مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

لم يكن بروز الإشكال الثقافي العميق -الذي تحدثنا عنه في حوارات باريس- حول احتجاج بعض الزملاء اليساريين على انطلاق قاعدة حوار حضاري مقابل للغرب تعتمد الفكر الإسلامي المعاصر، لصناعة جسور فكرية تساعد المجتمعات الإنسانية على تنظيم علاقاتها وتعزيز تعايشها؛ محصوراً في هذا الحوار.

فأزمة فهم الحياة المدنية في الفكر الإسلامي واسعة بين غير المسلمين وبيئات عديدة من المسلمين، وهناك خلط شديد بين تخلّف سقطت فيه الحالة الإسلامية والفكر الذي هو نتيجة الفهم الدقيق لفلسفة الإسلام عبر نصوصه القطعية (أي النص التاريخي في فهم التجربة الإنسانية، بمفهوم علم الاجتماع السياسي)، والتجربة التطبيقية التي استهدت بمقاصد الفكر الإسلامي منذ بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأصول الرشد الكبرى للحياة البشرية للمسلمين، وخاصة معادلة الإيمان التي تُعزّز العمل المدني لتحقيق الاستخلاف، أي مهمة البشر لعمارة الأرض في أحسن صورها الأخلاقية والعمرانية.

فأزمة الفهم قائمة حتى اليوم في مجتمعات المسلمين وفي فريق من العلمانيين من أبنائهم، ويعزّز شراسة التعامل مع الفكرة خضوعها لحصار شديد من الاستبداد الدولي والمحلي، وتقاطع المصالح الذي ساهم في خنق الحريات في الشرق الإسلامي، ثم انفجار حالات الغلو المسلح بعد أن كان غلواً مدنياً لا يحمل السلاح.

قصّر الخطاب الإسلامي المعاصر كثيراً في مواجهة حالة الانحراف، بعد أن نجح الاستبداد في دفع قطاع واسع منه للانشغال بالصراع المذهبي، أو الدخول في برنامج العواصف الكلامية التي ترد على مشاريع ومنابر الانحياز الديني والسياسي والعسكري للغرب، كظواهر صوتية يُفرِّغ عبرها الاستبداد أزمة الفشل الذي سبّبه لمجتمعات المسلمين


وقد قصّر الخطاب الإسلامي المعاصر كثيراً في مواجهة حالة الانحراف، بعد أن نجح الاستبداد في دفع قطاع واسع منه للانشغال بالصراع المذهبي، أو الدخول في برنامج العواصف الكلامية التي ترد على مشاريع ومنابر الانحياز الديني والسياسي والعسكري للغرب، كظواهر صوتية يُفرِّغ عبرها الاستبداد أزمة الفشل الذي سبّبه لمجتمعات المسلمين، ويُشغلهم بها عن خطاب نهضتهم.

وتحريرنا هنا للخلل الذاتي ليس فقط لتقديم الجواب للمتسائلين اليساريين أو التقدميين الغربيين بالمجمل، بل لمعرفة هذا الخلل في فترة زمنية مهمة، تعود فيها أسئلة النهضة لحركة الإحياء الإسلامي للفكر الإنساني، وهذا الخلل بكل جوانبه اخترق العلوم الفلسفية الحديثة في جزء مهم من الجانب العربي.

وقد انتهى إلى ما يشبه ترسيخ الرفض الشامل لمفهوم المنتج الحضاري للإسلام، عبر بعض الخطاب العلماني العربي وليس كله، هذا الخطاب -الذي اعتمد هذا الإقصاء- انعكس موقفه في تقييم القضية الثقافية، وحين تبنى الفكر الغربي الحديث موقف الباحث العلماني لتوافقه معه، انتشرت رؤيته في الرواق الغربي، كتعزيز لأيدلوجية صراع يأخذ موقفا صداميا من الفكرة الإسلامية، وليس كميزان للفكر الفلسفي.

في حين أُغفلت مراجعات مهمة وتصويبات دقيقة والتقاطات تاريخية لمفاهيم النهضة الفكرية، بعثها تحالف غير منظّم بين المفكرين العرب العلمانيين والإسلاميين، تعود إلى جوهر السؤال الكبير، أين الفكر المدني في الفقه الإسلامي؟

ومن هذه النماذج مثلا ما كان طرحاً مشتركا في بعض المسارات بين د. عبد الوهاب المسيري ود. محمد عابد الجابري، فكلاهما وجد في الإرث الفكري الإسلامي مادة نهضة تدعم الفكر الإنساني للحياة.

كما أنك تجد في موقف المفكر الأميركي المسيحي من أصل عربي فلسطيني د. إدوارد سعيد، الذي رعته جامعة كولومبيا الأميركية فأطلق رحلة الدفاع عن الاستقلال الفكري، وهي قضية مهمة في تنظيم المعايير الفكرية، أمام نمطية الاستشراق الغربي، وهو منهج مركزي في تحرير استقلال الفلسفة، ليُفهم هذا الشرق كما هو وليس كما قدمه الاستشراق الغربي.

ويبرز الجانب المستقل بوضوح في تأطير الفكر المدني للإسلام في فلسفة الفكر النقدي العلمي، لمعادلة الروح والمادة بين المسيحية والشيوعية، التي قدمها فيلسوف من أعاجم المسلمين هو د. علي عزت بيغوفيتش الرئيس المؤسس للجمهورية البوسنية الديمقراطية الحديثة، في كتابه الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب". فهذه منظومة مرافعات فكرية لا يمكن أن يُغفلها الباحث المستقل للوصول إلى جواب صحيح.

وهنا سؤال مهم كيف يُنظم تحرير فكر النهضة في المشرق الإسلامي، وكيف تُعاد صياغته ليغوص في أسرار الفلسفة الإسلامية، بعيداً عن جنايات التاريخ التي ارتكبها بعض المسلمين، وبعيداً عن قوالب التفكير المَرضي العاطفي، وبعيداً أيضاً عن أيديولوجية الهزيمة التي لا تستطيع أن تقدم مادة مستقلة للفكر الإنساني، تتجاوز بها حدود ما وصلت إليه الفلسفة الاجتماعية للغرب المسيحي أو الملحد.

والتي أُطلقت عبرها مشاريع الدولة المدنية الحديثة التي نجحت في بعض المسارات خاصة في بعض دول أوروبا، وحققت نظام عدالة قانونية يحقق الاستقرار المعيشي والرفاه، لكن في إطار قومي خاص داخل هذه الجغرافية.

ولا يوجد أبداً برنامج معالجة عالمي للاتحاد الأوروبي ذاته، لأن مفهوم الشراكة الإنسانية -وهي قضية يُبشر بها اليسار العالمي قديما- لم يُحرر فكريا بمبادرة ثقافية واضحة، فضلاً عن أن توضع لها مشاريع سياسية قابلة للتطبيق، لنشر العدالة الاجتماعية بين العالم كله وليس في جغرافيا محدودة من الغرب.

بل إن الحالة اليسارية في الغرب ذاته تعرضت شريحة منها لتكييف رأسمالي وبرجوازي كبير، مما خلق أرضية توحش ضخمة تسببت في حروب مصلحية نازفة للدماء، فيما وُظفت حصيلتها ضمانا لدعم الميزانية الاقتصادية لشعوب الرفاه على حساب شعوب الشرق.

البناء على جدولة حقوق شخصية ونظم دستورية حققها الغرب -وهو يستحق الإشادة بما نجح فيه، بل يحتاج العالم الجنوبي أن يستفيد من تجربته- لا يكفي، فالحضارة الإنسانية بناء مشترك بين البشرية في ما تنجزه، وهذا ما ينبغي ترسيخه، لكن هناك أيضاً عالم جنوبي يُطحن وفيه مئات الآلاف من ضحايا الحروب والمصالح الغربية، وخاصة في الشرق


والمقصد هنا هو أن البناء على جدولة حقوق شخصية ونظم دستورية حققها الغرب -وهو يستحق الإشادة بما نجح فيه، بل يحتاج العالم الجنوبي أن يستفيد من تجربته- لا يكفي، فالحضارة الإنسانية بناء مشترك بين البشرية في ما تنجزه، وهذا ما ينبغي ترسيخه، لكن هناك أيضاً عالم جنوبي يُطحن وفيه مئات الآلاف من ضحايا الحروب والمصالح الغربية، وخاصة في الشرق.

فما هو المعيار لتوزيع المسؤولية في ما آلت إليه أوضاعهم؟ ومع الجهد الكبير لحلقات النقد اليساري المستقل الذي لم ينجح المشروع الإمبريالي في توظيفه في حركة السياسة الغربية الحديثة ضد الجنوب وضد التكافل العالمي؟ فإن هذا الجهد لم يستطع وقف أشرس الحروب وأشنعها مآلاً، ولم يوقف دعم الغرب لمصالحه مع الاستبداد العربي.

بمعنى أن الحركة الثقافية الحقوقية في الغرب -بالمفهوم العالمي للعدالة الاجتماعية- لم تستطع حتى اليوم خلق تحالف ثقافي قوي، يبدأ بالتبشير لإنشاء جسور إنسانية عادلة بين الجنوب والشمال، ولم تستطع أن تطلق مفاهيم تأسيسية فاعلة لميثاق إنساني عملي، يوقف توظيفات التطرف المختلفة لثقافة الجهل، ويحث على المشترك الإنساني بين الأمم، وبالتالي يساهم في تخفيف توتر العالم ضد الإنسان نفسه.

إن نموذج علي عزت بيغوفيتش لا نعرف له مثيلاً اليوم في العالم الحديث منذ الحرب العالمية الثانية بل ولا في قبلها، وكيف اختط مفكر إسلامي عميق الفلسفة مشروعه الإنساني، وحقق معادلة المقاومة المزدوجة لنجاة شعبه من حرب دينية قومية بشعة، وهو يحمي كل قوميات البوسنة المختلفة الديانات، ثم ينتهي إلى مشروع فكري سياسي نجح في تأمين هذا الجزء من البلقان ونقله من حالة الحرب إلى السلام، والسلام الاجتماعي الصعب الذي صمد حتى اليوم وبدأ تفعيل رحلته الوطنية. فهل خضعت تجربة بيغوفيتش لحوار إنساني واسع، خاصة في أروقة اليسار الغربي؟

وهنا لستُ أقلل من كارثة تخلف الخطاب الإسلامي المعاصر الذي كتبت عنه حلقات نقدية، وعن إشكالية اختراقه من الفكرة السلفية المتشددة، وعن زجه في حصار الاستبداد وانفجاراته العاطفية، وإنما مدار السؤال هنا يقوم على جانب الطرف الآخر في الحراك الغربي، وسؤاله عن الشريك الثقافي.

والحقيقة أن هناك أزمة واسعة في هذا الجانب يجب علينا جميعا، أن نعالجها، وهي قضية إعادة قراءة المنتج الفكري للمسلمين، وفهم النص الذي يتعبدون به في إعمار الدنيا، وليس في خطاب الروح التي تُبعث في المعابد لترقية النفس وتهذيبها فقط.

وهي معادلة خطاب مختلفة كلياً عن رحلة الدين المسيحي من القرون الوسطى وحتى الدولة الحديثة، ورغم كل الأحداث الدرامية والصراع الديني/المدني في الغرب، فإن البعث المسيحي -أكان معتدلا أم متطرفا- لا يزال فاعلاً في الحياة الغربية، وهو أمرٌ مفهوم لدي ضمن سياق البحث الفلسفي.

فالإنسان بحاجة إلى تواصل مع روحانية تسري في جسده، ويجد جفافا وحيرة قاهرة تغمره كلما حاول تحييدها، وقد تُستثمر هذه الروحانية إيجابيا في حب الخير وإنجاد الضعفاء ونشر الرحمة ورضا الضمير وهدأة النفس، وقد تُستثمر أيضاً حين توظف في الشر لتبرير الحرب والغزو والتمييز العنصري.

هنا مفصل مهم للغاية في ما يخص الفكر الإسلامي، وهو أن مادته الذاتية الفكرية وتجربته البشرية -وفقاً لفهم روادها- كانت متداخلة بصورة واسعة مع قيم الحياة المدنية، فلم تكن أوراد تعميد ديني منعزلة، وهو توضيح نُجيب به على الاعتراض اليساري، منطلقين من أساسيات الفلسفة الاجتماعية، التي تحتاجها كل شعوب الأرض لصناعة مستقبلها المدني بنجاح.

المادة الذاتية للفكر الإسلامي وتجربته البشرية -وفقاً لفهم روادها- كانت متداخلة بصورة واسعة مع قيم الحياة المدنية، فلم تكن أوراد تعميد ديني منعزلة، وهو توضيح نُجيب به على الاعتراض اليساري، منطلقين من أساسيات الفلسفة الاجتماعية، التي تحتاجها كل شعوب الأرض لصناعة مستقبلها المدني بنجاح


ولذلك لم أُغرق في نشر تفاصيل منظومة التعاليم والأفكار وقواعد العدالة الاجتماعية التي تميّز بها الفكر الإسلامي، وإنما رغبت في أن أركز على المدخل الأهم للوصول إلى الجواب المقنع، فأول مهمة يحتاجها الباحث الجديد هي أن يبدأ في البحث عن الفكر المدني وفقا لهذا العلم (الفلسفة الاجتماعية)، وأين خلاصات الفكرة الحضارية الإسلامية المشتركة للناس.

ثم يتجول بعين ناقدة بصيرة في خلاصات الواقع العالمي الجديد وأين سيتجه، وهل ما جرى من تحول سياسي ودستوري بُني على قواعد فلسفة اجتماعية للعالم الغربي ضامن لإنقاذ العالم أم انتهى إلى إدارة حروب؟ رغم أن البعد الديني المسيحي والإلحاد الشيوعي -وما بينهما من مستويات- كانا حاضريْن في رحلة الفلسفة ورحلة الدولة؛ فهل نجحا في بناء العالم الجديد وفقا للعدالة الاجتماعية العالمية؟

أعتقد أن إحصائيات الأمم المتحدة تكفي لتبين حقائق مروعة عن أوضاع الإنسانية المحرومة في العالم، كما أن نتيجة التوحش الديني -سواء أكان باسم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو خلفيات الروح الكنسية للبنتاغون- واحدة في معيار الإنصاف، مع أخذ الاعتبار بمسؤولية الطرف الأقوى في صناعة أزمات العالم والصدام، وأعداد ضحاياه المليونية من هيروشيما إلى العراق.

إن السؤال الآخر -الذي يقدمه الفكر الأخلاقي والروحي للإسلام- يُطرح أيضاً أمام معضلة الإعصار النفسي التي تعيشها الشعوب، وأن تنحية "الله" الخالق من ضمير الإنسان لم تعط استقراراً نفسيا ولا طمأنينة اجتماعية، كما هو الاضطراب في فهم رسالة الخالق للبشرية عند التطرف الديني، ووضعها في إطار صراعي باسم الدين بدلا من تنافس تعايشي.

وهذا الفرز المهم لن يوقف كل الحروب، ولكنه ينظم الضمير العالمي المستقل -والمستقل هنا تحتها عشرة خطوط- بسبب تأثيرات الانحياز الدولي المتعدد، من موسكو إلى واشنطن أو أوروبا والصين الشيوعية، وبالتالي العودة لفهم رسائل الفكر الإسلامي الجامعة بين الروح والسلوك البشري في إطار مستقل، ليس لاعتناق الناس بالضرورة لهذا الدين، فذلك قرار لكل نفس على الأرض ولسنا نطرحه هنا في هذا السياق، وإنما للشراكة في إعلانٍ عالمي، يعيد صناعة التحالف القيمي والعدالة الأخلاقية بين البشرية.

 هذه مهمة الجسور الجديدة بين الشرق والغرب، بين الفكر الإسلامي النهضوي وبين الفكر الغربي المدني، والوصول إليه يحتاج إلى جهود ونشر ثقافات كلما ازدادت مساحتها تقلصت مساحة التطرف، كل تطرف مارسته جماعات أو حكومات غربية أو شرقية. وهنا تكون رسالة المثقف الحضارية زرع الأمل رغم سُحب الحروب، فقد تخترق فسيلة اليوم الصغيرة غداً غيمة دخان سوداء، فتعبر منها الإنسانية في أي بقعة إلى السلام والعدالة الاجتماعية.

المصدر : الجزيرة