ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني

فُرص التداول السلمي
أزمة حزب الرئيس
الذهنية العسكرية

حرك إعلان الرئيس السوداني عمر البشير عدم ترشحه للرئاسة 2020 مياهاً راكدة على امتداد الفضاء السوداني، وأثار ذلك جدلا واسعا حول من هو خليفة الرئيس القادم؟ بيد أن الكثيرين لم يُعروا هذا الإعلان كثير اهتمام باعتبار أن ذلك الإعلان ليس الأول، إذ سبق أن جزم البشير -قُبيل آخر انتخابات في 2015- بعدم نيته الترشّح، لكن ذلك لم يحدث وانتخب البشير لدورة أخرى.

وبُعيد الانتخابات الأخيرة قام البشير بعدة إجراءات نظر إليها البعض باعتبارها سعيا لمزيد من الاستئثار بالسّلطة. ففي عام 2013، أبعد شخصيات سياسية من العيار الثقيل ظلت متنفذة أكثر من عقدين، هما علي عثمان محمد طه (كان النائب الأول للرئيس)، والرجل القوي في الحزب الحاكم نافع علي نافع.

وأفسح هذا التغيير المجال لأن يُحِلّ مكانهم شخصيات تدين للبشير بالولاء المطلق، مثل نائبه الأول الحالي الفريق بكري حسن صالح الذي ينتمي إلى المؤسسة العسكرية.

وفي مطلع 2015 -أي قُبيل الانتخابات بأشهر- أنجز البشير تعديلات دستورية تسمح له بتعيين ولاة الولايات بدلا من انتخابهم، وتحويل جهاز الأمن إلى قوة نظامية مثله مثل القوات المسلحة والشرطة، وتتضمن مهامه محاربة التهديدات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وشمل ذلك أيضا سلطة الرئيس في تعيين شاغلي المناصب الدستورية والقيادات الأمنية والعسكرية، بل وحتى القضائية مما اعتبِر وسيلة للتأثير على القضاء من قبل السلطة التنفيذية.

ونجم عن ذلك تركز السلطات السياسية والأمنية والعسكرية في يد الرئيس البشير وبدلا من "دولة الحزب" -إذ كان حزب المؤتمر الوطني الحاكم مستحوذا على كل السلطات- أصبحت هناك اليوم "دولة الرئيس".

حتى إن حزب المؤتمر الوطني بكل مؤسساته تأصل فيه الإحساس بأنه لا يساوي شيئاً بدون الرئيس البشير، وكنتيجة حتمية لسياسة الرجل الواحد وتساقط القيادات المؤثرة؛ غدا من الصعب -أو أنها الأزمة بعينها- التفكير في مَن سيخلف الرئيس.

وعموما؛ فإن صدْق توجه البشير لإفساح المجال لرئيس جديد يقاس بإجراءات تبدأ من الآن -أو يفترض أنها تبدأ- من قواعد الحزب الحاكم، تهيئة لمرحلة ما بعد البشير.

فُرص التداول السلمي
حتى اليوم ومنذ قيام نظام الإنقاذ برئاسة البشير في يونيو/حزيران 1989؛ ظلت فكرة التداول على السلطة من المحرمات السياسية، ليس في عموم السودانالدولة فحسب ولكن حتى داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، فطيلة زهاء ثلاثة عقود ظل هو الحزب الحاكم، وظل البشير رئيسا للحزب ورئيسا للدولة.

كلما لوّح الرئيس البشير بعدم رغبته في الاستمرار في الرئاسة، انتعشت الآمال في تداول سلمي للسلطة على الأقل داخل الحزب الحاكم، ليكون ذلك مقدمة لتداول أشمل وتمرينا للحزب المتنفذ، حيث إن فاقد الشيء لا يعطيه

وكلما لوّح الرئيس البشير بعدم رغبته في الاستمرار في الرئاسة، انتعشت الآمال في تداول سلمي للسلطة على الأقل داخل الحزب الحاكم، ليكون ذلك مقدمة لتداول أشمل وتمرينا للحزب المتنفذ، حيث إن فاقد الشيء لا يعطيه.

وتبرز أهمية التداول على السلطة في تقنين ظاهرة الاختلاف كظاهرة طبيعية في السياسة، تتضمن تمايزات فكرية أيديولوجية بين مكونات المجتمع السياسي. كما تشير ظاهرة الاختلاف إلى عمق حراك المجتمع.

وبالتالي يكون هدف النظام السياسي هو حفظ الدولة والمجتمع من التفكك عبر آلية التداول السلمي للسلطة. أما النظام الاستبدادي فيعمد إلى عدم الاعتراف بالاختلاف بين المكونات السياسية للمجتمع، بل قمعه وتعويض ذلك باتجاهه في الغالب نحو تأكيد حكم الفرد، سواء أكان شخصا أم جزبا أوحد.

يقول قيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم -يُعدّ من الداعين لعدم ترشح البشير منذ ما قبل انتخابات 2015- إن البشير لم يُبايَع خليفة للمسلمين، وإنما بُويع رئيسا للسودانيين مسلمين وغير مسلمين، وانتخِب رئيسا على شرط المنتخبِين بما وثّقوه في الدستور، كما أن ترشح البشير عام 2020 غير متناسب مع روح وثيقة الإصلاح التي اقتضت التغيير سبيلا للتطوير.

إن لم تحدث نُقلة مفاهيمية كبرى لدى الحزب الحاكم فضلا عن تغييرات جذرية وجوهرية في فهمه للسلطة؛ فإن الخلل سيظل يطوّق الحزب. وليس هذا فحسب، بل قد ينسحب عدم الاستقرار السياسي ومن ثمّ الاقتصادي على عموم البلاد -باعتباره الحزب المسيطر- مما سيُحدث واقعا أليما قد ينتج عنه ذهاب السودان بشكله الجيوسياسي الحالي.

ويتطلب التغيير الإيجابي قناعة بفكرة التغيير الجذري في مؤسسات الحزب المختلفة، مثل المجلس القيادي ومجلس الشورى، وحتى الأجسام القاعدية وما يعرف بشُعب الأساس.

أزمة حزب الرئيس
قد لا تكون العُقدة في صدق نوايا الرئيس البشير وزهده في الرئاسة من عدمه، بل إن المشكلة الحقيقية هي في حزب المؤتمر الوطني؛ فليست للحزب أجهزة فاعلة تُمكِّنه من إرساء فكرة التداول السلمي للسلطة ولا تُوجد لديه أجهزة تقوم بالمبادرة، بل هي أجهزة بُرمجة على أن تمارس أدوارا شكلية، وأما قيادة التغيير فهي أمر -على ما يبدو- يمتلكه الرئيس البشير وحده.

على البشير أن يعكف -إن كانت كل السلطات بيده- على تأسيس نظام متماسك يستطيع تحمل تحديات المرحلة الجديدة، حتى لا يكون ابتعاده عن السلطة مفضيا إلى صراع داخل الحزب، الأمر الذي يهدد باستقرار الحزب وبالتالي يزيد مخاطر عدم الاستقرار في طول البلاد وعرضها

ويلاحظ المراقب لما يدور داخل الحزب بشأن هذه القضية وجود تيارين: الأول ترتبط مصالحه وامتيازاته ببقاء البشير في الرئاسة لأطول فترة، ورغم المحدودية العددية لهذا التيار فإن تأثيره في قرارات الرئيس قوي جدا، وما يؤكد ذلك أنه في غياب المؤسسات يظهر طغيان الأفراد المرتبطين بالمصالح الشخصية.

أما التيار الثاني -وهو الأكثر عددا والأقل تأثيرا- فيبتغي التغيير ويربط ذلك بإنفاذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي منها ألا يترشح الرئيس البشير لدورة رئاسية أخرى، ويتطلب تنفيذها تنازلا كبيرا من الحزب عن استحواذه على السلطة.

ويرى هذا التيار في ذلك إجراءً آمناً لضمان استدامة بقاء الحزب فاعلا في الساحة السياسية، وتجنيب البلاد عواقب الفوضى نتيجة كبت الحريات المتواصل، فضلا عن التراجع الاقتصادي المخيف والفساد المستشري.

إن المشفقين على مآلات الحوار الوطني يذكرون كيف تبدد ذلك الجو الاحتفالي الذي صاحب التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في 2005 حتى عُدّت أعظم إنجازات حكومة البشير، بل اعتبِرت بمثابة الاستقلال الثاني للسودان. لكن من احتفل بها في الحزب الحاكم انقلبوا ضدها وصبوا عليها حمم غضبهم.

ويبلغ الإشفاق غايته حين تكون القلة من أصحاب المصالح الشخصية في الحزب الحاكم لا ترى في الحوار الوطني سوى مناورة سياسية ونوعا من أحابيل المداراة السياسية والإيهام بالتغيير. وهناك من يطرح سؤالا بشأن الحوارات والمفاوضات والاتفاقات التي أبرمتها الحكومة على مدار سنوات حكمها وما الذي جعلها غير منتجة؟

يُفترض أن توصيات الحوار المشار إليها تؤدي في المرحلة القادمة -وهي المرحلة الانتقالية الأولى- إلى تقليص صلاحيات الرئيس، أما في المرحلة الانتقالية الثانية فيُمكن أن يصبح الرئيس مجرد رمز.

وقد تستغرق هاتان المرحلتان مدى يتعدى أمد الانتخابات القادمة في 2020، وهذا يعني أن الحزب الحاكم لديه فرصة أبعد من 2020 -إن كان جادا ولم يبدأ بعد- ليبدأ إجراءات اختيار خليفة للرئيس البشير.

أما البشير فعليه أن يعكف -إن كانت كل السلطات بيده- على تأسيس نظام متماسك يستطيع تحمل تحديات المرحلة الجديدة، حتى لا يكون ابتعاده عن السلطة مفضيا إلى صراع داخل الحزب، الأمر الذي يهدد باستقرار الحزب وبالتالي يزيد مخاطر عدم الاستقرار في طول البلاد وعرضها.

الذهنية العسكرية
اليوم يدور جدل واسع بشأن إمكانية تدشين عملية سياسية دون تدخل من المُؤسّسة العسكرية، إذ السودان -مثله مثل دول العالم الثالث- يتسم فيه بناء المؤسّسة المدنية بالهشاشة، والجيش يكاد يكون دولة مُوازية.

لو فكّر البشير بالفعل في التنحي فإن الخليفة لن يخرج عن المؤسسة العسكرية، وتشير العديد من الخطوات إلى أن البشير عمد إلى إعداد خليفته منذ عملية التعديل الكبيرة التي أجراها في أواخر 2013، وأدت إلى خروج مجموعة المدنيين ذات الثقل الكبير، وتعيين الفريق بكري صالح في موقع النائب الأول للبشير

وهذا يصعّب وصول حاكم مدني يبسط سلطاته على المؤسسة العسكرية كما هو في العالم الأول. والحقيقة البائنة أن في السودان دولة عسكرية أو شبه عسكرية، وأن رئيس الدولة هو المشير البشير ومَنْ حوله أعوان وموظفون.

ويبدو أن الذهنية العسكرية حاضرة في كل الأحوال، فما كان بروز البشير كأقوى شخصية إلا بسبب انتمائه للمؤسسة العسكرية. فالنتيجة الأهم هي أن السلطة والقرار في يد المؤسسة العسكرية والأمنية التي يمثلها الرئيس البشير.

ولو فكّر البشير بالفعل في التنحي فإن الخليفة لن يخرج عن المؤسسة العسكرية، وتشير العديد من الخطوات إلى أن البشير عمد إلى إعداد خليفته منذ عملية التعديل الكبيرة التي أجراها في أواخر 2013، وأدت إلى خروج مجموعة المدنيين ذات الثقل الكبير، وتعيين الفريق بكري صالح في موقع النائب الأول للبشير.

وقيل إن البشير نقل إليه جزءاً كبيراً من صلاحيات الرئيس الأمر الذي لم يحظ به نائبه السابق علي عثمان. ويعدّ الفريق صالح من الشخصيات القليلة التي يثق فيها البشير، فضلاً عن أنه واحد من قيادات مجلس الثورة الذين قادوا انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو/حزيران 1989، وأدى دوراً محورياً فيه، إضافة إلى انتمائه للقوات المسلحة.

ولا يُتوقع أن يواجه اختيار الفريق صالح بعقبات من الحزب لانتفاء تأثيرات المؤتمر الوطني كحزب، وإحكام البشير قبضته على مجريات الأمور، وكل ما سيفعله الحزب هو أن ينظر إلى أين سيمضي خليفة البشير ليمضي معه.

وتمكن الإشارة إلى أن تهديدات المحكمة الجنائية الدولية للبشير تجعله يبحث عن رجل ثقة يترك له مقاليد الأمر في القصر الرئاسي، ويثق في أنه لن يُقدم على التضحية به مستقبلا تحت أي ظرف أو مقابل أي ثمن، وهذه الثقة قد لا تتوفر في المدنيين.

المصدر : الجزيرة