عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميزوري

التاريخ من وراء الحادثة
ليس ترمب منتهى التحليل
عمال بيض.. غاضبون
أعمار في غير صالح الأعمال 

لم يأت للعرب والمسلمين ذكر في حادثة الإرهاب الدامية في شارلوت فيل بالولايات المتحدة، وهو ما لم يقع لهم منذ 9-11 (هجمات 11 سبتمبر). وربما وجدوا في سانحة براءتهم هذه وحيثياتها مادةً ليتفكروا في مضاعفات التاريخ الأميركي ودفائنه. فلربما جاؤوا إلى مسرحه المتفلت متعقبين الحلم الأميركي الموعود، أو لواذاً من خوف، بغير استعداد كبير لأثقاله التي خرجت عليهم.

ولم يجد أكثرهم في جعبته تفسيراً لعاديات أميركا الكثيرة عليهم سوى أنها أثر من الصليبية. ولكن حادثة شارلوت فيل -التي أُعفوا من التذنيب فيها بالمرة- مؤشر قوي على أن التاريخ الصليبي المخصوص للعرب والمسلمين قد لا يصلح وحده لتفسير محنتهم الأميركية.

فالحادثة بنت تاريخ أميركي أساسي اكتوى منه كل غير أبيض، بل -وفي أوقات ما- كل أبيض ليس من "الواسب" (البيض البروتستانت من ولايات الجنوب الأميركي). فالمسلمون والعرب عليه -في عبارة أميركية- هم "الولد الجديد في الحارة"؛ فما ينال هذا الفتى من أذى صبية الحي قد سبقه إليه كل من جاء متأخراً إلى الحارة.

التاريخ من وراء الحادثة
دارت الحادثة حول عزم مدينة شارلوت فيل على نزع تمثال الجنرال روبرت لي من حديقة اتخذت اسمه أيضاً في وسط المدينة. وأخرجت أميركا أثقالها؛ فالجنرال لي هو قائد جيش الولايات الأميركية الكونفدراليةخلال الحرب الأهلية (1861 - 1865)، وهي الولايات التي شقت عصا الطاعة على الاتحاد الأميركي (اليونيون).

حادثة شارلوت فيل بنت تاريخ أميركي أساسي اكتوى منه كل غير أبيض، بل -وفي أوقات ما- كل أبيض ليس من "الواسب" (البيض البروتستانت من ولايات الجنوب الأميركي). فالمسلمون والعرب عليه -في عبارة أميركية- هم "الولد الجديد في الحارة"؛ فما ينال هذا الفتى من أذى صبية الحي قد سبقه إليه كل من جاء متأخراً إلى الحارة


ووقع الانشقاق بعد فوز الرئيس أبراهام لنكولن لأنه وحزبه الجمهوري بيّتا النية على إلغاء الرق، ورأى الكونفدراليون في ذلك تغولاً من الحكومة الاتحادية على حقوق الولايات التي لها القرار في مثل ذلك الشأن. وجدير بالذكر أن ضحايا حرب الإخوة تلك (700 ألف في المتوسط) فاق عددهم ضحايا حروب أميركا العالمية والقارية والإقليمية إلى يومنا مجتمعين. ولكنها أيضاً الحرب التي حررت أربعة ملايين أميركي من أصل أفريقي من مذلة الاسترقاق.

بدا الجدل حول إزالة التمثال عام 2016 في سياق حملة تقدمية للحقوق المدنية رمت إلى تصفية رموز الكونفدرالية التاريخية، وتبلغ هذه الرموز من نُصب وتماثيل وأعلام مرفرفة فوق ساريات الدولة نحو ألف، في 31 ولاية، منها 35 في ولاية كارولاينا الشمالية وحدها، وتم بناؤها عام 2000.

نشطت حملة إزالة هذه الآثار في 2015 بعد قتلِ زاعمٍ سيادةَ البيض لتسعة من السود في كنيسة بشارلستون (ولاية كارولاينا الجنوبية). وجدّ في مطلب إزالة تمثال الجنرال لي طالب أسود في الثانوية بفرجينيا، ولبّى دعوته عمدة المدينة. وبعد لقاءات بين إدارة المدينة وأهلها؛ اتفقوا على أن يُبعد التمثال عن الحديقة العامة، أو أن تزود إدارة الحديقة الزائر "بعَلَم مضادّ" لمأثرة الجنرال يضعه في زمانه وبؤس فعاله.

وزادوا بأن غيروا اسم الحديقة نفسها إلى "حديقة العتق/التحرير". ثم عادت المدينة في أبريل/نيسان 2016 لتقرر بيع التمثال، وحكم قاض بوقف إجراءات البيع. وأخذ البيضان القوميون وأولو العزة بإثم السمو العرقي (سنشرح الفرق لاحقاً) في حشد قواهم منذ مايو/أيار الماضي، للضغط على المدينة لإلغاء قرارها بإزالة التمثال.

فبعد مظاهرة مايو/أيار جاءت مظاهرة أغسطس/آب الجاري التي دهس فيها فتى عنصري أبيض صفوف مظاهرة المعارضين لموكب البيضان، في ما وُصِف بـ"الأسلوب الداعشي"؛ فقتل سيدة في الثانية والثلاثين من عمرها وجرح العشرات.

ليس ترمب منتهى التحليل
وبدا أن البيضان -في مقاومتهم نزع تمثال الجنرال لي- فريقان؛ فهناك الكوك كلس كلان -المعروفة بعنصريتها التاريخية ضد السود- والبيض المستعلون على نهج النازية ضد اليهود، ولكن هناك جماعة ظهرت مؤخراً على مسرح السياسة الأميركية هي "اليمين البديل"، ومن أبرز منظّريها ستيفن بانون الذي هو من أبرز مستشاري الرئيس دونالد ترمب.

وهذا تمييز لم يتوقف عنده المحللون الليبراليون هنا لأن الحادثة -فكرة وممارسة- مما وظفوه لإحراج الرئيس ترمب للمرة الألف، خاصة حين تقاعس عن وصف الحادثة -في أولى عباراته- كإرهاب داخلي قام به البيض المستعلون النازيون والكوك كلس كلان.

وغير خافية بالطبع الأواصر بين العنصريةالبيضاء بأي صورها والرئيس ترمب؛ فلم يترك الرجل -خلال الانتخابات- باباً للشك في مناشئه السياسية العنصرية حتى نزايد عليه. ولكن من اللافت أن رتشارد سبنسر -وهو من مؤسسي "اليمين البديل"- طلب من وسائل الإعلام التمييز بينهم وبين الكلان.

هناك جماعة الكوك كلس كلان -المعروفة بعنصريتها التاريخية ضد السود- والبيض المستعلون على نهج النازية ضد اليهود، ولكن هناك جماعة ظهرت مؤخراً على مسرح السياسة الأميركية هي "اليمين البديل"، ومن أبرز منظّريها ستيفن بانون الذي هو من أبرز مستشاري الرئيس دونالد ترمب


ولكن أصرح من جاء بالتفرقة بينهما هي أماندا توب (نيويورك تايمز، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016)، ناظرة إلى كتابات الأكاديمي البريطاني إريك كوفمان؛ فقالت إنهما مختلفان رغم أن كليهما كان من وراء نصر ترمب في انتخابات الرئاسة 2016.

فدعاة السيادة البيضاء -مثل الكوك كلس كلان- يطلبون أن يتضمن الدستور التفرقة بينهم كبيضان وبين سواهم، بالنظر إلى ميزاتهم المزعومة بمجرد الميلاد كبيض أوربيين، بينما يكتفي القوميون البيضان بأن يكون لهم التمكن الاقتصادي، ولا يحفلون بعنصر الأغلبية أو الثقافة في هذا التمكين.

وكان موكب البيضان في شارلوت فيل معرضاً لتباين الجماعتين؛ فجاءت الكلان إلى المدينة بعدتها وعتادها القديم، فتعبّأت برموز عقيدتها الصريحة في علوهم على العالمين. جاؤوا بلُبوسهم التقليدية ملوّحين بعلم الكونفدرالية، حاملين المشاعل التي هي عنوان للإرهاب العنصري. وكانت المشاعل مما تستضيء بها عُصَبهم في تعقّب مطلوبيهم من السود المتهمين عندهم بشيء.

وجعلوا علامة الصليب المعقوف النازي على ستراتهم، وهتفوا ضد اليهود: "‘الغوييم‘ عليمون بالأمر"، و"الغوييم" هي لفظة الاستحقار في العبرية لغير اليهود، أي أنهم لم تعد تخفى عليهم خافية، و"الوسائط اليهودية مصيرها الهلاك"، و"الدم والأرض" من مخلفات النازية أيضاً.

وهذه الشعارات خلاف ما ابتكره القوميون البيضان ناظرين إلى حقائق سياسية مستجدة. فجاءت شعاراتهم بمثابة الرد على عبارات للسود، مثل "حياة البيض تسوى" في مراوحة عند "حياة السود تسوى"، و"لن تستبدلونا أبداً"، و"روسيا صديقة".

عمال بيض.. غاضبون
أمر الكوك كلس كلان قديم ومعروف، ولا شفاء لهم من علتهم. ولكن يستحق تيار "اليمن البديل" وقفة مستقلة تحلل عرقيتهم البيضاء بحقائق أفاق لها أهل النظر بعد فوز ترمب.

فقد اتفق للمحللين أن من أسباب سقوط الحزب الديمقراطي القوية في انتخابات الرئاسة هو فشله في استصحاب أوضاع الطبقة العاملة البيضاء وأوجاعها في حملته الانتخابية، وبالنتيجة ولّت هذه الفئة وجها صوب الرأسمالي الشعبوي الذي مناها المن والسلوى: ستكون أميركا عظيمة مرة أخرى، وسيسترد الوظائف المختلسة من أميركا في شعاب العالم.

فقد أعمى الديمقراطيين وشيعتهم الأكاديمية تركيزهم الحاد على نقد المجتمع الأميركي والرأسمالية من جهة جرائرهما بحق الأنثوية والعرقية والميول الجنسية، دون تبصّر خذلان الرأسمالية لهذه الطبقة.

وبالغوا في التحليل على ضوء هذه المعطيات، حتى قال عنهم ديمقراطي سعى لنيل ترشيح حزبه للفوز في 2016 وهو ديك سانتورم، إنه جدت للديمقراطيين مشكلة مع الطبقة العاملة لم ينتهزوا سانحة الانتخابات لمقاربتها.

ولما خذل الحزبُ الديمقراطي البيضانَ من العمال تقاطروا على ترمب بصورة درامية، صوّرها فريد زكريا في وثائقيته الحسنة في "سي أن أن" بعنوان: "لماذا فاز ترمب؟". وكان تقاطر الديمقراطيين في أوهايو من حزبهم إلى ترمب هجرة مستجيرٍ من الرمضاء بالنار. ويستدرك الديمقراطيون عزلتهم القاتلة عن الطبقة العاملة هذه الأيام بطواف بعض نوابهم في الكونغرس على طائفة من نقابات العمال (نيويورك تايمز، 15 أغسطس/آب 2017). 

عدّد فريد زكريا أسباب أزمة الطبقة العاملة البيضاء -التي هي أرضية مؤكدة لليمين الجديد- في الثقافة والتواصل والطبقية والرأسمالية، وكلها تبدأ بالحرف (سي) في الإنجليزية. وتواترت كتابات قبيل فوز ترمب وبعده تحلل خذلان الرأسمالية المعاصرة للطبقة العاملة البيضاء.

فقد كتب ريك وارتزمان في "نهاية الولاء: صعود الوظائف الحسنة وتهافتها في أميركا" عن تزايد أعداد العمال المؤقتين منذ 2005، ببلوغهم في 2010 نحو 40% بزيادة بلغت 30%.

وهذه الوظائف عند الحاجة إلى عامل تحرم شاغليها من ميزات العمل ذي الدوام الكامل من مثل التأمين الصحي. فوظائف الدوام الكامل هي الوظائف التي "هُرّبت" إلى خارج أميركا، أو استُغنِي عنها بالأتمتة، أو استبعدها الحرص على خفض تكلفة الإنتاج لزيادة عائد أصحاب الأسهم في الشركات.

أعمار في غير صالح الأعمال
وعاد تهتك العقد بين العمل ورأس المال -في قول وارتزمان- بوبال نفسي كبير على البيضان؛ فاضطروا -وهم من أمِنوا في السابق إلى وضعيتهم كطبقة وسطى- إلى تكفّف "سقط" الدولة الإعاشي بما لم يطرأ لهم من قبل. وكانت نتيجة هذه الوهدة أن صارت حيوات الذكور البيض من متوسطي العمر (45-54) أقصر.

قد يسعد العرب والمسلمون لأن واقعة شارلوت فيل الإرهابية العرقية لم تأتِ بذكرهم. ولكنهم لو تجاوزوا في درسها تعييبَ ترمب إلى إتقان التعاطي مع محركات المجتمع الأميركي وتاريخه -من قوى ورموز- لتواضعوا على إستراتيجية طويلة المدى لمواطنة أميركية آمنة


فصار معروفاً منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2015 -بطريق تقرير معزز- تزايد وتائر الموت بينهم بمعدل 22% منذ 1999. وهو معدل لم يحدث بالمقارنة في بلاد أوربية أخرى. فصار البيض المتوسطو العمر هؤلاء ضحايا للانتحار والإدمان، والإسراف في تجرع مهدئات الألم والإحباط.

وليست الظاهرة أميركية عامة لأن معدل الموت بين السود في عمر البيض لم يتغير. وعزوا الأمر إلى أن السود تعلموا -على مر السنين- أن يتعاطوا مع الخيبة في حياتهم بوسائط الموسيقى والدين. 

قد يسعد العرب والمسلمون لأن واقعة شارلوت فيل الإرهابية العرقية لم تأتِ بذكرهم فحسب، بل كشفت المزيد من العورة العرقية للرئيس ترمب، "رأس الكفر" في المصطلح الإسلامي.

ولكنهم لو تجاوزوا في درسها تعييبَ ترمب إلى إتقان التعاطي مع محركات المجتمع الأميركي وتاريخه -من قوى ورموز- لتواضعوا على إستراتيجية طويلة المدى لمواطنة أميركية آمنة وإيجابية وخلاقة. فغالباً ما ردوا ما يصيبهم من نقص في أنفسهم وأذى لمساجدهم بأميركا إلى صليبية كامنة.

ولكنهم -متى صحت لهم هذه الإستراتيجية- لربما رأوا أبيض غاضباً لا صليبياً. فهذا الأبيض متى نظر إلى "السيليكون فالي" -وهو مركبة القيادة في الصناعة الإليكترونية بكاليفورنيا- وجد ثلثيْ وظائف مديري شركاته من آسيا. ومصدرُ غَبْنِهِ أنهم جاؤوا إلى أميركا لضرورات الكفاءة في الاقتصاد، مما جعل من أميركا وطنِه مصنعاً لا مجتمعاً مدنياً.

المصدر : الجزيرة