عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميزوري

لربما وقع للسيد يوسف العتيبة سفير دولة الإمارات المتفق على نفاذه لدوائر الفكر والقرار الأميركيين ونفوذه وجاذبيته الشخصية؛ أنه -بما تسرب عنه من رسائل مؤخراً- قد وضع قدمه في فمه، بتعبير إنجليزي دارج.

فالرئيس الأميركي -بجلده المقشعر الذي لا يحمل لمسة مؤاخذة- لن يرضى منه استنكاره لمجرد احتمال فوزه خلال الحملة الانتخابية للرئاسة في 2016. وورد هذا الاستخفاف من السفير بقوله في رسالة مما تسرب: "ليس هذا طريفاً. كيف ولماذا يحدث هذا؟ قل لي بربك في أي الأكوان بوسع ترمب أن يكون رئيساً؟".

وربما خفف على السفير أن بلاده -في شخص وزير الشؤون الخارجية أنور قرقاش- سندته بقوة في تصريح للوزير يوم 7 من الشهر الجاري، بقوله إن التسريبات عن السفير حق. ولكنه وجد لها تخريجاً إيجابياً بقوله إنها تكشف عن شواغلنا الحقيقية، وأن ما نقوله في الباطن هو بالضبط نفس ما نقوله في الظاهر.

لم ينطق السفير العتيبة جهراً في المحافل بما يطرأ للإمارات سراً، كما قال الوزير قرقاش. فسِرّ قول الإمارات في رسائل السفير هو ضيقها ذرعاً بحركة التغيير السياسي التي كذبت عقيدة علماء سياسة العالم العربي، التي تقول إن الديمقراطية مستحيلة فيه لأنه مصاب "بنقص أو عجز في الديمقراطية" لا شفاء له منه. ولم يكن الإرهاب قد طرأ لسفير الإمارات بعدُ


ولو صح انطباق ظاهر الإمارات وباطنها -كما زعم الوزير- لكانت شكوى كتلة الخليج التي تقاطع قطر وتحاصرها، هي أن الدوحة داعمة لتغيير أوضاع العالم العربي لا الإرهاب. وشتان ما بين المطلبين.

فقد ورد في ثنايا رسائل السفير الإماراتي احتجاج صريح على دور قطر البارز في سند ثورات الربيع العربي؛ إذ كتب السفير متفجعاً يقول: "إن أقطاراً كالأردن والإمارات هي وحدها من تبقى في معسكر الاعتدال. لقد زاد الربيع العربي من وتيرة التطرف على حساب الاعتدال والسماحة".

فما انتشرت الاحتجاجات في مصر حتى وجدت السفير العتيبة يستنفر البيت الأبيض للوقوف بجانب مبارك استنفاراً لم يحالفه التوفيق فيه. ولما تسنم الإخوان المسلمون دست الحكم عن طريق انتخابات ديمقراطية؛ وجدنا السفير ملأ جراب فل غوردون -المستشار الأول عن الشرق الأوسط بإدارة باراك أوباما- السايبري بسيل من الرسائل، يُصْلِي فيها الإخوان ورعاتهم في قطر ناراً.

وعلق غوردون حين سألته الصحافة عن علاقته بالتسريبات من زاوية أسلوب العتيبة: "سيطفح جراب بريدك برسائله. فمتى كان ليوسف شيء يقوله عن موضوع ما فسيسمعه منه موظفو المقام العالي على طول وعرض وزارة الخارجية والبيت الأبيض، برسائل متشابهة إن لم تكن متطابقة". 

لم يكن الإخوان بعدُ في مرمى نيران السفير في 2011. كان احتجاجه وقفاً على الثورة التي هزت عرش مستبد عريق كحسني مبارك، بأطيافها كلها بمن فيهم الإخوان. ولم يطرأ له الإخوان كبؤرة إرهاب إلا بعد وراثتهم الثورة في انتخابات ديمقراطية، هي أيضاً مما لا يرغب السفير في أن يعم العالم العربي... كالخير.

ففي رسالة بتاريخ 3 يوليو/تموز 2013،بُعيد إزاحة العسكر المصريون للرئيس المنتخب محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين؛ كتب العتيبة يستنفر ستيفن هادلي -الموظف السابق بإدارة الرئيس جورج بوش الابن- ويطلعه على آرائه عن مصر وعن الربيع العربي إجمالاً.

فوصَف الإطاحة بمرسي في نبرات مشعة: "اليوم ثورة مصر الثانية. غمر اليوم شوارعَها خلقٌ أكثر من الذين غمروها في يناير/كانون الثاني 2011. ليس ما نراه في مصر انقلاباً، إنه ثورة. فالانقلاب يقع حين يفرض العسكريون إرادتهم على الناس. واليوم تجاوب (بحروف كبيرة وبنط عريض) العسكريون مع رغبات الشعب". 

لم ينطق السفير العتيبة جهراً في المحافل بما يطرأ للإمارات سراً، كما قال الوزير قرقاش.فسِرّ قول الإمارات في رسائل السفير هو ضيقها ذرعاً بحركة التغيير السياسي التي كذبت عقيدة علماء سياسة العالم العربي، التي تقول إن الديمقراطية مستحيلة فيه لأنه مصاب "بنقص أو عجز في الديمقراطية" (Democracy Deficit) لا شفاء له منه. ولم يكن الإرهاب قد طرأ لسفير الإمارات بعدُ.

وصدمَ الربيعُ العربي هؤلاء العلماءَ فتسابقوا إلى تحليل عماهم عنه حتى وقع. ومن بواكير هذه التحاليل ما كتبه أف غريغوري غوس الثالث في مجلة "الشؤون الخارجية" الأميركية (يوليو/تموز-أغسطس/آب 2011) بعنوان "لماذا لم تدرك دراسات الشرق الأوسط الربيع العربي؟".

ويبدو أن نُظُماً محافظة في العالم العربي استنامت لعقيدة عجزنا المزعومة ورتبت عليها طول أجلها، حتى صحت على دمدمة إرادة التغيير في الأفئدة تسيل بها الشوارع.

كان الإخوان المسلمون من جهة التهمة بالإرهاب في الموضع الغلط في الوقت الخطأ، كما يحلو للأميركان القول عن الهول يأتيك بغتة. فلو فاز التجمع الوطني الديمقراطي اليساري -الذي جعل من تأييد نظام الثورة المضاد في مصر لاهوته وناسوته- لتلبسته تهمة الإرهاب. ولجرّ قطر معه طالما راهنت على التغيير السياسي في العالم العربي لا المحافظة.

ووجدت فتى ثورة الربيع في مصر ورمزها أحمد ماهر خير من عبر عن عشوائية توجيه تهمة الإرهاب إلى إخوان مصر. فكتب من سجنه قائلاً: "إن الشباب أشعل فتيل الثورة حقاً واختطفها الإخوان المسلمون. ولكن ليس هذا بسبب لقوى الأمن المصرية لقتل الإخوان والشباب".        

من المؤسف أن يُسرف الحلف الخليجي الخصيم لقطر في دمغها بدعم الإرهاب. فلقد ظللنا في دوائر حركة التحرر العربي والإسلامي لوقت طويل نستبعد صلاح مفهوم الإرهاب -في محامله الغربية والإسرائيلية- لتفسير الظواهر المتطرفة في سياساتنا. فحذِرنا أن يوظف المفهوم لنزع الشرعية عن نضالات لنا مستحقة.

من المؤسف أن يُسرف الحلف الخليجي الخصيم لقطر في دمغها بدعم الإرهاب. فلقد ظللنا في دوائر حركة التحرر العربي والإسلامي لوقت طويل نستبعد صلاح مفهوم الإرهاب -في محامله الغربية والإسرائيلية- لتفسير الظواهر المتطرفة في سياساتنا. فحذِرنا أن يوظف المفهوم لنزع الشرعية عن نضالات لنا مستحقة


كما رنونا أن نتواضع على فهم مستقل له قائم على دراسات موضعية وموضوعية، تتجاوز إدانته وحربه إلى علم عميق بديناميكيته نسترد به شبابنا من غوائله. وهذا دور ظلت تنهض به قطر بأريحية. يتنادى العلماء -ومنهم كاتب هذه السطور- إلى منابر تشخيص الأصولية والتطرف الإسلامييْن برحابة، بينما اقتصر الآخرون على الفتيا والفتيا المضادة.

بل خشينا من مساع معروفة -خلال عهد الرئيس بوش الابن الذي كاد أن يؤسس لـ"محكمة تفتيش" تتربص بالآي القرآنية التي زعموا أنها تبث الكراهية والإرهاب، لكي يزيلوها من كتب مقررات المدارس في العالم العربي. ربما كنا في العالم العربي بحاجة ماسة إلى مناهج أكثر استنارة ولكن بلا تطفل.

ولا يظننن أحد منا أنه بمنجاة من تهم الإرهاب من الغرب متى أفتى بحرمته وسخّر نفسه لحربه. وأنت تقرأ هذه الكلمات يتداعى نواب من مجلس الشيوخ الأميركي لوقف صفقة بيع الأسلحة المتطورة للمملكة السعودية التي عقدها الرئيس دونالد ترمب معها بتكلفة 500 مليار دولار.

وقالت واشنطن بوست إن النواب قد لا ينجحون في وقفها، ولكن تزايد المعارضة وسطهم لها تطور جديد يشوب العلاقة الخاصة بين أميركا والسعودية. ومن دوافع بعض هؤلاء النواب انزعاجهم من دعم السعودية لجماعات تنهج سكة الإرهاب.

وقال روبرت شومر -الشيخ البارز من نيويورك- في رسالة أعلن فيها معارضته للصفقة: "إن مما يقلقني أن حكومة السعودية تظاهر الإرهاب، وتدعمه بوشائجها مع الوهابية ودعم المدرسة (وهي عندهم مدارس تعليم القرآن) التي تنشر دعوات التطرف عبر العالم". ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى.  

يوفر التسريب السايبري يوما بعد يوم مداخل إلى بواطن السياسة لن تكون السياسة بعده مثلها. وهكذا تغيرت السياسة في الماضي بفعل الكاميرا والفيديو. فكتب الكاتب الأميركي الساخر مارك توين كتابه "حديث الملك ليوبولد إلى نفسه" يلعن فيه الملك الكاميرا كوداك، لأن معارضي فظائعه في الكنغو -مستعمرته الشخصية- وظفوها لتصوير وجوه توحشه.

فانقلب عليه الرأي العام الأوروبي ونزعها منه في 1908 لتؤول إلى الدولة البلجيكية. وفي مشهد من وسوسة الملك قال: "إن كوداك هي الشاهد الذي لا بطاقة ثمن عليه". وربما وجد السفير العتيبة -بيده اللاحقة في أميركا- ألا بطاقة ثمن على المسربين.

المصدر : الجزيرة