ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني

دوافع تفاؤل الخرطوم
أسباب تلكؤ ترمب
خيارات حكومة السودان 

أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب -يوم 12 يوليو/تموز الحالي- البت في قرار رفع العقوبات الاقتصادية بشكل دائم عن السودان لمدة ثلاثة أشهر أخرى. لتبدأ الخرطوم فترة قلق وانتظار جديدة، قلق تكاد يُسمع أزيزه الذي يزداد مع مرور الوقت.

وهناك خوف من أن تصبح قصة رفع العقوبات -التي تسببت في آثار كارثية على مدى 20 عاما- في ظل رئاسة ترمب مثلَ قصة قطّ مرفّه حادّ الطباع لا حاجة له في التهام فأر صغير، لكنه يتسلى به فلا هو آكله ولا هو تاركه ينجو بجلده.

وكان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقع -في 13 يناير/كانون الثاني، قُبيل مغادرته البيت الأبيض بأيام قليلة- أمرا تنفيذيا برفع العقوبات، على أن يُنظر في رفعـها نهائيا في 12 يوليو/ تموز الحالي. وفور صدور قرار أوباما سادت في الخرطوم حالة غير مسبوقة من الاحتفاء والفرح رسميا وشعبيا. 

لكن ترمب لم يرفع العقوبات وترك الباب مواربا لمدة ثلاثة أشهر أخرى. وقالت وزارة الخارجية الأميركية -في بيان لها- إن البت في قرار رفع العقوبات أرجئ، للتأكد من أن السودان عالج بشكل تام مخاوف واشنطن في هذا الصدد.

وبررت الخارجية الأميركية ذلك بما وصفته بسجل السودان في مجال حقوق الإنسان وقضايا أخرى، رغم أن قرار الإدارة السابقة حدد خمسة محاور لتنجزها الخرطوم قبل الرفع النهائي، وليس من بينها قضية حقوق الإنسان التي أشار إليها قرار ترمب.

وقالت الخرطوم -تعليقا على قرار الإرجاء- إنها استجابت لكل المطالب الأميركية، وإن الخطوة الطبيعية والمنطقية أن يتم رفع العقوبات لأن السودان نفذ ما هو مطلوب منه تماما. كما أوقفت عمل لجنة المفاوضات مع واشنطن بالكامل حتى 12 أكتوبر/تشرين الأول القادم.

وتسعى الخرطوم بشكل حثيث للتخلص من العقوبات والدخول مجددا إلى النظام المصرفي العالمي، وفتح الأبواب أمام التجارة والاستثمارات الأجنبية لإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي الماثل.

وكان أول فرض للعقوبات الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، حين أصدر الرئيس الأسبق بيل كلينتون قراراً تنفيذياً بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية للسودان، ومنع تصدير التكنولوجيا الأميركية إليه، وألزمت الشركات الأميركية والمواطنين الأميركيين بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان.

دوافع تفاؤل الخرطوم
بنت الخرطوم آمالا عريضة على قرار نهائي برفع العقوبات عن البلاد، ولذا كانت الصدمة عظيمة عندما أرجأ ترمب القرار. وكان وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور قد استبق القرار بيوم واحد بقوله إن حكومته لن تقبل بغير رفع العقوبات باعتبار أنه "حق للسودان الذي أوفى بجميع التزاماته".

بنت الخرطوم آمالا عريضة على قرار نهائي برفع العقوبات عن البلاد، ولذا كانت الصدمة عظيمة عندما أرجأ ترمب القرار، خاصة أن سقف التفاؤل السوداني ارتفع بعد شهادات متواترة من مسؤولين أميركيين تؤكد التزام السودان بالبنود الخمسة التي تضمنتها خريطة رفع العقوبات


وارتفع سقف التفاؤل السوداني بعد شهادات متواترة من مسؤولين أميركيين تؤكد التزام السودان بالبنود الخمسة التي تضمنتها خريطة رفع العقوبات، والمتمثلة في إحلال السلام ومواصلة جهود مكافحة الإرهاب، وتقديم تسهيلات لوصول المساعدات الإنسانية لمناطق يسيطر عليها متمردون في ولايتيْ جنوب كردفان والنيل الأزرق، والإسهام في إحلال السلام بدولة جنوب السودان والتوقف عن دعم جيش الرب في أوغندا.

وفي مايو/أيار الماضي منح مدير الاستخبارات الأميركية دانيال كوتس أمام الكونغرس شهادة براءة للحكومة السودانية تنهي أسباب فرض العقوبات، وقال إن الخرطوم أوفت بجملة الشروط المطلوبة.

كما أشار من ناحية أخرى فريق الأمم المتحدة في السودان إلى أنه على مدى الأشهر الستة الماضية -منذ التوقيع على الأمر التنفيذي الأول في 13 يناير/كانون الثاني الماضي- طرأ تحسن ملحوظ في إتاحة وصول المساعدات الإنسانية، نتيجة لتحسن التعاون بين حكومة السودان والجهات الإنسانية الفاعلة.

وكان قد جرى خلال العامين الماضيين حوار ونقاش مُضنٍ بين السودان والولايات المتحدة الأميركية، واتفق الطرفان على تحديد آليات ومسارات عمل ورؤى مستقبلية. وبناءً على ذلك قرر أوباما رفع العقوبات، وقطعت علاقات البلدين شوطاً مقدراً وسط تفعيل مؤثر للاتصالات المباشرة، والزيارات المتبادلة على مستويات مختلفة.

وتعتقد الحكومة السودانية أن التواصل المباشر بين الطرفين مكّن الإدارة الأميركية من التعرف عن قرب على تأثير العقوبات على عامة الشعب وعلى التنمية، باعتبار أن ذلك -وفقا لنظرة متفائلة- سيكون محل اعتبار في القرار الأميركي بشأن العقوبات.

وكذلك بنت الخرطوم على اهتمام ترمب بمحاربة الإرهاب التي جعل منها محورا أساسيا من محاور سياسته الخارجية، وهذا ما جعله ينادي بالتعاون مع الدول التى تحارب الإرهاب.

كما تعلم الخرطوم أن إدارة ترمب لها مواقف حادة تجاه إيران، ولذلك ظنت أن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وانضمامها للتحالف الذي تقوده السعودية ضد حلفاء طهران الحوثيين في اليمن، أمر جدير بأن يصب في صالح اتخاذ ترمب قرار رفع العقوبات.

أيضا من أسباب تفاؤل الخرطوم أن ترمب ووزير خارجيته ركس تيلرسون لهما مواقف معلومة ضد استخدام العقوبات الاقتصادية فى الساحة الدولية، انطلاقا من خلفيتهما التجارية. وذلك ببساطة لأن العقوبات الاقتصادية تضر بالشركات الأميركية، وتحد من قدراتها التنافسية في مجال التجارة العالمية.

أسباب تلكؤ ترمب
يبدو أن هناك العديد من الملاحظات التي تصب في صالح الرأي القائل بعدم وجاهة تفاؤل الخرطوم، أو أن تفاؤلها كان أكثر من اللازم. حيث إن قرار أوباما تجاه رفع العقوبات كان قرارا رئاسيا، ويمكن إلغاؤه تماما بواسطة قرار رئاسي من إدارة ترمب بكل سهولة.

من أسباب تفاؤل الخرطوم أن ترمب ووزير خارجيته ركس تيلرسون لهما مواقف معلومة ضد استخدام العقوبات الاقتصادية فى الساحة الدولية، انطلاقا من خلفيتهما التجارية. وذلك ببساطة لأن العقوبات الاقتصادية تضر بالشركات الأميركية، وتحد من قدراتها التنافسية في مجال التجارة العالمية


ومن أقوى الإشارات على نوايا إدارة ترمب السلبية تجاه الخرطوم، اعتراضه على حضور البشير القمة الأميركية العربية الإسلامية في الرياض التي انعقدت في مايو/أيار الماضي، رغم تأكيد السعودية دعوتها للبشير غبر مبعوث خاص من الملك سلمان بن عبد العزيز.

وقالت واشنطن -في يونيو/حزيران الماضي- إنها "قلقة جدا" بشأن سجل السودان في مجال حقوق الإنسان. واقترن ذلك بتصريحات للقائم بالأعمال الأميركي في الخرطوم ستيفن كوتسيوس لصحيفة سودانية قُبيل إرجاء قرار رفع العقوبات، قال فيها إن المسارات الخمسة التي بُني عليها قرار الرفع الجزئي المؤقت بقي منها مساران، هما المساعدات الإنسانية وإيقاف الحرب في دارفور.

وغير الأحكام المسبقة التي تمسك بتلابيب ترمب تجاه الدول الإسلامية؛ فإن إدارته ظلت يتناوشها رأيان متباينان بشأن رفع العقوبات، ولذلك بقيت فترة طويلة مترددة بل وعاجزة عن حسم بيّن في خيارين مطروحين:

الأول، تشديد العقوبات وإرجاعها كاملة ضد السودان وإبقاؤها فترات متطاولة، وربما ظهر ذلك في تحرك يمثله 53 عضوا من مجلس الشيوخ الأميركى من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي اللذين عمما بيانا بهذا الخصوص، فضلا عن جماعات الضغط الليبرالية مثل جماعة جورج كلوني، والمجموعة المسيحية المحافظة التي تتهم الحكومة السودانية باستخدام التجويع سلاحا وبتمويل المليشيات التي تقتل الأبرياء.

أما الخيار الآخر فيدعو إلى رفع العقوبات كاملة بشكل فوري وهو الأمر الذي عولت عليه الخرطوم، وتتبنى هذا الخيارَ وكالةُ الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية وبعض الدبلوماسيين السابقين، إضافة إلى الأمم المتحدة وبعض الشركات الأميركية.

بيد أن الأمر الذي زاد ضبابية الرؤية لدى الإدارة الأميركية هو عدم اهتمام ترمب بتعيين مبعوث خاص للسودان كما كان يفعل سابقوه، خاصة في ظل انخفاض التمثيل الدبلوماسي الأميركي في الخرطوم لأقل من درجة سفير.

ولهذا حل تاريخ البت في رفع العقوبات وليست أمام ترمب رؤية لما ينبغي فعله فجاء قراره وسطا بين الخيارين المتباينين في إدارته، وهو إبقاء الوضع على ما هو عليه لمدة ثلاثة أشهر جديدة، وحمل قراره ذات الحيثيات القديمة.

وهذا ما جعل البعض يميل إلى أن القرار ليست له علاقة بإيفاء الخرطوم لمتطلبات الرفع بقدر ما له علاقة بعدم جاهزية إدارة ترمب للتقرير بشكل نهائي بشأن العقوبات؛ فالمهلة فسحة تحاول بها الإدارة الأميركية شراء الوقت للنظر في ترتيباتها تجاه السودان.

خيارات حكومة السودان
أياً كانت التفسيرات بشأن أسباب قرار رفع العقوبات عن السودان؛ فإن الرأي القائل بأن المزاج الأميركي يميل في عمومه إلى إبقاء سياسة العصا والجزرة مع السودان، على نحو يؤدي إلى تأجيل حسم الأمور وجعلها معلقة.

خيارات الخرطوم بشأن التلكؤ والمزاج الأميركي محددة، وتنحصر في إقرار إصلاحات سياسية واقتصادية هيكلية، وتنفيذ خطط تنموية شاملة، فضلا عن محاربة الفساد المستشري، وتبني سياسة تقشفية قائمة على خفض الصرف الحكومي لأدنى مستوى


وحتى لو سلمنا جدلا بإمكانية رفع العقوبات المتبقية من قرار أوباما؛ فسيظل بقاء السودان في قائمة الإرهاب -والقرارات العقابية الأخرى الصادرة بموجب مشكلة دارفور- مسوغا لممارسة المزيد من ابتزازه.

وكل هذه المماطلات تتسق مع رغبة الولايات المتحدة في فرض نفوذها على الخرطوم، واستغلال سعي الأخيرة المضني وبلهفة شديدة لرفع العقوبات لأقصى درجة ممكنة، وصولا إلى تنفيذ كل الشروط الأميركية المعلنة وغير المعلنة. فالعقوبات فُرضت لتحقق أهدافها ولن تُرفع إلا إذا تحققت تلك الأهداف.

وتتلخص هذه الأهداف في إضعاف السودان أيّا كان نظام الحكم الذي يحكمه، خدمةً لإستراتيجية أمن إسرائيل التي تقوم على القضاء على كل عناصر القوة في الأمة العربية والإسلامية، وسعيا لإسقاط نظام حكم البشير أو احتوائه لتبنيه طرحا إسلاميا، ولترمب استعداد نفسي لمعداة كل ما هو إسلامي. وأيضا لضمان السيطرة على ثروات السودان وإبعاد روسيا والصين عنها لاستغلالها عند الحاجة إليها.

وعلى أية حال؛ فإن خيارات الخرطوم بشأن التلكؤ والمزاج الأميركي محددة، وتنحصر في إقرار إصلاحات سياسية واقتصادية هيكلية، وتنفيذ خطط تنموية شاملة، فضلا عن محاربة الفساد المستشري، وتبني سياسة تقشفية قائمة على خفض الصرف الحكومي لأدنى مستوى. ويجب أن يسعى السودان لطلب خريطة طريق -خالية من العبارات الفضفاضة- لرفع العقوبات كاملة في 12 أكتوبر/تشرين الأول القادم.

المصدر : الجزيرة