محمد القدوسي

محمد القدوسي

كاتب وصحفي مصري

يقول الخبر إن عسكر سلطة انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر اعتقلوا 500 طالب تركستاني (ويستدرك البعض بأنه: لم يظفروا بأكثر من 80 منهم والبحث جارٍ عن الآخرين)، وذلك من مقارّ إقامتهم ودراستهم بالأزهر الشريف، ومن الأماكن العامة التي يترددون عليها، ومن المطار الذي توجهوا إليه لينجوا بأنفسهم.

ويضيف أن الاعتقال تم تمهيدا لتسليمهم إلى السلطات الصينية على نحو يهدد حياتهم وحريتهم وسلامتهم، مما جعل مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش السيدة سارة ليا ويتسن تطالب السلطات المصرية بعدم ترحيلهم إلى الصين "حيث قد يتعرضون للملاحقة والتعذيب"، كما قالت.

الاعتقالات جاءت بعد ثلاثة أيام من استقبال ضياء رشوان رئيس هيئة الاستعلامات (هيئة مصرية حكومية) وفدا صينيا في مكتبه بالقاهرة، لإجراء مباحثات كان من أبرز بنودها التعاون في مكافحة "الإرهاب"، الذي يبدو أنه لم يعن بالنسبة لطرفيْ "التباحث" إلا التنكيل بهؤلاء "المستضعفين في الأرض" من طلاب العلم الشرعي، المضحين بكل ما يملكون أملا في أن يعودوا من "الأزهر" بزاد معرفي يتقاسمونه مع شعبهم الذي ابتعثهم روادا، لا ليعودوا إليه مقيدين رهن التنكيل بهم.

الاعتقالات جاءت بعد زيارة وفد حكومي صيني للقاهرة لإجراء مباحثات كان من أبرز بنودها التعاون في مكافحة "الإرهاب"، الذي يبدو أنه لم يعن بالنسبة لطرفيْ "التباحث" إلا التنكيل بهؤلاء "المستضعفين في الأرض" من طلاب العلم الشرعي، المضحين بكل ما يملكون أملا في أن يعودوا من "الأزهر" بزاد معرفي يتقاسمونه مع شعبهم


وكانت السلطات الصينية طالب الطلاب التركستانيين بإلغاء دراستهم في الأزهر والعودة إلى تركستان الشرقية، وهددت من يمتنع عن العودة باعتقال ذويه، وواجه من عاد عقوبة السجن ما بين 15 سنة والمؤبد، ووصل الأمر إلى الإعدام في حالات بتهمة "السعي إلى انفصال تركستان" التي تحتلها الصين منذ 64 عاما.

ويقول التاريخ إن تركستان الشرقية -التي يعني اسمها "أرض الترك"- دولة مسلمة تعاني الاحتلال الاستيطاني مثل فلسطين، وحسبك تزويرا لتاريخها أن السلطات الصينية تسميها "شينغيانغ" أي "الأرض الجديدة"، لتوهم الناس بأنها مجرد منطقة غير مأهولة، مستخدمة المنطق نفسه الذي استخدمته العصابات الصهيونية، حين زعمت أن فلسطين أرض بلا شعب.

الصهاينة اغتصبوا فلسطين تحت شعار كاذب الطرفين هو "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ونظام بكين احتل تركستان تحت عنوان لا يقل كذبا إذ سماها "الأرض الجديدة" مع أن أبناءها يقيمون على أرضها بشكل متصل منذ آلاف السنين.

ومع أنها بلاد تحفل بالمواقع الأثرية التي تركها الأجداد للأحفاد، شواهد على أنهم عمروا الأرض، وعلى عراقة الإسلام واستقراره في تلك البلاد التي كانت مدخل الدين الحنيف إلى الصين، منذ بعَث الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك القائد قتيبة بن مسلم لفتحها.

وكان أول ما فتحه من المدن الكبرى مدينة "كاشغر" العاصمة التاريخية التي تقع إلى الغرب من تركستان الشرقية، دخلها قتيبة بن مسلم عام 96 للهجرة فدخلها الإسلام منذ ذلك التاريخ واستمر انتشاره.

وتذكر رواية تاريخية صينية أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بعث عام 107 للهجرة سفيرا لتوثيق صلاته بالإمبراطور الصيني هسون تسونغ، وبلغت الاتصالات بين الخلافة الإسلامية ومملكة الصين ذروتها في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي استنجد به الإمبراطور الصيني سورتسونغ في عام 139 للهجرة ليساعده في القضاء على ثورة داخلية اندلعت ضده.

فبعث أبو جعفر إلى ملك الصين قوة من عشرين ألف مقاتل نجحت في إخماد الثورة، وقرر معظم هؤلاء المقاتلين أن يستقروا في الصين ولا يعودوا إلى بلادهم، وفي عام 232 للهجرة أسلم خاقان (ملك) تركستان ستوف بوغرا كما أسلم ولداه موسى وهارون، والواضح أن اسميهما أطلقا عليهما بعد الإسلام.

عرفت المصاهرة طريقها بين أمراء المسلمين وملوك الصين، حيث تزوج الأمير نوح بن نصر الساماني (توفي 331 للهجرة) ابنة ملك الصين، وكان استيلاء دولة المغول على شمال الصين عام 612 فتحا جديدا للإسلام في تلك الأصقاع.

حيث دخل أمراء وملوك المغول من أحفاد جنكيز خان في الإسلام، مما شجع المسلمين على أن يهاجروا إلى تلك الدولة ويستقروا فيها، وتولى بعضهم مناصب مهمة، ومنهم عمر شمس الدين الذي اشتهر بلقب "السيد الأجل"، وولاه الإمبراطور المغولي قوبلاي خان بيت المال.

وذكر المؤرخون أن حفيد "السيد الأجل" حصل من إمبراطور آخر للمغول عام 735 للهجرة على صك يُقرّ فيه بأن الإسلام هو الدين الحق الخالص، كما سمح الإمبراطور للمسلمين ببناء مساجدهم في ستيانفو ونانكين.

يقول التاريخ إن تركستان الشرقية -التي يعني اسمها "أرض الترك"- دولة مسلمة تعاني الاحتلال الاستيطاني مثل فلسطين، وحسبك تزويرا لتاريخها أن السلطات الصينية تسميها "شينغيانغ" أي "الأرض الجديدة"، لتوهم الناس بأنها مجرد منطقة غير مأهولة، مستخدمة المنطق نفسه الذي استخدمته العصابات الصهيونية


وعندما قامت دولة أسرة "مينغ" -التي امتد حكمها في الصين إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي- توطدت صلات المودة بين أباطرتها وحكام تركستان المسلمين، ومنهم شاه رُخْ الذي اشتهر بثقافته العالية، وبعث إلى الإمبراطور الصيني عام 815 للهجرة، رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام.

ويقول الباحث الصيني هوي تشانغ إن مؤسس أسرة "مينغ" الإمبراطور هونغ وو كان مسلما، مستندا إلى كونه لم يصرح باعتناقه أي دين محلي، وتركه 100 رسالة يمدح فيها الإسلام، كما أمر ببناء المساجد في مدن الصين، التي لم يكن الإسلام منتشرا فيها.

وشجع وو على نقل أسر عربية وفارسية إلى الصين، وأمر بنقش مدح وذكر فضائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان 10 من قادة جيوشه مسلمين ومنهم يوتشن تشانغ يو لان. وقيل إن هذا الإمبراطور أسلم على يد أحد قادة أول فرقة انضم إليها من فرق الثائرين على حكم أسرة "يوان" المغولية.

لكن الحال تغيرت في أخريات عهد حكم أسرة "المانشو"، التي حكمت الصين منذ 1644م وحتى قيام الجمهورية الصينية في 1912، وحصل حكام هذه الأسرة على دعم غربي واضح في حروبهم ضد جيرانهم المسلمين، وبفضل هذا الدعم فإن حكام أسرة المانشو، وبرغم الثورات الداخلية التي تمزق مملكتهم تمكنوا من احتلال إقليم التبت عام 1720.

كما احتل الصينيون كاشغر عاصمة تركستان الشرقية في 1759 لكن المسلمين واصلوا المقاومة، وقام الأوزبك بثورة في 1866 لم يتمكن حكام الصين وحلفاؤهم من القضاء عليها إلا في 1878، ثم -وبدعم بريطاني كامل- أعلنت الصين ضم تركستان الشرقية عام 1881، وأطلقت عليها منذ ذلك التاريخ اسم "شينغيانغ".

وبالتوازي مع ثورة المسلمين في تركستان الشرقية؛ كانت هناك ثورة أخرى تندلع في ولاية يونان التي ثار مواطنوها المسلمون في 1858، ثم تحولت الثورة إلى حركة سياسية استمرت نحو ثمانية عشر عاما وكانت تطالب باستقلال الولاية، ويتزعمها ماتيه سنغ الذي كان قد أدى فريضة الحج ثم زار القاهرة.

انخرط ماتيه في قيادة حركة الثورة والاستقلال التي تمكنت من هزيمة قوات الإمبراطور الصيني عدة مرات، ثم أعلنت في 1868 استقلال ولاية يونان وإقامة دولة إسلامية اتخذت من مدينة "تالي فو" عاصمة لها، وتولى حكمها السلطان "سليمان" الذي لم يكن غافلا عن دور بريطانيا في دعم الصين.

ولهذا أرسل السلطان ابنه حسن إلى لندن عام 1870 لمقابلة الملكة فيكتوريا والحصول على مساندتها، لكن رئيس وزراء بريطانيا آنذاك وليام غلادستون حال دون نجاح المسعى؛ ولا عجب، فغلادستون كان يرى نفسه "محاربا صليبيا"، وقد عمل على اقتطاع بلغاريا من جسد الدولة العثمانية، كما عمل على احتلال القوات البريطانية لمصر.

وغلادستون هو القائل: "ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق". والقائل أيضا: "لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن".

وبدلا من مساعدة السلطان سليمان؛ ساعدت بريطانيا إمبراطور أسرة "المانشو" بأن أرسلت إليه الجنرال غوردون ليساعده على تنظيم صفوف جيشه ومهاجمة الدولة الإسلامية التركستانية الوليدة في حرب قذرة، لم يتورع سفاحوها عن ارتكاب مختلف جرائم التنكيل والتخريب، حتى سقطت الدولة ومات السلطان "سليمان" في 15 يناير/كانون الثاني 1873.

سخّر النظام الصيني آلته الإعلامية والسياسية ومنظومته الاقتصادية لاقتلاع الإسلام من الأرض التي تثبت كل يوم أنها مسلمة قلبا وقالبا، والتي يواصل فيها أبناء عثمان باتو طريق المقاومة متمسكين بهويتهم، حتى وهم يجدون "الموت" متربصا فيما ظنوه ملاذا لهم في مصر التي غدر بهم نظامها


هذه إلمامة خاطفة بتاريخ المسلمين في الصين، تؤكد أن الإسلام أصيل في تلك البلاد وأن المسلمين ليسوا غرباء فيها، بل هم من أبناء البلاد منذ عشرات القرون سواء منهم من نبتت جبال الصين من عظام أجداده، أم من ذهب إليها مع الفتح ثم مع الصلات الاجتماعية والتجارية الإسلامية منذ ألف سنة أو أكثر.

المسلمون الصينيون هم صينيون لا غرباء، من حقهم أن يقيموا شعائر دينهم، وأن يلتزموا أوامره وينتهوا عن نواهيه، وأن تكون شريعتهم محل احترام وسيادة في وطنهم، ولهذا تجددت الثورة في تركستان الشرقية عام 1932 وتشكلت حكومة جمهورية إسلامية في مدينة كاشغر، وبعد سقوط الحكومة تجددت الثورة مرة أخرى في 1936.

وهي الثورة التي حاول النظام الصيني قمعها في 1940 بمجزرة مروعة، ستظل جريمة تدين من ارتكبها ومن رضي بها ومن سكت عنها. لكن ثورة مسلمي تركستان الشرقية تجددت في العام نفسه، وفي 1947 أعلن الثوار بقيادة الجنرال عثمان باتو الاستقلال الذاتي لإقليم تركستان الشرقية.

وظل باتو وجنوده يتصدون لجيش الصين الشيوعية وحلفائه -الذين يخالفونه في المذهب السياسي لكنهم يتفقون معه في العداء للإسلام- أربع سنوات، وباتو يقود جنوده محاربا على كل الجبهات، وفي 21 رجب 1370 للهجرة (29 أبريل/نيسان 1951) أعلن النظام الصيني تنفيذ حكم الإعدام في عثمان باتو.

ثم بدأ هذا النظام حملة لتوطين غير المسلمين في المناطق الإسلامية بعد طرد المسلمين منها قسرا لتنخفض نسبة المسلمين إلى 70%، كما هدم المساجد حتى لم يبق منها إلا أقل من تسعة آلاف، من أصل 16 ألف مسجد كانت ترفع الأذان خمس مرات يوميا، ثم منع النظام أداء الصلاة، وحرق الكتب الإسلامية.

سخّر النظام الصيني آلته الإعلامية والسياسية ومنظومته الاقتصادية لاقتلاع الإسلام من أرض تركستان التي تثبت كل يوم أنها مسلمة قلبا وقالبا، والتي يواصل فيها أبناء عثمان باتو طريق المقاومة متمسكين بهويتهم، حتى وهم يجدون "الموت" متربصا فيما ظنوه ملاذا لهم.

واليوم لا يجدون في مصر إلا "كافور" يغدر بهم، فكأن المتنبي يخاطبهم مشفقا عليهم:
وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ ** فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ؟!
وكأنهم يردّون عليه بقوله:
مِن عَبيدي إنْ عِشتَ لي ألفُ كافو ** رٍ وَلي مِن نَداكَ رِيفٌ ونِيلُ
ثم يمضون -بمنتهى التفاؤل- في طريقهم المليئة رعبا!

المصدر : الجزيرة