صابر كل عنبري

صابر كل عنبري

كاتب وباحث إيراني


أثار إطلاق الحرس الثوري الإيراني صاروخا بالستيا متوسط المدى في 29 يناير/كانون الثاني من موقع قرب مدينة سمنان وسط البلد، ردود فعل غاضبة من الولايات المتحدة الأميركية ودول غربية.
 
فقد طلبت الإدارة الأميركية الجديدة عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، متهمة طهران بانتهاك قرار مجلس الأمن رقم 2231 المرتبط بالاتفاق النووي، وهذا ما رفضته الأخيرة جملة وتفصيلا، حيث قال وزير خارجيتها إن هذه الصواريخ غير قادرة على حمل رؤوس نووية. كما أن الاتفاق النووي لم يتطرق للبرنامج الصاروخي، لا من بعيد ولا من قريب، حسب قول الإيرانيين.

وسط هذا الجدل، تطرح هذه التجربة الصاروخية وردود الفعل الأميركية الغاضبة والعاجلة، تساؤلات عديدة، حول توقيت تلك التجربة وأهدافها إيرانيا، ثم الأهداف التي تتوخاها الولايات المتحدة الأميركية من وراء تلك الردود التي جاءت أقواها على لسان دونالد ترمب الذي أعاد الحديث عن الخيار العسكري مرة أخرى، وقال إنه مختلف عن سلفه في التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

توقيت التجربة
يأتي توقيت هذه التجربة الصاروخية في ظل ظروف إقليمية ودولية قد تكون فارقة، فقد جاءت إقليميا بعد أسبوعين تقريبا من مباحثات أستانة حول الأزمة السورية، وفي ظل الحديث المتزايد عن خلافات روسية إيرانية، واحتمالات مساومة روسية أميركية في الملف السوري على حساب الدور الإيراني، وكذلك تصاعد احتمالات عودة أميركية قوية للشرق الأوسط، والاتصالات الأميركية والسعودية لإقامة مناطق آمنة في كل من سوريا، واليمن.

تأتي التجربة الصاروخية الإيرانية اختبارا لمدى جدية وتصميم الرئيس الأميركي الجديد في سياساته العدائية تجاه إيران، ومن هذا المنطق يمكن اعتبار تلك التجربة الصاروخية بمثابة جس النبض لتوجهات الإدارة "الترمبية" تجاه طهران
ومن جهة أخرى، دوليا، تأتي هذه الخطوة الإيرانية في ظل مجيء رئيس أميركي يميني يختلف عن الرؤساء الأميركيين السابقين، واحتمالات دخول النظام العالمي في مرحلة جديدة حافلة بالتطورات والأحداث، وتصاعد المعارضة الأوروبية، ولاسيما الشعبية لسياسات الرئيس الأميركي الجديد، وبوادر دخول العلاقات الأميركية الأوروبية في حقبة جديدة من التوتر بعد عقود من التحالف والتوافق.

أهداف إيرانية
جاءت التجربة الصاروخية الإيرانية الأخيرة في سياق سلسلة تجارب صاروخية، اعتاد الحرس الثوري الإيراني القيام بها منذ فترة طويلة، لكنها هذه المرة جاءت في هذا التوقيت الحساس إقليميا ودوليا، والأهم أنها أول تجربة صاروخية بالستية في عصر الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب، فمن هذا المنطلق لابد أنها كانت محسوبة لدى الحرس من حيث الأهداف التي رسمت لها، والتي نستعرض هنا أهمها:

- الرد على أول بيان أصدرته الإدارة الأميركية الجديدة بعيد حفل تنصيب ترمب بدقائق، حول نية هذه الإدارة تطوير نظام دفاع صاروخي "متطور" للحماية مما وصفه بالهجمات من إيران وكوريا الشمالية، وهو ما يعني أن إيران -بعد أن احتلت حيزا مهما في أقوال ترمب الانتخابية- نالت نصيبا معتبرا من مواقفه الأولى بعد التنصيب.

أرادت طهران من خلال هذه التجربة القول للإدارة الأميركية الجديدة، بأنها ستبقى متمردة أمام النظام العالمي الذي تحدد واشنطن ملامحه، لذلك لن تهتم كثيرا بما تقوله هذه الإدارة.

- اختبار مدى جدية وتصميم الرئيس الأميركي الجديد في سياساته العدائية تجاه إيران، فمن هذا المنطق يمكن اعتبار تلك التجربة الصاروخية بمثابة جس النبض لتوجهات الإدارة "الترمبية" تجاه طهران، خاصة في ظل توسع دائرة الاحتجاجات الأميركية والأوروبية تجاه سياسات ترمب، حيث أرادت إيران اختبار الرئيس الأميركي الجديد في ظل هذه الأزمة التي يواجهها.

- رد استباقي على مناورات "الرمح الثلاثي الموحد" المشتركة التي أجرتها الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وبريطانيا وأستراليا الأسبوع الماضي في المياه الخليجية بعد يومين من التجربة الصاروخية الإيرانية. كما أجرت طهران مناورات بعدها، يوم السبت الماضي (04 فبراير/شباط) بعد اشتداد الحرب الكلامية مع واشنطن.

- إظهار مستوى الردع الذي وصلته القوة العسكرية الإيرانية في إطار الترويج لمقولة "القوة الإقليمية العظمى" التي يتحدث عنها القادة العسكريون الإيرانيون مرارا.

- إرسال رسالة مفادها أن طهران رقم صعب في المعادلات الإقليمية، لا يمكن تجاوزها في المنطقة، والمساومات المحتملة حول ملفات عديدة، وخاصة في ظل ما يطرح حول الملف السوري، حيث بإمكانها قلب الطاولة واللعبة.

- كما أن هذه التجربة جاءت بعد يوم من إقرار الرئيس الأميركي قرار حظر دخول المواطنين من سبع دول، منها إيران، وكأن الحرس الثوري أراد من خلال إطلاق الصاروخ البالستي، القول بأنه لا يعبأ لهذا الأمر، ويرد على أي خطوة عدائية بأخرى ولو من نوع آخر.

أهداف أميركية
ردود الفعل السريعة والشديدة التي أبدتها الإدارة الأميركية الجديدة تجاه التجربة الصاروخية الأخيرة لإيران، لم تأت صدفة وبشكل اعتباطي، وإنما يفترض أن تكون وراءها أهداف تتوخاها هذه الإدارة، فعلى الأرجح وخاصة في ظل التوجهات التصعيدية "الترمبية" ضد إيران، والتي لمّح إليها أيام حملته الانتخابية، ثم أكد عليها بعد التنصيب بإصداره أول بيان عن الموضوع الصاروخي الإيراني، تأتي ضمن بنك أهداف ترمي إلى تحقيقها إدارة ترمب خلال المرحلة المقبلة من خلال التعاطي التصعيدي المباشر مع ملفات إيرانية.

تسعى أميركا لجعل ملف الصواريخ البالستية أو البرنامج الصاروخي الإيراني بديلا للملف النووي، لتكثيف الضغوط على إيران من خلاله في المرحلة المقبلة، على ضوء عدم تمكن ترمب من تمزيق الاتفاق النووي، كما وعد بذلك في حملاته الانتخابية
نستعرض هنا أهم تلك الأهداف:
1ـ جعل ملف الصواريخ البالستية أو البرنامج الصاروخي الإيراني بديلا للملف النووي، لتكثيف الضغوط على إيران من خلاله في المرحلة المقبلة، على ضوء عدم تمكن ترمب من تمزيق الاتفاق النووي، كما وعد بذلك في حملاته الانتخابية.

2ـ الحد من الفرص التي حصلت عليها طهران في الاتفاق النووي، من خلال فرض عقوبات جديدة بسبب البرنامج الصاروخي، فكما أعلن ترمب مؤخرا في تغريدة أن الاتفاق النووي مكّن إيران من استعادة 150 مليار دولار، ولأنه من الصعب على ترمب إلغاء هذا الاتفاق في الوقت الحاضر لأسباب معروفة، فإنه سيسعى بالتالي بشتى الطرق لإبطال مفعول هذا الاتفاق دون إلغاء، بحيث تصفّر الامتيازات الاقتصادية التي حصلت أو يفترض أن تحصل عليها طهران بسبب الاتفاق النووي. ومن هذا المنطلق جاء فرض العقوبات على 25 كيانا وفردا ردا على البرنامج الصاروخي الإيراني. والجدير بالذكر أنه ورد في نص البيان الذي أعلن عن تلك العقوبات الجديدة، أنها فرضت بطريقة لا تخرق الاتفاق النووي.

3ـ إرسال رسالة عنوانها أن "إيران تحت المجهر"، الذي تعني طبيعة إستراتيجية إدارة ترمب خلال المرحلة المقبلة في التعاطي مع الشأن الإيراني، كما تحدث عنها "مايك فلين" في بيانه الأول بشأن التجربة الصاروخية الإيرانية، حيث قال إن إيران "تحت الملاحظة اعتبارا من اليوم".

على أساس هذه الإستراتيجية، يفترض أن تثير الخطوات الإيرانية حفيظة ترمب، وبعدها بلحظات تجد تعليقاته طريقها إلى التويتر، هنا لا يفرق كثيرا حجم هذه الخطوات الإيرانية، سواء كانت إطلاق صواريخ تجريبية أو إحراق العلم الأميركي الذي يفترض أن يكرره الإيرانيون خلال ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في الأيام القادمة، فكلما ستقوم به طهران خلال المرحلة المقبلة سيكون محل تحفظ أميركي، مادام لا يأتي في سياق التجاوب مع السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

4ـ العودة "القوية" إلى الشرق الأوسط عبر تسخين ملفات منها الملفات الإيرانية، بعد سنوات مما اعتبر تراجعا أميركيا في هذه المنطقة بسبب اتباع إستراتيجية "التدخل غير المباشر" في عهد أوباما، والعودة إلى إستراتيجية "التدخل المباشر" لجورج بوش الابن، ولكن هذه المرة من منظور يميني أكثر تطرفا وقربا من اليمين الإسرائيلي. كما أن الإدارة الأميركية الجديدة في هذا السياق، تسعى إلى الترويج لمقولة أن إيران تهديد للسلام العالمي من خلال إبراز برنامجها الصاروخي بهذه الطريقة المثيرة.

5ـ تأتي الردود الأميركية الشديدة في سياق إستراتيجية "أميركا أولا" للرئيس دونالد ترمب، والتي فهمها الكثيرون بالخطأ، حيث كان التصور عند هؤلاء أن هذه الإستراتيجية تعني الانطواء على النفس من خلال التركيز على الداخل الأميركي ولاسيما الاقتصاد، لكنها في حقيقة الأمر تعني "جعل أميركا أولا في العالم"، واستعادة العظمة الأميركية في العالم، التي يراها ترمب متراجعة بسبب سياسات الرئيس السابق باراك أوباما، كما قال ذلك في أكثر من مناسبة.

لذلك، تسعى الإدارة الأميركية من خلال هذه الردود القوية على التجربة الصاروخية البالستية لإيران إلى القول إنها مازالت القوة العالمية الكبرى.

6ـ تصدير الأزمة الداخلية المتصاعدة إلى الخارج عبر تسخين ملفات، وتصويب الأنظار الأميركية إلى العدو الخارجي، إثر تصاعد الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا على قرارات ترمب الأخيرة ضد المهاجرين.

ملف مستقل
إن واصلت طهران التحدي الصاروخي، فقد يتطور مستوى التعاطي الأميركي إلى مرحلة خطيرة جدا، قد يكون عنوانها الصدام العسكري الذي رغم أنه غير وارد حاليا، فإنه غير مستبعد، ومن شأن أي حادثة مهما كانت صغيرة في المنطقة، أن تشعل حربا طاحنة
رغم أن الحديث الأميركي والغربي عن التجربة الصاروخية الإيرانية جاء في سياق ما اعتبروها انتهاكا للقرار الدولي رقم 2231 المتصل بالاتفاق النووي، فإنه يفترض أن تشكل قضية "الصواريخ البالستية الإيرانية" أو البرنامج الصاروخي الإيراني ملفا مستقلا، تتعاطى معه الإدارة الأميركية كذريعة خلال المرحلة القادمة بشكل مباشر ومنفصل عن الملف النووي وملفات أخرى، تشكل إيران طرفا فيها.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن تجعل الإدارة الأميركية الجديدة قضية الصواريخ بديلا عن الملف النووي للتركيز عليها خلال الفترة المستقبلة، لتسلك هذه القضية أيضا مسار القضية النووية، بالتالي يمكن أن تلجأ إدارة ترمب خلال المرحلة المقبلة إلى خطوات تصعيدية تبرز عبرها هذا الملف المستجد، وعلى وقع ذلك، قامت بفرض عقوبات على إيران تحت ذريعة مواجهة التجارب الصاروخية الإيرانية، ويتوقع أن تكثف هذه العقوبات خلال المرحلة المقبلة.

خلاصة القول أن قضية الصواريخ البالستية الإيرانية على الأغلب ستكون عنوانا رئيسا في القضايا الإقليمية والدولية خلال الفترة القادمة، وأن الردود الأميركية الشديدة جاءت ترجمة لتوجهات ترمب العدائية تجاه طهران، والتي كان يتحدث عنها في حملته الانتخابية، كما أنه يفترض أن يتم إثارة ملف الصواريخ البالستية من حين لآخر، وخاصة إن استمرت طهران في تجاربها الصاروخية.

وحسب ما يبدو فإن التوقف عن تلك التجارب ليس في وارد السياسة الإيرانية، ثم إن التعاطي الأميركي مع هذا الملف ستكون له مستويات مختلفة، تتوقف أشكالها على السلوك الإيراني في هذا الخصوص ومتطلبات المرحلة أميركيا، فإن واصلت طهران التحدي الصاروخي، قد يتطور مستوى التعاطي الأميركي إلى مرحلة خطيرة جدا، قد يكون عنوانها الصدام العسكري الذي رغم أنه غير وارد حاليا، فإنه غير مستبعد، ومن شأن أي حادثة مهما كانت صغيرة في المنطقة، ولاسيما في المياه الخليجية بين الزوارق الحربية الإيرانية والبوارج الأميركية، أن تشعل حربا طاحنة.

المصدر : الجزيرة