عبد الناصر عوني فروانة

عبد الناصر عوني فروانة

رئيس وحدة الدراسات والتوثيق بهيئة شؤون الأسرى

مطالب المضربين
مشاركة ناقصة
مخاوف مشروعة 

تعتبر قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي معلما أساسيا من معالم القضية الفلسطينية، وعنواناً بارزاً في مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني؛ إذ للأسير الفلسطيني منزلة كبيرة في وجدان شعبه لما يمثله من قيمة معنوية ونضالية، كما غدا نموذجاً يُحتذى في الصمود والبطولة ومقاومة المحتل.

هذا عن مكانة الأسرى الفلسطينيين في وعي شعبهم ولدى الكثيرين من أمتهم. أما دولة الاحتلال، فرغم أنها تعتبرهم مجرد أفراد منحرفين، فإنها لا تسعى لإعادة تأهيلهم، بل تعتبر سجنها إياهم انتقاما يستحقونه. وهذا ناتج عن نظرة عنصرية لا ترى في الفلسطينيين سوى مخربين، بل إنهم مخربون لا يستحقون الحياة أو إعادة التأهيل.

من هنا فلن يكون مستغربا أن نرى دولة الاحتلال تشدّد إجراءاتها التعسفية بحقهم، وتقسو في تعاملها معهم، وتحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وتخترع كل ما هو كفيل بإهانتهم وإذلالهم وكسر إرادتهم.

فلقد قُمع الأسرى طويلا ومرات لا تحصى، وعانوا أشكالا متعددة من الإذلال والإهانة، وظلت السجون الإسرائيلية دوماً -ومنذ لحظة إنشائها- وسائل عقابية قاهرة لأجساد الأسرى الفلسطينيين ونفوسهم.

إن كل هذه المحاولات الإسرائيلية إنما تهدف لصهر الوعي وغرس مفاهيم جديد في أعماق الفلسطينيين، تقضي بعدم جدوى المقاومة. ولعل الأخطر، هي تلك المحاولات التي تهدف للإساءة إلى المكانة القانونية للأسرى الفلسطينيين وتجريم كفاحهم، وتقديمهم للعالم على أنهم "إرهابيون"، في إطار السعي لتجريم كفاح الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة.

مطالب المضربين
لقد أدرك الأسرى خطورة الأهداف الإسرائيلية بعدما تذوقوا مرارة الأوضاع وقسوة الإجراءات على أجسادهم، والتي لم يعد بالإمكان التعايش معها، وتحمل قسوة الواقع، أو الصمت والصبر أمام ما يُمارس ضدهم.

المحاولات الإسرائيلية إنما تهدف لصهر الوعي وغرس مفاهيم جديد في أعماق الفلسطينيين، تقضي بعدم جدوى المقاومة. ولعل الأخطر، هي تلك المحاولات التي تهدف للإساءة إلى المكانة القانونية للأسرى الفلسطينيين وتجريم كفاحهم، وتقديمهم للعالم على أنهم "إرهابيون"


لهذا فقد لجأ الأسرى في 17 أبريل/نيسان الجاري إلى الخيار الأخير بالإعلان عن بدء الإضراب المفتوح عن الطعام، وذلك بعد استنفاد الخيارات الأخرى، في ظل تقاعس المجتمع الدولي وعجز مؤسساته الحقوقية والإنسانية عن إلزام دولة الاحتلال باحترام الاتفاقيات والمواثيق الدولية في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجونها ومعتقلاتها.

لم يكن الإضراب عن الطعام يوماً هو الخيار الأول أمام الأسرى، كما لم يكن هو الخيار المفضل لديهم، وليس هو الأسهل والأقل ألماً ووجعاً، وإنما هو الخيار الأخير وغير المفضل، وهو الأشد إيلاماً والأكثر وجعاً، فهم لا يهوون تجويع أنفسهم ولا يرغبون في إيذاء أجسادهم، كما لا يرغبون في أن يسقط منهم شهداء في السجون.

لكنهم يلجؤون لهذا الخيار مضطرين ورغما عنهم، تجسيداً لثقافة المقاومة في انتزاع الحقوق المسلوبة وصوناً لكرامتهم المهانة، ودفاعاً عن مكانتهم ومشروعية مقاومتهم للمحتل.

لقد قيل منذ القدم إن الجوع كافر، لكن هناك مِن الفلسطينيين مَن جعلوا من الجوع ثائراً خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وبناءً على ذلك فلقد خاض الأسرى منذ عام 1967 عشرات الإضرابات عن الطعام، وكان سجن عسقلان شهد في يوليو/تموز عام 1970 أول إضراب جماعي ومنظم يخوضه الأسرى، واستشهد خلاله الأسير عبد القادر أبو الفحم الذي يُعتبر أول شهداء الإضرابات عن الطعام.

وقد أحدث هذا الإضراب وهذه الشهادة تأثيراً كبيراً على واقع الحركة الأسيرة فيما بعد، وشكّل حافزاً للأسرى للاستمرار على ذات النهج، فتوالت الإضرابات بعد ذلك في إطار الصراع الدائرة رحاه في ساحات السجون كافة، وقدم خلالها الأسرى تضحيات جساماً وسقط من بينهم شهداء: راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحق مراغة وحسين عبيدات.

ان الإضراب عن الطعام الذي بدأه الآن نحو 1500 أسير فلسطيني هو امتداد لخطوات نضالية سابقة ويجسد ذات الثقافة، ولا يختلف في دوافعه عما سبقه من إضرابات كثيرة حتى وإن تعددت المطالب، فالمضمون واحد: صون الكرامة ورفض الإهانة، وانتزاع الحقوق وتحسين الشروط الحياتية، والدفاع عن الوجود والهوية وتعزيز المكانة القانونية للأسرى ومشروعية نضالهم.

وعلاوة على ذلك؛ يحاول الأسرى بإضراباتهم تحريك المياه الراكدة وإثارة قضيتهم وإعادتها إلى الواجهة من جديد، وتسليط الضوء على معاناتهم ولفت الأنظار إلى ما تشكله قضيتهم في خضم الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي.

لقد تقدم الأسرى بجملة من المطالب، وهي في حقيقة الأمر حقوق كفلها لهم القانون الدولي، وجزء منها كان موجودا من قبل بعدما انتزع بالإضرابات، ولكن إدارة السجون عادت فصادرتها، وجزء آخر يرى الأسرى أنه بات من الضروري النضال لانتزاعه، بدءا بإنهاء سياسة العزل الانفرادي والاعتقال الإداري والإهمال الطبي، ووقف الإجراءات المهينة والمذلة بحق الأسرى الذكور والإناث.

ومرورا بتحسين شروط الزيارات العائلية، وتوفير هاتف عمومي لغرض التواصل الإنساني مع الأهل، والسماح بإدخال الأطفال واحتضانهم والتصوير معهم أثناء الزيارة، وإدخال الكتب والصحف والملابس، والسماح بمشاهدة بعض القنوات الفلسطينية والعربية لكسر العزلة المفروضة عليهم، وإنشاء مرافق انتظار ملائمة للأهل تحفظ لهم كرامتهم خلال انتظارهم على بوابات السجون.

وليس انتهاء بالمطالبة بتوفير العلاج المناسب والأدوية اللازمة للأسرى المرضى وهم كُثر، وتأمين معاملة إنسانية وأماكن لائقة للأسرى أثناء تنقلاتهم، وإعادة التعليم عبر السماح بتقديم الثانوية العامة (التوجيهي) والالتحاق بالجامعة العبرية المفتوحة.

مشاركة ناقصة
لقد أعلنت كافة الفصائل دعمها للإضراب، وتشارك فيه بتفاوت على شكل مجموعات وأفراد ورموز، وهي خطوة -رغم عدم شموليتها- كان الأسرى في أمس الحاجة إليها بعدما افتقدوها سنوات طوال.

تقدم الأسرى بجملة من المطالب، وهي في حقيقة الأمر حقوق كفلها لهم القانون الدولي، وجزء منها كان موجودا من قبل بعدما انتزع بالإضرابات، ولكن إدارة السجون عادت فصادرتها، وجزء آخر يرى الأسرى أنه بات من الضروري النضال لانتزاعه، بدءا بإنهاء سياسة العزل الانفرادي والاعتقال الإداري والإهمال الطبي


إلا أن الغالبية العظمى من الأسرى المضربين اليوم ينتمون إلى "حركة فتح" التي تشكّل ما يزيد على 50% من إجمالي الأسرى في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وكان من أعلن انطلاق الإضراب وقائمة المطالب هو القائد في "فتح" والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني مروان البرغوثي، الذي يتمتع بحضور قوي وشعبية جارفة.

ورُبّ سائل يتساءل عن أسباب اقتصار المشاركة في الإضراب الحالي على هذا العدد الذي يصل إلى 1500 أسير فقط من بين نحو 6500 أسير، وكذلك عدم مشاركة كافة عناصر وقيادات "فتح" في السجون الذين يتجاوز عددهم 3500 أسير، رغم أن "فتح" هي من تقود الإضراب وهي القوة الأساسية المحركة له.

لكن الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الأوضاع الداخلية في حركة "فتح" ليست متماسكة -بالقدر الذي كانت عليه في الماضي- بسبب عوامل كثيرة. ثم إن الحركة الأسيرة بمكوناتها المختلفة، لم تعد قوية كما كانت عليه قبل "اتفاق أوسلو" الذي أرخى بظلاله السلبية على تماسكها.

كذلك لم تعد الحركة الأسيرة موحدة كما كان حالها قبل "الانقسام" الفلسطيني/الفلسطيني الذي امتدت آثاره لتمزق وحدتهم. وهذا تجلى بشكل واضح في الإضرابات الفردية التي عكست فشل الجماعة في اتخاذ قرارات موحدة. وما زال الأسرى يبحثون عن آليات تُعيد للحركة الأسيرة تماسكها ووحدتها، كما كانت عليه في سبعينيات وثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي.

فالإضرابات الشاملة والمفتوحة عن الطعام لا تستطيع أن تقوم بمنأى عن ثقافة جماعية، هي العنصر الرئيسي في حسم المعركة. وبموجب ذلك، فإن كل أسير يشعر بأن قوته لا تستمد أحقيتها وتحققها إلا من خلال الجماعة. ولئن كان كل أسير قويا بذاته فإن قوته تزداد وتكبر برفدها بقوة الأسرى الآخرين الذين يشاركونه نفس الهدف وذات الوسيلة. هذا هو قانون الإضراب وتلك هي معادلته الناجحة.

لقد بدأ الأسرى إضرابهم بخطوة موحدة -بغض النظر عن أعداد المشاركين وفي أي السجون والمعتقلات يقبعون- وهم يتطلعون إلى أن يؤسس هذا الإضراب لمرحلة جديدة يُعاد فيها الاعتبار لهيبة الحركة الأسيرة وتماسكها، ولثقافة الجماعة والقرار الموحد في مواجهة صلف وجبروت السجان وعنجهيته.

ومن المتوقع أن تتسع دائرة الإضراب ويزداد عدد المشاركين فيه خلال الأيام القليلة القادمة بانضمام أسرى جدد. كما من المتوقع -إذا استمر وطال الإضراب- أن تدخل "حركة حماس" بقرار رسمي وبثقل كبير، وهذا سيمنح الإضراب قوة جديدة، وسيعطي الفعاليات المساندة خارج السجون زخما إضافيا نوعيا. وأظن أن "حماس" تتجه نحو ذلك.

مخاوف مشروعة
وبإصرار شديد يواصل الأسرى إضرابهم المفتوح عن الطعام رغم الظروف الصعبة التي يمرون بها، وحجم التحديات الكبيرة التي يتعرضون لها، وقسوة الإجراءات التي تُقترف بحقهم، في ظل استمرار حالة الحراك الخارجي وحملات الدعم التي واكبت الإضراب منذ يومه الأول، والاصطفاف الرسمي والشعبي المساند، ووقوف حركة "فتح" بمكوناتها المختلفة دعماً لهم.

المعركة التي يخوضها الأسرى في السجون هي معركة الكل الفلسطيني، إذ المستهدف ليس الأسير الفلسطيني فحسب ولا عملياته الفدائية ضد المحتل فقط، بل المستهدف هو الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، ومشروعية كفاحه من أجل دحر الاحتلال وانتزاع الحرية والاستقلال


لكن ثمة مخاوف مشروعة لدى الكثيرين ولعل أبرزها:

- عدم قدرة حركة "فتح" على تجاوز ما يعوق مشاركة كافة قياداتها وعناصرها في كافة السجون. وعدم دفع الفصائل الأخرى بثقلها في الإضراب، وبقاء حركة "حماس" خارج المشاركة.

- كثير من الأزمات تعصف بالساحة الفلسطينية هذه الأيام، وربما لن يكون آخرها الخصم من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية وأزمة الكهرباء وغيرها، فضلا عن الأزمات السابقة الناتجة عن "الانقسام" وتداعياته. وهناك خشية من تأثير كل ذلك على حجم المشاركات المحلية إذا استمر الإضراب وطالت مدته.

- نتألم للظروف القاسية التي يمر بها بعض الدول العربية والنكبات التي أصابتها بعضها، وانشغال جامعة الدول العربية بقضايا الأمة، ونراعي ثقل الهموم التي تثقل كاهل المواطن العربي، ونقدر الأنشطة والفعاليات التي أقيمت في الساحة العربية، لكن ثمة خشية من أن يبقى هذا الفعل ضعيفا وباهتا.

- لقد بدأ الإعلام العربي قويا في حضوره وتغطيته لقضية الأسرى المضربين، والخشية من تراجع هذا الاهتمام لصالح انشغاله بما يدور في المحيط العربي، والذي هو -في نظر كثيرين- أهم من قضية الأسرى.

- إسرائيل تراهن على الوقت وإطالة مدة الإضراب والضغط أكثر على المضربين بكل وسائل الضغط الممكنة لإنهاء إضرابهم أو تفكيك عناصره، قبل سفر الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دون تلبية مطالبهم أو تحقيق شيء جوهري يُذكر لهم.

وفي الختام؛ من الأهمية بمكان التأكيد على أن السياسة المعلنة لدولة الاحتلال كانت دوما رفض التفاوض مع المضربين، لأنها ترى فيه محاولة للي ذراعها، فتبدأ في شن حرب صامتة على أجسادهم محاولةً كسره وإنهاءه.

وها هي بدأت المعركة وأشعلت إدارة السجون حربها ضد المضربين مبكراً، وتزامنت معها تصريحات صدرت عن بعض وزراء حكومة الاحتلال، طالبوا فيها بإعدام الأسرى وعدم تقديم العلاج لهم وتركهم يضربون حتى الموت.

وعلى الجانب الآخر؛ فالمطلوب فلسطينياً -ومن المستويات المختلفة- هو التعامل مع الإضراب بمسؤولية عالية وجماعية، وأن يكون الجميع على أهبة الاستعداد لما قد يحدث في السجون من تطورات.

فالمعركة التي يخوضها الأسرى في السجون هي معركة الكل الفلسطيني، إذ المستهدف ليس الأسير الفلسطيني فحسب ولا عملياته الفدائية ضد المحتل فقط، بل المستهدف هو الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، ومشروعية كفاحه من أجل دحر الاحتلال وانتزاع الحرية والاستقلال.

المصدر : الجزيرة