خافيير سولانا

خافيير سولانا

الممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن لدى الاتحاد الأوروبي سابقا

كثير من الناس يساوون الاتحاد الأوروبي بأوروبا، مع تجاهل بعض الفوارق البسيطة. ومن وجهة نظر تاريخية؛ من الواضح أن الاتحاد الأوروبي -بعد أن ساهم في إنهاء قرون من الحرب والصراع العنيف بين دوله الأعضاء- يجسد في الوقت الحاضر نقيض أوربا ما قبل عام 1945.

أما من الناحية الجغرافية، فقد مكنته التوسعات المتتالية من عكس صورة المساحة الكاملة للقارة الأوروبية، بشكل أوثق. إلا أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ذكرنا بشيء أساسي كان مخفيا حتى الآن: إن اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى التوسع ليس أمرا حاسما، فاستمرار الاتحاد ككيان سياسي لا ينبغي أن يكون من المُسَلّم به.

وقد ميزت ديناميتان رئيسيتان مسار الاتحاد الأوروبي على مر السنين، وموقف الجماعات الأوروبية من قبل. فمن ناحية، أصبح التكامل الأوروبي أعمق؛ ومن ناحية أخرى، اتسع نطاق فوائد الاندماج ليشمل عددا متزايدا من الدول.

كان على الحركة الموالية لأوروبا أن تجد "حلا لا يتجاهل المشاعر الوطنية، بل يتيح وسيلة لظهورها دون قيود". وبالنسبة للبلدان التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي، فإن الاتحاد الأوروبي يمثل -بالإضافة إلى ضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان- طريقا لتحقيق الإعمال الحقيقي لتطلعاتها الوطنية


وقد أدى سقوط جدار برلين في 1989 إلى المزيد من الفرص والتحديات الرئيسية. ومع انهيار الشيوعية، اختفت أوروبا المقسمة التي نشأت في (مؤتمر) يالطا، ولم يعد التوسع في الاتحاد الأوروبي يقتصر على الدول المنتمية إلى المدار الغربي.

لكن المنظمة الأولى التي تولت المهمة الحساسة -المتمثلة في إدماج أوروبا الغربية والشرقية- هي منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ففي 1997، وقبل عامين من أن تصبح الجمهورية التشيكية وهنغاريا وبولندا أعضاء كاملة فيه؛ توصل الحلف إلى اتفاق مع روسيا (سُمي "القانون المؤسس"- لتخفيف أثر التصادم. ويمثل هذا الاتفاق نهاية حقيقية للحرب الباردة.

وفي عام 2004، انضمت تلك البلدان إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سبعة بلدان أخرى. ويبدو أن مجالات النفوذ التقليدية في أوروبا تلاشت، حيث تعززت جاذبية الاتحاد الأوروبي على نطاق قاري وعالمي.

وكما قال ألتييرو سبينيلي في أوائل الأربعينيات؛ كان على الحركة الموالية لأوروبا أن تجد "حلا لا يتجاهل المشاعر الوطنية، بل يتيح وسيلة لظهورها دون قيود". وبالنسبة للبلدان التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي، فإن الاتحاد الأوروبي يمثل -بالإضافة إلى ضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان- طريقا لتحقيق الإعمال الحقيقي لتطلعاتها الوطنية.

في ذلك الوقت، كان التكامل الأوروبي موضع تقدير لأنه لم يتسبب في أي خسارة فعلية للسيادة؛ بل على العكس من ذلك، قدم الاتحاد الأوروبي مزايا اجتماعية واقتصادية كبيرة، مما مكن أعضاءه من زيادة نفوذهم الدولي إلى أقصى حد.

وبعد اختفاء الستار الحديدي، كانت بريطانيا وألمانيا -التي أعيد توحيدها- هما الدافعين الرئيسيين لاتجاه الاتحاد الأوروبي نحو الشرق، رغم اختلاف دوافعهما. وبينما رأى المحافظون البريطانيون التوسع وسيلة لإبطاء تعمق الاندماج، اعتبر المستشار الألماني هلموت كول أن كلا من الديناميات متوافقة. وهكذا ظلا، حتى في القرن الحادي والعشرين.

ولسوء الحظ، فقد أثارت النتائج في استفتاءين -من الاستفتاءات الأربعة بشأن دستور الاتحاد الأوروبي المقترح، والتي عُقدت بعد سنة من توسع الاتحاد المسمى "الانفجار الكبير" عام 2004- شكوكا بشأن هذا التوافق.

إن الإيحاء بأن "السباكين البولنديين" سيعملون على سرقة وظائف السكان المحليين، كان غير مبرر ومهينا، لكنه خلّف صدى عميقا للغاية، خاصة في فرنسا حيث قام الفرنسيون والهولنديون معا برفض المشروع الدستوري الطموح.

وقد ترك هذا الإخفاق الاتحاد الأوروبي مشوشا، لكنه خُفف بشكل مؤقت بسبب توقيع معاهدة لشبونة. ومن المفارقات، أن عبارة "السباكين البولنديين" ظهرت مجددا -بعد أكثر من عقد- خلال حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي بريطانيا التي دعمت توسع الاتحاد؛ استُخدِم العمال من أوروبا الوسطى والشرقية كبشَ فداء في حملة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وبعد ما وصفه عالم الاجتماع أنتوني جيدنز بـ"السيناريو النائم"؛ قررت المملكة المتحدة التخلي عن الاتحاد الأوروبي، دون مناقشة صادقة ومستنيرة حول الأمور الجادة.

كل تقدم اجتماعي وسياسي له جانب سلبي، وبنفس القدر نجد أنه حتى صعود القومية والشعبية له جانب إيجابي. ومن خلال وضع نفسه ضد كل من هذه القوى، وخلق خطاب جديد يستجيب لأولويات المجتمع الأوروبي الراهنة؛ يمكن للاتحاد الأوروبي استعادة شرعيته وازدهاره. ويمكننا القول إن مستقبل أوروبا يعتمد عليه


ولكن هناك مفارقات تثور في وسط وشرق أوروبا أيضا؛ فبولندا مثلا استحوذت -بفضل مصالحها مع ألمانيا- على دور قيادي في المجتمع الأوروبي الأطلسي، وحولت المحور الفرنسي/الألماني إلى "مثلث فايمار".

وكانت الفوائد التي حصلت عليها بولندا من إعادة وضعها الجغرافي السياسي مثيرة للإعجاب، حتى حين تمت مقارنة بيانات الاقتصاد الكلي مع بيانات بلد مثل أوكرانيا، التي اتبعت مسارا مختلفا للغاية بعد انهيار الشيوعية.

ففي عام 1990، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا أعلى من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا؛ لكن بحلول 2016، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا أعلى بأربع مرات تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا.

ورغم ذلك، تسعى الحكومة البولندية اليوم للاستفادة من الضعف الحالي في أوروبا، وذلك باستخدام زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة وسيلة لتقسيم الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تستطيع مواصلة تجويف المؤسسات الديمقراطية في بولندا دون خوف من أي عائق خارجي.

وتعد بولندا اليوم أيضا مكانا مناسبا لخطابات مناهضة للمهاجرين، التي تولّد رغبة حنينية في التراجع إلى الحدود الوطنية لسنوات عديدة. وعلى ما يبدو، لا يرى حزب القانون والعدالة الحاكم أن المهاجرين البولنديين كانوا مصدر العداء في بريطانيا وأماكن أخرى.

والأكثر من ذلك؛ فإن الحكومة البولندية في طريقها إلى إنشاء دولة غير ليبرالية داخل الاتحاد الأوروبي، بسيرها على خطى رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان. لكننموذج الاتحاد الأوروبي يستند إلى سلسلة التزامات أساسية يجب احترامها، لكونها هي بالتحديد ما جذب دول الكتلة السوفياتية السابقة إلى التماس العضوية فيه.

ومن الواضح أن كل تقدم اجتماعي وسياسي له جانب سلبي، وبنفس القدر نجد أنه حتى صعود القومية والشعبية له جانب إيجابي. ومن خلال وضع نفسه ضد كل من هذه القوى، وخلق خطاب جديد يستجيب لأولويات المجتمع الأوروبي الراهنة؛ يمكن للاتحاد الأوروبي استعادة شرعيته وازدهاره. ويمكننا القول إن مستقبل أوروبا يعتمد عليه.

المصدر : بروجيكت سينديكيت