نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

محاولة للتفسير
من أين يأتي التقصير؟
ما الذي يشغلها؟

متى تكون الدولة جانية؟ تذهب الظنون بالناس إلى أن الجاني هو الذي يرتكب الجريمة بيده، أو يعين من يقوم بها بصورة مباشرة فحسب، إلا أن تقصير المسئول في أداء وظيفته بحيث يقع الضرر أو ينفتح المجال لوقوعه، هو نوع من الجريمة لا تعفي القوانين والشرائع أصحابه من المحاكمة والمحاسبة عليه.

محاولة للتفسير
وقد شهدت مصر -التي اعتادت فيما يبدو على الأخبار السلبية حول الحالة الأمنية في سيناء على الطرف الشمالي الشرقي للبلاد- مشاهد دموية في قلب الدلتا وعلى شواطئ المتوسط بالاعتداء المروِّع على الكنيسة المرقسية في الإسكندرية وقبلها بساعات كنيسة مار جرجس بطنطا نهار الأحد 9 أبريل/نيسان، فهز المنظومة الأمنية في مصر هزا عنيفا، واستجلب كثيرا من الشجب الدولي والداخلي.

ولا ينبغي أن نكتفي بطرح احتمال واحد لا ثاني له حول من يقف وراء الجريمتين البشعتين، وهو أن يكون ثمة أجهزة داخلية في الدولة تتصارع فيما بينها، ويحاول بعضها أن يطيح ببعض، ولو على حساب جماهير الشعب الآمنة في دور عبادتها أو بيوتها وطرقها، وإن كانت لهذا شواهد تاريخية سابقة قريبة وبعيدة.

يبدو أن منطق محاسبة النظام على تقصيره -ما دام يعترف بأن الإرهاب هو الذي اخترق المنظومة الأمنية وقتل عشرات الأبرياء- هو المنطق الذي يجب أن يسود في مصر الآن، فقد صار المواطن مهددا في أي مكان يحل فيه، بما في هذا مساجده وكنائسه

ولا يمكن القطع كذلك -قبل توفير القرائن والأدلة الكافية- بأن هذه الجرائم هي عربون الصداقة التي عقدها عبد الفتاح السيسي مع دونالد ترمب في واشنطن قبل استهداف الكنيستين بأسبوع للتعاون على مكافحة الإرهاب؛ أي فتح مجال التدخل المشترك في أي بؤرة ساخنة فيما يسمى بالشرق الأوسط تتجه فيها الأمور اتجاها لا يروق للأميركيين وحلفائهم في المنطقة أو خارجها؛ خاصة بعد الإعلان المحاط بالغموض من تنظيم الدولة الإسلامية الناشط في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر تبنيه للتفجيرين.

بل إن ثمة احتمالا ثالثا قويا بوجود أصابع إرهاب فعلي صنعتها الأجواء السياسية والأمنية غير الصحية التي تعيشها مصر، وهذا يوافق رواية النظام الحاكم في القاهرة، فمن أين تسرب الإرهاب الذي قد يكون صناعة محلية خالصة تعادي النظام، وقد تكون وراءه أصابع خارجية عابثة تعمل في الاتجاه الذي يخدم هذه الجهة أو تلك؟

لقد راح إعلام النظام ورجاله يصرخون كعادتهم بأعلى أصواتهم، ويشجبون ما يقوم به "الإرهاب" من عمليات استهداف للآمنين، وقتل للناس في دور عبادتهم؛ سعيا إلى جلب تعاطف المواطن مع الدولة، في حين أن الناس ملوا من حالة التخبط الذي تسير فيه بلادهم بعد أن تبخرت وعود الاستقرار الأمني والرفاه الاقتصادي الذي ملأوا به الدنيا، وتأزمت الحياة في مصر بصورة خطيرة.

ومن هنا يبدو أن منطق محاسبة النظام على تقصيره -ما دام يعترف بأن الإرهاب هو الذي اخترق المنظومة الأمنية وقتل عشرات الأبرياء- هو المنطق الذي يجب أن يسود في مصر الآن، فقد صار المواطن مهددا في أي مكان يحل فيه، بما في هذا مساجده وكنائسه.

وما فعله النظام عقب الحادثين من إقالة بعض المسؤولين -مثل مدير أمن محافظة الغربية وبعض القيادات الأمنية الأصغر- لا يتناسب وحجم الحدث على الإطلاق، ولا يكفيه إقالة وزير الداخلية ولا حتى الوزارة كلها، فمجرد بقاء الوزير يعني أن النظام راض عن أدائه للدور الذي جيء به لأجله، وهذا هو أساس الخطيئة التي وقع فيها النظام.

الحقيقة أن الاستبداد يسيء الفهم حين يظن أنه لو عاش في بيئة بلا معارضة سياسية حقيقية، فإن الجو سيخلو له؛ إذ إن المعارضة السياسية الحقيقية تقوم بوظيفة مركزية في الدولة حين تستوعب آمال وطموحات من لا يرى في المنظومة الحاكمة ما يشبع لديه جوانب معينة

لكن قبل بيان هذا، لابد من التأكيد على أن إقالة أو استقالة مسئول ما في جو الأزمات أو عقب الكوارث والحوادث الأليمة، لا ينبغي أن تكون لامتصاص ردود الفعل أو لإسكات الجماهير الغاضبة أولا، ولكن لإصلاح واقع أعوج، أو علاج حال مائل، أو محاسبة موظف عام على التقصير في واجبه.

من أين يأتي التقصير؟

ليس هناك جهاز أمني في العالم غير قابل للاختراق؛ لأن رجال الأمن لا يحرسون كل شخص ولا كل بناء، ومن هنا يبدو أن المؤسسات الأمنية وظيفتها أن توفر جوا صحيا لمعيشة الناس، وفي الوقت نفسه تبسط يدها على الوطن والمواطنين، وتتبع منظومة أمنية ملائمة لطبيعة البلاد والظرف التاريخي الذي تحياه، وباختصار توازن بين حماية حرية الناس وحفظ أمن البلاد.

وحين نقيّم أداء المنظومة الأمنية في مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، نجد أنها مسخَّرة لهدف خاص يخدم النظام الحاكم، وهو مواجهة المعارضة السياسية؛ أي أنها مهمة موجهة، وهذا هو أول أسباب الفشل الحاصل الآن ومن قَبل والمتوقع في المستقبل كذلك، وإعلان الطوارئ ونشر قوات الأمن والجيش في طول مصر وعرضها لا يمنع انتحاريا من أن يذهب إلى أي مكان يمكن أن يجد فيه ثغرة، ولو بقتل الجنود أنفسهم.

المتابع لما تعلن عنه وزارة الداخلية المصرية من القبض على إرهابيين يعدون لعمليات هنا أو هناك يكاد يكون فوق الحصر، والقبض على بعض المعارضين ثم تلفيق تهمة لهم بارتكاب جريمة وقعت بعد القبض عليهم تكرر مرات، واستخدام العنف البالغ ضد المعارضين أثناء القبض عليهم واغتيالهم بعدها تكررت كذلك في عدة حوادث - وهذا كله يؤكد أن المنظومة الأمنية المصرية هي التي تصنع الأجواء المؤدية إلى العنف؛ خاصة مع تراجع المد الثوري الذي كان يستوعب كثيرا من الطاقات الشابة التي تؤمل في مستقبل أفضل.

والحقيقة أن الاستبداد يسيء الفهم حين يظن أنه لو عاش في بيئة بلا معارضة سياسية حقيقية، فإن الجو سيخلو له؛ إذ إن المعارضة السياسية الحقيقية تقوم بوظيفة مركزية في الدولة حين تستوعب آمال وطموحات من لا يرى في المنظومة الحاكمة ما يشبع لديه جوانب معينة، كما أنها -أي المعارضة- تصنع جو التنافس للوصول إلى أفضل أداء سياسي واقتصادي في إدارة البلاد.

ما الذي يشغلها؟
إن محاسبة النظام كله على صرف الأجهزة الأمنية للدولة إلى مهمات ثأرية وانتقامية تبتعد بها عن دورها الأصلي، وتجعلها مثل الميليشيات والعصابات الخاصة، هي النبرة التي يجب أن ترتفع بها أصوات المصريين مسلمين ومسيحيين هذه الأيام؛ حتى يحموا بلادهم وحياتهم من الدمار
وبالعودة إلى المنظومة الأمنية المصرية سنجد أنها مشغولة بالتنكيل بأكثر من أربعين ألف معتقل سياسي موزعين على حوالي 20 سجنا في أنحاء الجمهورية، وفي هذا ما فيه من الحاجة إلى حراسات شديدة وكوادر أمنية كثيرة ومدربة على أساليب وحشية في التعامل مع السجين وعائلته، مع تكاليف مالية عالية تناسب المهمة القذرة التي تقوم بها هذه الكوادر المريضة.

والمنظومة الأمنية المصرية مشغولة أيضا بمتابعة عشرات الآلاف من الشباب الإسلامي الذي مثل عضد النظام في التجربة الديمقراطية التي جاءت بالإخوان المسلمين إلى السلطة عقب انتخابات الرئاسة الشهيرة منتصف عام 2012.

وما يحدث في قرية البصارطة في محافظة دمياط هو عينة على سلوك النظام تجاه معارضيه، فقد حوصرت القرية المعروفة بمعارضتها للنظام بقوات الجيش والشرطة عقب مقتل رجل أمن خارج القرية، وبلا تحقيق ولا محاولة لمعرفة الجاني وقع العقاب الجماعي على القرية التي لم تشهد هذه المعاملة حتى في أيام الغزوات الصليبية ولا الاحتلال الفرنسي والإنجليزي، ولم يكن العقاب مجرد حصار، بل قتل وتجويع واعتقال وإخفاء قسري، وكأن القرية كلها تآمرت بليل على قتل رجل الأمن!

والمنظومة الأمنية بمصر مشغولة أيضا بمتابعة أنفاس الملايين من المصريين؛ تقيس نبضهم، وتتحسس توجهاتهم، خوفا من هبة تفاجئهم على شاكلة ما جرى لهم في 25 يناير/كانون الثاني عام 2011، ويمكن للقارئ أن يسمع عن حيل كثيرة يقوم بها مجهولون وسط تجمعات المصريين في البنوك ووسائل المواصلات وغيرها لقياس هذا النبض.

إن محاسبة النظام كله على صرف الأجهزة الأمنية للدولة إلى مهمات ثأرية وانتقامية تبتعد بها عن دورها الأصلي، وتجعلها مثل الميليشيات والعصابات الخاصة، هي النبرة التي يجب أن ترتفع بها أصوات المصريين مسلمين ومسيحيين هذه الأيام؛ حتى يحموا بلادهم وحياتهم من الدمار.

المصدر : الجزيرة