كريس باتن

كريس باتن

رئيس جامعة أوكسفورد

قبل بضعة أيام كنت أتجول عبر شوارع باريس، وكان الهواء دافئا والسماء زرقاء صافية، وشعرت وكأنني في أفضل مكان في الكون. وكحالها دائما، بدت باريس أنيقة تنضح بالثقة والبهجة؛ فقد انتخبت فرنسا للتو رئيسا جديدا ذكيا وشابا ووسيما وشجاعا، بدا منسجما مع أجواء المدينة.

ولولا ذلك القدر الكبير من الأخبار المؤسفة التي أظلمت اليوم، فإن كل الأسباب كانت تدعوني إلى السير وثبا بخطوات رشيقة.

بطبيعة الحال، كان ممكنا أن تختلف الأمور كثيرا؛ فقبل ثمانية عشر شهرا فقط خَلَّف هجوم إرهابي في باريس 130 قتيلا والمئات من الجرحى. وفي يوليو/تموز الماضي في نيس، اندفع مهاجم إرهابي بشاحنته في يوم الباستيل، عبر حشد من الناس يحتفلون عند الواجهة البحرية للمدينة، فقتل 86 شخصا.

وبعد فترة وجيزة، ذَبَح مهاجم كاهنا مسنا في كنيسة بنورماندي. وفي الشهر الماضي -وقبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية مباشرة- قُتِل شرطي رميا بالرصاص في الشانزيليزيه.

الواقع أن هذه الأفعال الوضيعة -الناجمة عن تفسير مشوه لدين عظيم- لم تمنع الفرنسيين من انتخاب إيمانويل ماكرون، الرجل الذي يعلم أن اليقظة تتطلب احترام كل أعضاء مجتمعنا. ولكي نحارب الشر، يتعين علينا أن نرفض الإقصاء والكراهية، ولا ينبغي لنا أبدا أن نلوث سمعة شريحة كبيرة من مجتمعنا.

سيظل أولئك الذين يريدون تعليق مشاكلهم على "الآخر" -المختلف بالجنس، أو العِرق، أو الدين، أو الجنسية- في عِداد الأقلية دائما؛ وهدفهم هو إغلاق القلوب والعقول. وهم لا يبذلون أي جهد لفهم الأسباب الكامنة وراء العنف، أو تطوير سبل فعّالة لمعالجتها


ذُكِّرت بهذا الدرس عندما كنت في سيارة أجرة أخذتني من وسط باريس إلى جار دو نورد. وبعد أن اشتكى السائق من المنافسة من شركة أوبر (وهي لازمة مألوفة بين سائقي سيارات الأجرة في لندن أيضا)، انتقل إلى استنكار العالَم وكل ما فيه.

زعم السائق أن العولمة والهجرة الجماعية تدمران الوظائف، وتربكان الخدمات العامة، وتهددان الهوية الوطنية الفرنسية، وتفرخان الإرهابيين. وغني عن القول إن هذا السائق صوّت لصالح مارين لوبان، رغم كونه لا يبدو أنه تنطبق عليه مواصفات ما تسميه الجبهة الوطنية الفرنسية "النقي الدم".

وبطبيعة الحال، صوتت أغلبية الفرنسيين للجهة الأخرى. ومع أن تظلمات السائق تظل منتشرة ورائجة، فإنها لا تمثل نهجا متماسكا وقائما على الحقائق في التعامل مع مشاكل اليوم.

وتواجه بريطانيا أيضا تهديدات إرهابية كما رأينا مرة أخرى في الهجوم المروع بمانشستر، المدينة الواقعة إلى الشمال الغربي حيث كان جدي ناظر مدرسة وكانت جدتي أيضا ناظرة مدرسة، وحيث ولِد أبي.

بلغ عدد قتلى الهجوم 25 شخصا أغلبهم من الأطفال، الأمر الذي يجعله المواجهة الأسوأ مع الإرهاب (داخل بريطانيا)، منذ تفجيرات مترو أنفاق لندن في يوليو/تموز 2005 التي أودت بحياة 52 شخصا.

منذ ذلك الوقت، وقعت حوادث مماثلة ولكن على نطاق أضيق. وفي العقود السابقة، صمدت لندن وغيرها من المدن (بما في ذلك مانشستر عام 1996) في وجه الهجمات التي شنها مقاتلون قوميون إيرلنديون.

والحق أن البريطانيين -مثلهم في ذلك كمثل الفرنسيين- لم يستسلموا للذعر ولم تكن استجابتهم انفعالية. فنحن ما زلنا نفضل الحياة في مجتمعات حرة ومفتوحة، ولهذا كانت ردود أفعالنا هادئة وتتحلى بالعزيمة المحسوبة.

وتُعَد هذه العزيمة إحدى نقاط قوة الديمقراطية. فلن نسلم الأجندة السياسية أبدا لأولئك الذين لا يقدمون سوى شعارات تبسيطية، وحجج فظة، وسياسات متطرفة.

وسيظل أولئك الذين يريدون تعليق مشاكلهم على "الآخر" -المختلف بالجنس، أو العِرق، أو الدين، أو الجنسية- في عِداد الأقلية دائما؛ وهدفهم هو إغلاق القلوب والعقول. وهم لا يبذلون أي جهد لفهم الأسباب الكامنة وراء العنف، أو تطوير سبل فعّالة لمعالجتها.

ربما لا يدرك الأشخاص الذين يخططون للأعمال الإرهابية وينفذونها أبدا أن قضيتهم خاسرة. ولا شك أن المجتمعات المفتوحة ستتحمل المزيد من الاعتداءات في المستقبل. ولكن إذا كان هناك أي شيء واضح فهو أن الإرهابيين لا يستطيعون هزيمة الديمقراطية


يستند الحس السليم في الديمقراطية جزئيا إلى فهم حقيقة مفادها أن الدولة أهم من الحزب. وفي الأنظمة الديمقراطية تستند عملية صنع السياسات إلى الحلول الوسطى والعقلانية. ولن نسمح -نحن الذين نعيش في ظل أنظمة ديمقراطية- للإرهاب بحملنا على نبذ شعورنا بالتوازن والاعتدال، لأننا ندرك حقيقة عميقة بشأن أغلب المجتمعات مفادها أن الحياة تنتصر دوما على الموت.

رغم وجود ما يسمى الخطيئة الأصلية -وهي الشر الخبيث الذي يكمن للناس ويفجرهم ويشوه الأطفال الصغار وأسرهم وأصدقاءهم- فهناك أيضا الفضيلة الأصلية، الحاضرة دوما بعد الفظائع الإرهابية.

وتتمثل هذه الفضيلة الأصلية في المارة الذين يتوقفون للمساعدة، والممرضات والأطباء الذين يعتنون بالمصابين، وأولئك الذين يبحثون عن المفقودين، أو يوفرون للأسر أماكن للمبيت، أو يرافقون الناس إلى بيوتهم من مسرح القتل الجماعي.

ربما لا يدرك الأشخاص الذين يخططون للأعمال الإرهابية وينفذونها أبدا أن قضيتهم خاسرة. ولا شك أن المجتمعات المفتوحة ستتحمل المزيد من الاعتداءات في المستقبل. ولكن إذا كان هناك أي شيء واضح فهو أن الإرهابيين لا يستطيعون هزيمة الديمقراطية.

ففي فرنسا، صوت الناخبون قبل أيام لصالح رئيس جديد انطلاقا من الأمل وليس اليأس؛ وفي المملكة المتحدة، سننظم قريبا انتخابات حرة نزيهة في يونيو/حزيران (الجاري). وستتحمل الديمقراطية هجمات كتلك التي وقعت في مانشستر؛ وسيستجيب المواطنون الديمقراطيون بشجاعة وسخاء.

المصدر : بروجيكت سينديكيت