كارل بيلت

كارل بيلت

رئيس وزراء السويد سابقا

ترغب الغالبية العظمى من الدول في القضاء على التهديد الوجودي للكوارث النووية، وهم محقون في ذلك؛ ولكن إيجاد عالم خال من الأسلحة النووية أمر سهل القول وصعب الفعل، وهناك خطر في أن بعض محاولات القيام بذلك تحمل في طياتها بوادر الفشل.

لقد انخفضت المخزونات النووية منذ نهاية الحرب الباردة في جميع أنحاء العالم بشكل كبير، وخفضت كل من روسيا والولايات المتحدة ترسانتيهما النوويتين بنسبة 80٪، وخلال رئاسة باراك أوباما، حثت الولايات المتحدة روسيا على مواصلة إجراء المزيد من التخفيضات. وفي أوروبا الغربية، جعلت المملكة المتحدة وفرنسا ترسانتيهما الصغيرتين أصغر مما كانتا.

ولهذه البلدان أسباب مختلفة لتخفيض مخزوناتها، ولكن كدول موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968 (وهي أساس الجهود العالمية للحد من التهديد الذي تمثله الأسلحة النووية)؛ فإن عليها أيضا التزام بعمل ذلك.

توقف التقدم في السنوات الأخيرة نحو نزع السلاح النووي، وتقوم روسيا حاليا بتحديث قواتها النووية الإستراتيجية، وبدأت تشير أحيانا كثيرة إلى قدراتها النووية في البيانات العامة، وهذا ما يفسر توقف الجهود الرامية إلى خفض الترسانات النووية في أوروبا الغربية. وتُراجع الولايات المتحدة -من جانبها أيضا- خياراتها لتحديث ترسانتها النووية


لقد توقف التقدم في السنوات الأخيرة نحو نزع السلاح النووي، وتقوم روسيا حاليا بتحديث قواتها النووية الإستراتيجية، وبدأت تشير أحيانا كثيرة إلى قدراتها النووية في البيانات العامة، وهذا ما يفسر توقف الجهود الرامية إلى خفض الترسانات النووية في أوروبا الغربية. وتُراجع الولايات المتحدة -من جانبها أيضا- خياراتها لتحديث ترسانتها النووية.

وفي الوقت نفسه واصلت باكستان إنتاج المواد الانشطارية المستخدمة في الأسلحة النووية، كما أن الجهود الرامية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية لم تحقق نجاحا يُذكر، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى إسرائيل.

لم يتمكن المجتمع الدولي من الاتفاق على وسيلة للمضي قدما في مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في عاميْ 2005 و2015. وبالطبع، فإن الطموحات النووية لكوريا الشمالية خلقت أزمة نووية أخرى في شرق آسيا.

وفي ظل هذه الخلفية، اقترحت مجموعة كبيرة من البلدان معاهدة شاملة بشأن حظر الأسلحة النووية، حيث أقرت 122 دولة عضواً في الأمم المتحدة مسودة تلك المعاهدة في أوائل يوليو/تموز الماضي. وللأسف، فإن ما بدأ جهدا إنسانياً جديرا بالاهتمام بلغ ذروته باقتراح معيب للغاية. هناك ثلاث قضايا تبرز أولاً، فبما أنه لا توجد دول نووية تؤيد معاهدة حظر الأسلحة النووية، فإن الاقتراح الحالي -بحد ذاته- لن يخلص العالم من رأس حربي نووي واحد.

والأسوأ من ذلك، أن المعاهدة الجديدة يمكن أن تقوض معاهدة عدم الانتشار التي تحظى -رغم عيوبها- بدعم أوسع بكثير، بما في ذلك من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن (الصين وفرنسا وروسيا وبريطانيا وأميركا). وأخيرا، فإن التعامل مع مفهوم الردع النووي الشامل على أنه غير قانوني -أو حتى غير أخلاقي- يمكن أن يهدد الأمن بأوروبا وشرق آسيا.

لم تتضمن المسودة الأولى للمعاهدة -عندما تم الكشف عنها في وقت سابق من هذا العام- نصوصا تحظر صراحة استخدام الأسلحة النووية كرادع، ولكن النسخة التي صوتت عليها البلدان في يوليو/تموز تضمنت ذلك، وهذا يعتبر تغييرا حاسما.

إن التهديد بضربة نووية مضادة هو ما يمنع البلدان من استخدام الأسلحة النووية في المقام الأول، علما بأن ما يسمى الردع الشامل عبر التحالفات هو ما يحمي الدول غير النووية من الابتزاز من قبل الدول النووية. وبدون الردع الشامل، يمكن للبلدان غير النووية أن ترى أن من المناسب الحصول على أسلحة نووية خاصة بها.

ولهذا السبب صوتت هولندا في نهاية المطاف ضدها، وهي البلد الوحيد العضو في منظمة حلف شمال الأطلسي الذي شارك في صياغة معاهدة حظر الأسلحة النووية. كما امتنعت اليابان -وهي الدولة الوحيدة التي تعرضت للهجوم بالأسلحة النووية- عن تأييد المعاهدة، لأنها تعتمد على الردع النووي الشامل من أميركا. وبدون هذه الحماية، ستكون اليابان معرضة تماما للابتزاز النووي الصيني والهجمات الصاروخية الكورية الشمالية.

والواقع أنه نظرا إلى أن الدبلوماسية والعقوبات الصارمة لم تضع حدا للبرنامج النووي لكوريا الشمالية، فإن الردع النووي هو الوسيلة العملية الوحيدة لحماية بلدان شرق آسيا من الابتزاز أو الهجوم النووي. وبالمثل، فإن الغالبية العظمى من البلدان الأوروبية (من فنلندا إلى البرتغال) لا ترغب في العيش تحت ظل الرؤوس الحربية النووية الروسية دون أي شيء لحمايتها.

يمكن أن تؤدي مسودة المعاهدة -من خلال حظر الردع فعليا- إلى عالم أقل أمنا مما هو عليه فعلا؛ وبطبيعة الحال، يقول مؤيدو المعاهدة إنهم سيبنون الدعم الشعبي لحظر الأسلحة النووية على مر الزمن، مما يجبر حكومات الدول النووية على التخلي عن ترساناتها في نهاية المطاف.

هناك نهج أكثر واقعية يتمثل في مواصلة إجراء مزيد من التخفيضات في الأسلحة النووية في كل من أميركا وروسيا، حيث لا تزال هناك حاجة للتعامل مع مخاطر كبيرة. ومن أجل تحقيق هذه الغاية؛ فإنه من المهم ألا يقوم أي من البلدين بتحديث ترسانته النووية بطريقة يُنظر إليها على أنها توسّع قدراته النووية. وبدلا من ذلك، يجب أن يمهد البلدان الطريق لمزيد من التخفيضات


ولكن هذا الأمر يُعتبر من السذاجة بمكان؛ حيث لا يمكن لأي شخص ذي صلة بالواقع أن يعتقد جديا أن حكومات الصين وإسرائيل وباكستان وروسيا ستتخلى ببساطة عن أسلحتها النووية، لأن الرأي العام قد تحول ضدها.

ومما يؤسف له أن الأسلحة النووية تحظى بشعبية واسعة في هذه البلدان، لأنها تعتبر ضمانا أمنيا وتجسيدا لطموحات وطنية على الساحة العالمية. إن أولئك الذين يريدون عالما خاليا من الأسلحة النووية يجب ألا يوافقوا على هذه النظرة التي لا يمكن أن نتجاهلها.

هناك نهج أكثر واقعية يتمثل في مواصلة إجراء مزيد من التخفيضات في الأسلحة النووية في كل من أميركا وروسيا، حيث لا تزال هناك حاجة للتعامل مع مخاطر كبيرة. ومن أجل تحقيق هذه الغاية؛ فإنه من المهم ألا يقوم أي من البلدين بتحديث ترسانته النووية بطريقة يُنظر إليها على أنها توسّع قدراته النووية. وبدلا من ذلك، يجب أن يمهد البلدان الطريق لمزيد من التخفيضات.

أما في الشرق الأوسط، فيمكن أن يؤدي إنهاء الصراعات الحالية وتطوير آليات حل النزاعات إلى دفع عجلة التقدم نحو منطقة خالية من الأسلحة النووية بمرور الوقت. وفي هذا الصدد، يعتبر الاتفاق النووي بين إيران و"5 + 1" (الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا) خطوة أولى هامة.

أما بالنسبة لجنوب آسيا؛ فإن المرء يأمل أن يساهم الانفراج بين الهند وباكستان في تحسين السيطرة على الأسلحة النووية، حتى ولو بقي ظل الصين -التي ترى أن قنبلتها جزء من مكانتها في العالم- يخيّم على الهند.

وفي النهاية، ربما لا يمكن تحقيق نزع السلاح النووي الشامل بخطوة كبيرة واحدة، فالعالم يحتاج لنهج تدريجي يستند إلى معاهدة عدم الانتشار النووي، وتخفيضات الأسلحة الإستراتيجية لدى القوى الكبرى، وحل النزاعات في المناطق الرئيسية.

وفي السيناريو الأفضل؛ ستكون معاهدة الحظر النووي المقترحة مجرد موضوع ثانوي، ولكن هناك ما يدعو إلى الخوف من أنها ستؤدي إلى تعقيد الجهود الجارية لتخفيض الترسانات النووية، وزيادة الفجوة بين الدول النووية وغير النووية. وفي أسوأ السيناريوهات؛ يمكن أن تزيد من خطر نشوب صراع نووي في المناطق الرئيسية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت