانصراف قبل الاطمئنان على زوال الخطر الذي هدد الإصلاحات السياسية والخدمية والقضائية والعسكرية، التي أنجزتها حكومة يتفق معها ويختلف؛ ظاهرةً جديدةً في سلوك الشعوب مع الأنظمة السياسية.

سجل التصدي الشعبي للانقلاب في تركيا نقاطاً ارتكازية: الدفاع عن كيان الدولة، الدفاع عن نظام سياسي كأفضل من يدير كيان الدولة، وسجل موقفه من ظاهرة منظومات فكرية باتت تمثل جيلاً جديداً من الأقليات تتغول على اختصاصات الدولة وتقوض استقرارها، وشكل كيان الدولة بنمط الحكومة المركزية هو محور سلوك الشعب


كما سجل هذا التصدي نقاطاً ارتكازية: الدفاع عن كيان الدولة، الدفاع عن نظام سياسي كأفضل من يدير كيان الدولة (وليس مصادقة بالضرورة على رؤيته الفكرية)، وسجل موقفه من ظاهرة منظومات فكرية باتت تمثل جيلاً جديداً من الأقليات تتغول على اختصاصات الدولة وتقوض استقرارها، وشكل كيان الدولة بنمط الحكومة المركزية هو محور سلوك الشعب.

هذه النقاط هي المواضع التي تلقت فيها المجتمعات العربية في محيط تركيا الضربات التي انعكست على أمنها القومي إبان الربيع العربي ولا تزال، أما المجتمعات نفسها فقد انهار فيها نظام الحكومة المركزية بالكامل وانتقلت إلى النظام الآخر (العراق، سوريا، لبنان، اليمن).

أي أن القاسم المشترك بين تركيا ومحيطها هو اليوم أشمل من القاسم المشترك التاريخي، لكونه يغطي قناعات مطلق رقعة المجتمع باختلاف مكوناتها؛ فهو قاسم بين البقاء والفناء: بقاء يمثله نظام الدولة المركزية الحامي للمجتمع، وفناء يمثله النظام الآخر الذي يفكك الدولة ويعطل الحياة المدنية.

وإذا كان الكفاح من أجل البقاء هو أقوى الوشائج بين الإنسان والإنسان على الإطلاق؛ فإن ما جرى في ميادين تركيا كان مشهداً لمعركة البقاء والفناء التي تجتاح المنطقة، وهو ما يمثل مفهوماً لمواطنة إقليمية جديدة لا تقوم فقط على المقومات التقليدية كالقومية أو الدين، التي تشمل مساحات من المجتمع الإقليمي دون أخرى، وإنما على مفهوم تتشبث به رقعة المجتمع بأكملها.

وهو طور يعود إلى المنطقة من جديد ويكتسب ثقة متنامية بين مكونات مجتمعاتها، بعد مرور أكثر من قرنين على دخولها مسلسل الانحطاط السياسي، وبدء المشاريع الدولية لتفكيكها ككتلة سياسية واجتماعية. والأهم في هذا الطور أنه قناعة جماهيرية عفوية وليس تلقيناً سياسياً.

السلوك الجديد سنّ سنة سيئة من منظار مؤسسات صناعة الانقلابات في العالم، ويشكل بذلك مفهوماً أمنياً باتجاهين: مفهوم الدولة لدى المجتمع، ومفهوم الدفاع عن الدولة، واتجاه ثالث هو علاقة هذا السلوك بمحيط مسرح الحدث، فهذه العلاقة ترمز إلى شيء يستفيد الجميع من وجوده ويخسرون جميعهم بفقده، ويدافعون عنه على رقعتهم الإقليمية مثل دفاع المجتمع التركي عنه، ألا وهو الدولة.

وبعبارة أخرى؛ هذه العلاقة هي مجتمع مدني إقليمي يتشكل في المنطقة، وهو مجتمع حاضر في الكتل السياسية الكبرى، ويمثل صمام الأمان لاستقرارها السياسي.

ظاهرة لا تلقى رعاية
غير أن هذه الظاهرة العميقة وإعادة الاصطفاف الاجتماعي الإقليمي هذا -وهو الأول في المنطقة منذ تكوينها بعد الحرب العالمية- ظلت على طرفيْ ساحة الحدث تحت عناوين (الإمكانات الأمنية والسياسية والاقتصادية للانقلابيين) لا تفضي إلى تساؤلات تنسجم مع دلالاتها غير العادية، وفي منطقة تبحث في عرض البحر عن شاطئ السلامة، وعن ولادة جديدة لكن بمفاهيم ذاتية هذه المرة.

ولمقارنة الشيء بمثله فإنه لا تكاد مكتبة عامة أو دار نشر في أوروبا تخلو من قسم خاص بمؤلفات الثورة الفرنسية، والفترة الزمنية التي تغطيها هذه المؤلفات لا تبدأ من تاريخ 14 يوليو/تموز 1789 (تاريخ حدوث الثورة)، وما من باب من أبواب علوم السياسة والحقوق والاجتماع والأدب والفن إلا وهذه الثورة عنوان له، حتى غدت منعطفاً حاداً في المسار الاجتماعي والتاريخي والسياسي في أوروبا وعلامة فارقة في تقويمها السياسي.

إعادة الاصطفاف الاجتماعي الإقليمي بعد فشل الانقلاب -وهو الأول في المنطقة منذ تكوينها بعد الحرب العالمية- ظلت على طرفيْ ساحة الحدث تحت عناوين لا تفضي إلى تساؤلات تنسجم مع دلالاتها غير العادية، وفي منطقة تبحث في عرض البحر عن شاطئ السلامة، وعن ولادة جديدة لكن بمفاهيم ذاتية هذه المرة


ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الثورة الفرنسية شكلت نقطة انقلاب في مسار التاريخ، لا في أوروبا فحسب بل في أميركا التي كان لانتشار أفكار مشابهة لها فيها الأثرُ في إعلان الاستقلال الأميركي وإشعال فتيل الثورة الأميركية.

أما أوروبا نفسها فقط سقطت فيها الملكياتُ في طريق الثورة، وحدثت التحولات الاجتماعية كنشوء الطبقة الوسطى والحس القومي، وعبرت أخبار المشهد الفرنسي الحدود السياسية لمجتمعات أوروبا الجامدة سياسياً، وفرضت أسئلة ملحة على شرائح المجتمع يصعب تجاوزها.

وراحت المدارس في بريطانيا تستطلع عقل الطفولة بأسئلة بسيطة: لماذا ثار الناس على الملك؟ ولماذا دمرت الجماهير سجن الباستيل؟ كانت أوروبا تضع إجابات تنسجم مع الإطار الأوروبي العام ولا تخص الفرنسيين فقط؛ فاكتسب الحدث بُعداً إقليمياً.

وجدت أوروبا -التي كانت تعرف ما لا تريد (حكم الكهنوت ومن بعده حكم النبلاء) ولا تعرف ماذا تريد- في الثورة الفرنسية معلماً يهدي إلى شاطئ الدولة التي يشترك فيها المجتمع، وراحت تبرز كل إيجابي فيها وتطمس كل سلبي، فلا يدري العالم اليوم عن معارك الإبادة الجماعية التي ارتكبها زعماء الثورة وإزهاق أكثر من 117 ألف نفس سدت أكداس جثثهم أزقة باريس، وتعثرت بها سنابك الخيول وسط فوضى وإرهاب عارم.

وقد وصف مراسل صحيفة التايمز اللندنية بباريس بداية الثورة فقال يوم 16 يوليو/تموز 1789: "أحداث كبيرة غامضة تقع في باريس"، غير أن الستار الفكري أسدل على البداية الدموية ودوّن فصول الثورة بأحرف من نور، لتغدو المعلم الثقافي الأكبر للثلث الأخير من الألفية الثانية من تاريخ القارة.

وعلى النقيض من وصف مراسل صحيفة التايمز لأحداث باريس؛ كانت أحداث المدن التركية واضحة المعالم، عفوية التنفيذ، نظيفة، وعميقة الدلالة، وهي أشياء ليس اجتماعها من طبيعة الأشياء، غير أن الغموض كان في موضع آخر، وكان في غياب التفاعل بين مسرح الحدث (تركيا) ومحيطه (المجتمعات العربية) الذي هو أكثر انسجاماً معها من محيط فرنسا بالنسبة لثورتها.

فقد غابت ظاهرة المفاهيم العابرة للحدود السياسية بين مسرح الحدث والمحيط رغم تشابه المنطلقات والغايات. هذه الظاهرة (الغائبة) هي التي تستحق أن يكون لمسار بدأ في 2002 وكاد أن يطاح به في 15 يوليو/تموز 2016 مؤلفاتٌ في كل مكتبة عربية، وأن يكون له باب في أبواب السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولا تكون مفاهيم محلية وإنما مفاهيم لمنطقة تبحث عن إعادة تكوين نفسها بمفاهيم ذاتية، فيكون الحدث التركي مفترق طرق في التقويم السياسي للمنطقة.

ليس من غير الإنصاف القول: إن أحدث 15 يوليو/تموز -التي تسمّرت مجتمعات المنطقة أمام شاشات التلفاز لمتابعتها حتى ساعات الصباح الأولى للاطمئنان على نجاة الدولة في تركيا وفشل الانقلاب، ولإدراك هذه المجتمعات لحقيقة طرفيْ هذه المعركة: نظام الدولة المركزية ونظام المليشيات- لم تلقَ عناية تخصصية كافية في منابر الفكر والثقافة تترجم دلالات مسارها الإصلاحي، وتنقلها من مصاف السياسة والأمن إلى مصاف مفاهيم يعيشها ويدركها المجتمع الإقليمي.

ما بين مشهدين
ما يجدر ذكره هو أن النقلات التي أنجزها المسار الإصلاحي في تركيا وشملت مناحي الحياة والدولة كافة، وأصلح بها في عقد من الزمان قرناً من العطب السياسي والثقافي كان تحت حماية الدستور والجيش؛ هذه النقلات أعمق من تغييرات الثورة الفرنسية التي لم تخرج عن الإطار الثقافي والديني العام للمجتمع وكانت انقلاباً عسكرياً.

وهي أوسع من التجربة الصينية التي أتت لتصلح فساداً عمره ثلاثة عقود كان المصلح فيها هو المفسد نفسه (الحزب الشيوعي والجيش). والأهم من ذلك هو أن قطيعة تركيا عن قيمها أطول من قطيعة الصين وليس بين جيل النهوض (كما في الصين) من حضر جيل الأفول، فالمهمة أشقّ وبالتدوين أحقّ لتنتظم في إطار صحيح، ويستقبلها المحيط لا كتحدٍّ وإنما كبضاعة تعود إليه.

ما نحتاجه نحن قبل أن نتوجه بأسئلتنا إلى أطفالنا في مدارس بغداد والرياض ودمشق والقاهرة عن: لماذا تصرف الشعب التركي بهذه الشاكلة؟ هو إعداد الإجابات؛ فإجابات أوروبا كانت جاهزة عن أزمات مزمنة وجروح غائرة في مفاهيم المجتمع، كالاستغلال الاجتماعي والاقتصادي للإقطاع والنبلاء على حساب عامة الناس. أما إجاباتنا نحن فهي عن تساؤلات مفاجئة وطارئة


كما تجدر الإشارة إلا أنه رغم حجم الأسطورة الاقتصادية في المسار الإصلاح الصيني؛ فإن الكتب تفرد لها جانباً محدداً، وتسهب في الحديث عن الوعاء الفكري الذي تمت فيه الإصلاحات، ولماذا وكيف أوجد هذا الوعاء طريقاً ثالثاً لإدارة الدولة يتوسط نمطين من التطرف: الاستبداد الشيوعي والتسيب الليبرالي، وتسلط الضوء على انتقائية فكرية انتهجتها الصين لكونها تنسجم مع حاجاتها الحياتية وقيمها الكونفوشية.

ما نحتاجه نحن قبل أن نتوجه بأسئلتنا إلى أطفالنا في مدارس بغداد والرياض ودمشق والقاهرة عن: لماذا تصرف الشعب التركي بهذه الشاكلة؟ هو إعداد الإجابات؛ فإجابات أوروبا كانت جاهزة عن أزمات مزمنة وجروح غائرة في مفاهيم المجتمع، كالاستغلال الاجتماعي والاقتصادي للإقطاع والنبلاء على حساب عامة الناس.

أما إجاباتنا نحن فهي عن تساؤلات مفاجئة وطارئة، لا سابق لها ولسنا على جاهزية ثقافية للتعامل معها، وتتمثل في سقوط الدولة المركزية التي شكلت على مر العهود نمط النظام السياسي في مجتمعاتنا الذي تكونت في ظله شخصية الإنسان فهو لها كالماء للسمكة، وبغيابه تدب الفوضى في الشخصية الفردية والجمعية، ولا فرق بين أن تسقط الدولة المركزية في أنقرة أو بغداد أو دمشق.

الأدباء والمثقفون ومعهم الناس هم من منح أحداث 14 يوليو/تموز 1789 في فرنسا مسمى "ثورة"، وحاجة منطقتنا -التي هي على موعد مع إصلاحات بعد 100 عام من تكوينها، وتعاني من نظم سياسية واجتماعية تجعلها مرتعاً لمنظومات سياسية واجتماعية وافدة- إلى تركيا متعافية في 2017 أكبر من حاجة أوروبا إلى فرنسا في 1789.

ومثلما أن 14 يوليو/تموز 1789 لم يكن بداية تاريخ التتويج الفكري للثورة الفرنسية؛ فإن التتويج الفكري للثورة الاجتماعية والسياسية في تركيا لا يبدأ في 15 يوليو/تموز 2016.

ما زالت أرفف دور النشر تفتقد موسوعة بعنوان: "مسيرة تركيا الطويلة نحو دولة المؤسسات والقانون"، تشرح محطاتها وتتضمن أبواب: الإصلاح الاقتصادي والتحول من دولة فقيرة إلى دورة ثرية، تطور مفهوم المؤسسة والقانون، انسحاب الجيش من الحياة السياسية، تجاور الدين مع الدولة، تغيير خريطة القوى السياسية، تشريعات حقوق الأقليات، إصلاح النظام التشريعي، اجتثاث الفساد، استقلال النظام القضائي، الرعاية الاجتماعية، اللا مركزية في الحكم المحلي.

العنوان الحقيقي للكتاب أعلاه هو: "مسيرة الصين الطويلة نحو دولة المؤسسات والقانون"، وهو كتاب يقرأه العالم والعديد من عناوين فصوله مطابقة للفصول أعلاه، ورغم ذلك لا يتوفر تحت العنوان المحرّف، ويبقى العنوان الكبير من دون تفسير، وتبقى ثوراتنا بانتظار التنظير ليكتمل بناء مجتمعنا المدني الإقليمي، ويتحصن شارعه فيحمي الدولة مثلما حماها في تركيا.

المصدر : الجزيرة