إبراهيم حمامي

إبراهيم حمامي

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

موقف إدارة ترمب
المواقف الدولية
خيارات السلطة الفلسطينية

لم تُشكل مواقف وإجراءات الرئيس الأميركي ترمب الأخيرة من القضية الفلسطينية مفاجأة للسياسيين أو المتابعين له، فالإجراءات تماشت تماماً مع وعوده الانتخابية قبل فوزه بمنصب الرئاسة، ورغم ذلك فإن سرعة اتخاذها والطريقة التي تم بها الإعلان عنها شكلا بلا شك صدمة قوية لمن كان يأمل أن يكون ترمب المرشح للرئاسة غير ترمب الرئيس.

الموقف الأبرز -الذي أرسل موجة صادمة عبر المحيط- كان التخلي الفعلي عن ثابت من ثوابت السياسة الأميركية منذ عقود هو "حل الدولتين".

وبغض النظر عن حقيقة وإمكانية تطبيق حل الدولتين على أرض الواقع مع إجراءات التهويد القائمة على الأرض ومنذ سنوات، بما فيها: زيادة أعداد المستوطنين، وضم الأراضي، والجدار... وغيرها؛ فإنه وفّر غطاء لطرفي النزاع: الجانب الفلسطيني لتبرير استمراره في عملية السلام الفاشلة، والجانب الإسرائيلي لمواصلة تهويد الضفة في ظل مفاوضات لا تتقدم.

موقف إدارة ترمب
ليس من قبيل المبالغة القول إن إدارة الرئيس ترمب الحالية تشن حرباً سياسية ومالية شاملة على السلطة الفلسطينية، مع انحياز علني تام لـ"إسرائيل".

لا يتوقف الأمر عند التخلي عن خيار "حل الدولتين" بل تعداه لإجراءات أكثر عدوانية، ربما لم يتوقف عندها المتابعون لأنها مُرّرت مع حزمة من الإجراءات والمواقف الأخرى وتسببت في ردود فعل عنيفة، كقرار حظر مواطني سبع دول من دخول الولايات المتحدة، وما تبعه من معارك قضائية غطت على الأمور الأخرى. ومن هذه الإجراءات العدوانية:

بغض النظر عن حقيقة وإمكانية تطبيق حل الدولتين واقعيا بسبب إجراءات التهويد القائمة منذ سنوات؛ فإنه وفّر غطاء لطرفي النزاع: الجانب الفلسطيني لتبرير استمراره في عملية السلام الفاشلة، والجانب الإسرائيلي لمواصلة تهويد الضفة في ظل مفاوضات لا تتقدم

1- نقل السفارة الأميركية للقدس المحتلة: فقد تعهد الرئيس ترمب في حملته الانتخابية بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وهو الأمر الذي أحجم الرؤساء السابقون عن القيام به، وجمّدوا تنفيذه لسنوات. الرئيس ترمب أعلن بعد انتخابه أنه ملتزم بوعده ويدرس آليات تنفيذه.

2- الاستيطان: أعلن الرئيس ترمب أنه لا يعتقد أن الاستيطان يعرقل عملية السلام، لكنه -في مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- طلب منه التريث "قليلاً" في موضوع الاستيطان.

3- العقوبات المالية: جمّد ترمب حزمة مساعدات للسلطة الفلسطينية بقيمة 221 مليون دولار، كان الرئيس السابق باراك أوباما أقرها في الساعات الأخيرة من رئاسته، ومنذ تسلمه الرئاسة لم تُحوّل أي مستحقات مالية للسلطة في العام المالي 2016-2017.

4- تعيين ديفد فريدمان سفيرا أميركياً جديدا لدى "إسرائيل"، وهو معروف بحماسته الشديدة للاستيطان وتأييده له، ويدافع عن ضم "إسرائيل" للضفة الغربية المحتلة، ولا يؤمن بحل الدولتين، ويعتبر الجولان ذا أهمية إستراتيجية لإسرائيل وليس منطقة نزاع.

وهو ما حدا بسفراء أميركيين سابقين لدى تل أبيب (هم: توماس بيكرنج، وإدوارد ووكر، ودانيال كيرتزر، وجيمس كانينغهام، ووليام هاروب) لكتابة رسالة بشأن تعيين ديفد فريدمان، جاء فيها: "نعتقد أنه غير مؤهل للمنصب" بسبب مواقفه المتطرفة.

5- عيّن ترمب 11 يهودياً في مناصب قيادية في إدارته، حسب تقرير إسرائيلي نُشر يوم 27 يناير/كانون الثاني 2017 تحت عنوان "تعرف على كبار المسؤولين اليهود في إدارة ترمب"، وقدمت صحيفة "جروزاليم بوست" اليمينية الإسرائيلية تعريفاً بـ11 شخصية مؤثرة ستعمل إلى جانب ترمب، بعضهم لا يُخفي انحيازه التام لـ"إسرائيل".

6- إصدار إدارة ترمب مرسومين ينصان على تقليص أو حتى إلغاء المساهمة المالية للولايات المتحدة في وكالات عدة تابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية، وإعادة النظر في سلسلة من المعاهدات، حسب ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر يوم 25 يناير/كانون الثاني 2017، وتستهدف القرارات أي منظمة اعترفت بالسلطة الفلسطينية كدولة.

7- رفضت الإدارة الأميركية الجديدة الرد على اتصالات مسؤولي السلطة (باستثناء ماجد فرج)، بينما شرعت الأبواب للمسؤولين الإسرائيليين، وكان آخرهم نتنياهو الذي خاطبه ترمب بـ"بيبي"، مبتعداً عن الأعراف الدبلوماسية لإظهار الود بين الطرفين.

8- هدد الرئيس ترمب بمعاقبة الفلسطينيين إذا قاموا بمقاضاة "إسرائيل" لدى محكمة الجنايات الدولية، وفق ما نشرته صحيفة هآرتس "الإسرائيلية". وقال مسؤولون غربيون إن الإدارة الأميركية الجديدة ستقوم بتنفيذ عقوبات واتخاذ خطوات شديدة أخرى، من شأنها أن تلحق الضرر الكبير بمكانة وموقع منظمة التحرير الفلسطينية.

رفضت الإدارة الأميركية الجديدة الرد على اتصالات مسؤولي السلطة (باستثناء ماجد فرج)، بينما شرعت الأبواب للمسؤولين الإسرائيليين، وكان آخرهم نتنياهو الذي خاطبه ترمب بـ"بيبي"، مبتعداً عن الأعراف الدبلوماسية لإظهار الود بين الطرفين

وأشارت هآرتس إلى أن الإدارة الأميركية ستقوم بقطع المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى السلطة الفلسطينية، وستقوم بإغلاق مكاتب تابعة لمنظمة التحرير.

ثم كان الموقف الأبرز بإسقاط "حل الدولتين" كسياسة أميركية وخيار وحيد، إذ أعلن ترمب -في مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو يوم 15 فبراير/شباط 2017- أنه "ليس الخيار الوحيد"، وأنه يقبل ما يقبل به الطرفان.

المواقف الدولية
المواقف وردود الفعل الدولية جاءت باهتة ضعيفة وكأنها استسلام لأمر واقع جديد. فالموقف الأبرز كان من فرنسا التي أعلنت تمسكها بخيار الدولتين، وهو ذات الموقف الذي عبّرت عنه المفوضية الأوروبية وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة.

لكن قدرة فرنسا -ومعها الاتحاد الأوروبي- على المناورة محدودة، خاصة أن إدارة الرئيس ترمب افتعلت مواجهات أخرى معهم، من قبيل موقف ترمب من خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وحثه باقي الدول على الاقتداء بها، وهو ما يعدّ دعوة لتفكيك الاتحاد الأوروبي، أو ما صرح به حول حلف شمال الأطلسي (الناتو).

لا تستطيع أوروبا وحدها مواجهة التوجه الأميركي الجديد، خاصة مع التغييرات الهائلة على الأرض والتي سرّعتها "إسرائيل" بشكل غير مسبوق في سباق مع الزمن، من قبيل قانون تملك الأراضي الخاصة في الضفة، وضمّ التكتلات الإسرائيلية الكبرى، وبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية.

ولم يتوقف الإسرائيليون عند ذلك؛ بل ارتفعت الأصوات المطالبة بضم الضفة الغربية نهائياً إلى "إسرائيل". أما باقي الدول فقد التزمت الصمت وكأن الأمر لا يعنيها.

خيارات السلطة الفلسطينية
لا نظلم السلطة الفلسطينية بقولنا إنها -منذ عام 1991 ومع انطلاق ما يُعرف بعملية السلام- تبيع وهم حل الدولتين للشعب الفلسطيني، كمبرر وغطاء شرعي لوجودها.

خيار حل الدولتين وُلد ميتاً بعد أن قبل الجانب الفلسطيني التخلي عن كل أوراق القوة والضغط، وقبِل بالتفاوض خارج المرجعية الدولية، ليبقى تحت رحمة ما تمليه أو تعطيه "إسرائيل"، دون القدرة على مواجهتها. والسلطة الفلسطينية تقف اليوم عاجزة تماماً عن مواجهة هجوم الإدارة الأميركية السياسي والمالي، بسبب انعدام الخيارات الحقيقية لمواجهتها.

ربما كان صائب عريقات الوحيدَ الذي صرّح بأنه سيتم سحب الاعتراف بـ"إسرائيل"، وبأن السلطة ستنضم لـ16 منظمة دولية، وستقاضي الاحتلال في محكمة الجنايات حول الاستيطان والجدار. لكن صوته سرعان ما خفت بعد التهديد الذي وجهه السفير الأميركي في تل أبيب للسلطة باتخاذ عقوبات قوية في حال تنفيذ أي مما سبق.

ليست المرة الأولى التي تهدد فيها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير باتخاذ خطوات لمواجهة قرارات صدرت ضدها، أو الحديث عن خيارات وبدائل كانت -على مرّ السنين- تنحصر في:

الخيار الأول: بقاء الوضع على ما هو عليه الآن، أي جمود المفاوضات السياسية مع بقاء التنسيق الأمني، وتسيير الحياة اليومية للفلسطينين، والعمل على الاستمرار في جلب الاعترافات الدولية والدخول في مؤسساتها الرسمية، وهذا الأمر قد يسهّل عملية الاستمرار في الاستيطان وفرض الواقع على الأرض.

الخيار الثاني: الذهاب إلى مصالحة فلسطينية حقيقية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات رؤية شمولية للوضع الفلسطيني، وتغيير الإستراتيجيات المعتمِدة على التفاوض كخيار وحيد. وعليه، فقد يتطور الأمر إلى السماح بمواجهات مع الاحتلال دون تقييدها بالأعمال الشعبية، ولا يكون هدفها العودة الروتينية إلى طاولة المفاوضات.

وهذا الخيار يحتاج قبل ذلك توافقا فتحاوياً داخليا، حيث إن حركة فتح هي التي تقود السلطة الفلسطينية، ورئيسُها هو رئيس السلطة والمنظمة معاً، وهي التي تسيطر على الوضع الفلسطيني في الضفة الغربية.

الخيار الثالث: تنفيذ السلطة الفلسطينية تهديداتها بوقف التنسيق الأمني، والذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية، حيث إنها تمتلك الكثير من القضايا التي يمكن أن تضغط بها على إسرائيل.

ولكن هذا الخيار كسابقه يحتاج من السطلة إعداد خطة لمواجهة ردات الفعل الإسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق باسترداد أموال الضرائب، إضافة إلى الصمود أمام الدول التي رعت مسيرة التفاوض -خاصة الولايات المتحدة- وتضغط دائماً باتجاه واحد، ولم يعد هذا الخيار متاحاً اليوم مع تهديدات الإدارة الأميركية بالعقوبات.

الخيار الرابع: وهو خيار هدد به محمود عباس حينما قال: "تسليم مفاتيح الفندق"، وهذا يعني حل السلطة الفلسطينية وترك الشعب وجهاً لوجه مع سلطة الاحتلال، لتتحمل مسؤولياتها الإدارية والمالية كاحتلال عن السكان الذين يقعون تحت قبضتها.

والحقيقة المرة هي أن كل تهديدات السلطة فارغة تماماً من الجدية، ولا قدرة لها على تنفيذها، وفي مواقف سابقة حددت السلطة خياراتها في حال فشل عملية السلام، لكنها لم تنفذ أيا منها.

نهاية وهْم حل الدولتين سيعني بالضرورة نهاية شرعية وجود السلطة الفلسطينية بعد أن استنفدت المطلوب منها، لكن يبقى الشق الأمني (التنسيق الأمني) الذي ما زال ينتظر حلا له قبل الإعلان النهائي لنهاية السلطة القائمة به

والمثير حقاً أن السلطة الفلسطينية بدأت الحديث عن خيار الدولة الديمقراطية الواحدة لكل مواطنيها، أي أنها بدأت التعامل مع مرحلة موت حل الدولتين، والترويج لحل الدولة الواحدة.

لكن ما فاتها -قصداً أو سهواً- هو أن خيار الدولة الواحدة الذي تطرحه اليوم "إسرائيل" -ومن خلفها إدارة الرئيس ترمب- يختلف تماماً مع رؤية السلطة الفلسطينية، إذ يجري الحديث عن ضم ما بقي من أراضي عام 1967 ومنح سكانها "الهوية الزرقاء" بحيث لا يكونون مواطنين كاملي المواطنة في "إسرائيل"، وهو ما يبقيها "دولة يهودية"!

في عام 2012 نظّم مركز الشؤون الفلسطينية ندوتين في كل من القاهرة وعمّان لبحث مستقبل السلطة الفلسطينية، والبدائل المتاحة في حال قرر العالم أنها لم تعد مطلوبة.

وخلصت الندوتان إلى أنه لا بد من التفكير الجدي في حل السلطة والاستعداد له، حتى لا نفاجأ بانهيار السلطة وما يترتب عليه من كوارث بعد أن أصبحت المشغّل والموظف الوحيد للشعب الفلسطيني، وما يتبعها من سجلات وبيانات وشهادات وغيرها.

نهاية وهْم حل الدولتين سيعني بالضرورة نهاية شرعية وجود السلطة الفلسطينية بعد أن استنفدت المطلوب منها، لكن يبقى الشق الأمني (التنسيق الأمني) الذي ما زال ينتظر حلا له قبل الإعلان النهائي لنهاية السلطة القائمة به.

المطلوب اليوم ليس الاختلاف على ما سبق، بل مواجهة مستقبل بات أكثر قرباً من أي وقت مضى، سيجد فيه الفلسطينيون أنفسهم بلا مؤيد ولا داعم أمام هجمة تسعى لإنهاء القضية الفلسطينية بالكامل، وبأي شكل أو حلّ يراه الإسرائيليون والأميركيون، ومعهم عدد من الدول الإقليمية السائرة على نفس الدرب.

اختلطت الأوراق وسقطت رهانات عقود من الزمن باع فيها العالم وهْم الدولة الفلسطينية "القابلة للحياة" ضمن وهْم أكبر هو "حل الدولتين"، وبتنا اليوم بحاجة إلى مراجعة شاملة ليس للمرحلة السابقة بل للمرحلة القادمة وخياراتنا فيها.

المصدر : الجزيرة