عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

الأصل الأميركي لحل الدولتين
فشل حل الدولتين وبدائله

حل الدولتين لم يكن أبدا مطروحا فلسطينيا؛ فقد خلا الميثاق القومي الفلسطيني من هذه الفكرة، وكذلك كان الأمر بالنسبة للميثاق الوطني الفلسطيني الذي قضت عليه منظمة التحرير الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو بثلاث سنوات. حتى إن مجرد الجدل حوله لم يكن قائما، ولم يتبلور بوصفه فكرة فلسطينية إلا بعد انتفاضة عام 1987.

ربما سبق الدكتور صائب عريقات الناسَ عندما طرح -في نهاية رسالته للدكتوراه التي كانت حول النفط العربي- فكرة حل الدولتين، أي الاعتراف بإسرائيل وسماح إسرائيل بعد ذلك بإقامة دولة فلسطينية إلى جانبها.

قبل ذلك، جاء ذكر إقامة دولة فلسطينية في بعض القرارات الفلسطينية، وخاصة في "برنامج النقاط العشرة" الذي رفضته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخرجت على إثره من منظمة التحرير. إذ نص القرار على إقامة سلطة فلسطينية على أي شبر من فلسطين يتم تحريره، ولم يقل على أي شبر تسمح به إسرائيل.

أما في قرار مجلس الأمن رقم 242 فلم تتم الإشاراة إلى إقامة دولة فلسطينية، وإنما نص القرار على إقامة سلام بين إسرائيل ودول، دون ذكر منظمة التحرير الفسطينية. ورغم أن المنظمة بقيت خارج قرار مجلس الأمن فإنها وافقت على تسوية سياسية مع إسرائيل وفق هذا القرار.

وفي اتفاق أوسلو لم ترد عبارة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولم يذكرها الاتفاق على أنها من المواضيع المؤجلة للنقاش. ولم تطلب قيادة منظمة التحرير في مختلف الاتفاقيات المعقودة مع إسرائيل إقامة دولة فلسطينية في نهاية المفاوضات.

هناك كلام إعلامي كثير حول إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لكن لا توجد مطالبة فلسطينية في الاتفاقيات الموقعة. فضلا عن أن النظرية الأمنية الإسرائيلية تنص على أنه لا توجد دولة غربي نهر الأردن غير إسرائيل، وبقي هذا النص قائما رغم توقيع اتفاق أوسلو، ولم تطالب منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بإلغائه.

وبعد قيام السلطة الفلسطينية، رفضت إسرائيل كتابة عبارة "دولة فلسطين" على الهوية الفلسطينية التي بقيت تحمل الرقم الإسرائيلي، ورفضت كتابتها أيضا على جواز السفر الذي ظل يحمل الرقم الإسرائيلي. وافقت السلطة على ذلك، وما زالت بطاقات الهوية تصدر باسم السلطة رغم قبول فلسطين دولة مراقبة في الأمم المتحدة. لم يكن هناك إصرار من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على تصدير تعبير الدولة ما دامت إسرائيل تعترض.

الأصل الأميركي لحل الدولتين
أصل فكرة حل الدولتين أميركي، ولم يصدر عن مؤسسات أميركية رسمية إنما عن أكاديميين أميركيين مقربين من وزارة الخارجية الأميركية ومن الدوائر الأمنية الأميركية، عملوا على تسويق الفكرة لدى بعض الأكاديمييبن الفلسطينيين في الولايات المتحدة، مثل الدكتور إدوارد سعيدوالدكتور إبراهيم أبو لغد رحمهما الله. وتبعا لهذا التوجه الأكاديمي جرت اتصالات مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وإقناعها بالطرح، ولم يكن الإقناع بعد طول عناء.

جاء ذكر إقامة دولة فلسطينية في بعض القرارات الفلسطينية، وخاصة في "برنامج النقاط العشرة" الذي رفضته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخرجت على إثره من منظمة التحرير. إذ نص القرار على إقامة سلطة فلسطينية على أي شبر من فلسطين يتم تحريره، ولم يقل على أي شبر تسمح به إسرائيل

انتفاضة عام 1987 هي التي حفزت الأميركيين لطرح فكرة حل الدولتين لأن الانتفاضة وضعت إسرائيل وأميركا في موقف حرج أمام العالم. فقد تحرر العالم من الاستعمار والاحتلال ولم يبق سوى شعب فلسطين محتلا، وبدعم من أميركا التي تتحدث دوما عن الحرية وحقوق الشعوب في تقرير المصير.

وربما ظن الأميركيون حينها أن إسرائيل ستكون الخاسرة إذا استمر الاحتلال، فهذه هي خبرة العالم في أي صراع يدور بين الاحتلال والشعب الواقع تحته؛ إذ المتغطرس والقاهر للشعوب خاسر في النهاية مهما طال عمره. أي أن الفكرة طُرحت لتجنيب إسرائيل مرارة الهزيمة مستقبلا التي يمكن أن تكون قاضية على وجودها كدولة. ومن المؤكد أن الأميركيين أرادوا بطرح فكرة حل الدولتين التخلص من حق العودة للفلسطينيين الذي تنص عليه كل الشرائع الدولية.

للفلسطينيين ثابتان لا ثالث لهما وهما: حق العودة وحق تقرير المصير. وهناك نص أممي مائع حول حق العودة وهو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وقرار صادر أيضا عن الجمعية العامة بتأكيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. لم يستفد الفلسطينيون بعدُ من هذين القرارين، ويبدو في الواقع العملي أن فكرة حل الدولتين قد أحاطت بالثابتين الفلسطينييْن لتصبح هي الثابت الوحيد.

إذ لا توجد مطالبات فلسطينية بحق العودة مسنودة ببرامج عملية ميدانية، بل هناك فقط تصريحات إعلامية واهية حول هذا الحق، أما حق تقرير المصير فأصبح نسيا منسيا. وتمكن الأميركيون -عبر فكرة حل الدولتين- من توريط الفلسطينيين ووضع بعضهم في مواجهة بعض، وقتل الروح الوطنية والالتزام الوطني، وإحداث الشروخ والانقسامات والاقتتال بينهم.

فشل حل الدولتين وبدائله
لم يكن من المتوقع أن تنجح فكرة حل الدولتين لأنها طُرحت لأسباب خارجة عن ذاتها؛ فهذه الفكرة خارج الفكر الصهيوني وخارج الفكر العبري وخارج أهداف إسرائيل. لكن كان من المتوقع -كما قال رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحق شامير- أن يُتلاعب بالأمر لغاية كسب الوقت. والوقت الذي عناه شامير هو الماثل أمامنا الآن والذي أتاح فرصة التمدد الاستيطاني والإسراع في تهويد الضفة الغربية.

فهل كان الفلسطينيون في غفلة من أمرهم ولم يدركوا الأهداف الإسرائيلية؟ لا أظن أنهم كانوا كذلك خاصة أن المفاوضات مستمرة منذ عام 1991 دون أن ينجزوا شيئا من الحقوق الوطنية الثابتة للشعب. وتصرف قيادة الشعب الفلسطيني كان أشبه ما يكون بمقولة "الكفر عناد"، وسيستمرون في ذلك. سيستمرون في الرهان على الدور الأميركي بعكس الشعب الفلسطيني.

من يعرف إسرائيل وفكرها ومراميها وأساليبها العنصرية والإرهابية لا يمكن أن يثق بأنها ستسمح بإقامة دولة فلسطينية في جوارها. وإذا سمحت فإنها ستشكلها بالطريقة التي تراها مناسبة لها، أي سيكون اسمها دولة فلسطين الصهيونية. لكن مشكلة القيادة الفلسطينية أنها متفردة مثل أغلب الحكام العرب، واستبدادية ولا تسمع من خبراء أو مثقفين أو أكاديميين. إنها مشكلة "أبو العريف" القائد الذي يعرف كل شيء وأرسله الله نعمة لشعبه.

حتى الآن، انقضت أربع وعشرون سنة من عمر الشعب الفلسطيني بالكثير من الورطات والمحن والمآزق، والقيادة لا تعترف ولا تعتزل رغم عدم شرعيتها الفلسطينية. القيادة الفلسطينية خاوية ولا تملك سوى ضعفها ومصالح الذين يحتلونها، ولهذا ستستمر في الرهان على قوى خارجية.

هناك عدة بدائل لحل الدولتين يمكن وزنها ومناقشتها على أوسع نطاق على الساحتين الفلسطينية والعربية، أذكر منها:

1- الحل السلمي: لا ينجح حل سلمي إذا كان تفاوضيا بين قوي وضعيف. القوي يهيمن على طاولة المفاوضات، ولن تكون المفاوضات حقيقية بل ستصبح مجرد محادثات يستمع فيها القوي للضعيف ليرى ماذا الذي يمكنه أن يجود به عليه. المفاوضات التي يجريها الفلسطينيون منذ سنوات ليست إلا مجرد محادثات، وبقيت الطاولة ملكا للإسرائيليين وظلوا هم أصحاب القرار.

لا يمكن لأي مفاوضات بين طرفين متصارعين أن تنجح إلا إذا كان كل طرف يملك أوراقا يسند ظهره بها على الطاولة وفي المحافل الدولية. ذهب الفلسطينيون إلى مدريد ومن ثم إلى أوسلو وهم في أضعف حالاتهم، وانعكس هذا الضعف على النتائج.

كان من المفروض أن يؤهل الفلسطينيون أنفسهم أولا قبل الدخول في مفاوضات عبثية، ولا يتم التأهيل إلا من خلال مراكمة القوة. ودائما يقول المعترضون إن مراكمة القوة تأخذ وقتا طويلا. لكنها مهما أخذت من الوقت فإنها تبقى أقصر بكثير من الوقت الذي تستهلكه مفاوضات عبثية؛ فخلال سنوات المحادثات، سلّحت غزة نفسها وتمكنت من صد ثلاث حروب متتالية، بينما لم يستطع المفاوضون إنجاز كتابة كلمة دولة على وثائقهم.

من يعرف إسرائيل وفكرها ومراميها وأساليبها العنصرية والإرهابية لا يمكن أن يثق بأنها ستسمح بإقامة دولة فلسطينية في جوارها. وإذا سمحت فإنها ستشكلها بالطريقة التي تراها مناسبة لها، أي سيكون اسمها دولة فلسطين الصهيونية. لكن مشكلة القيادة الفلسطينية أنها متفردة مثل أغلب الحكام العرب

إذا شاء الفلسطينيون أن يبحثوا عن حل سلمي لقضيتهم فأمامهم أن يصنعوا التالي:

أ- إعادة بناء المجتمع الفلسطيني اجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا وفكريا وتعليميا، لكي يكونوا مجتمعا متماسكا على درجة عالية من السمو الأخلاقي.

ب- إعادة ترتيب أوضاعهم الاقتصادية ليقللوا اعتمادهم المالي والاقتصادي على الآخرين، وليحرروا إرادتهم السياسية من سيطرة الممولين.

ج- إعادة بناء المنظومة القيمية الوطنية التي أفسدها اتفاق أوسلو وملحقاته.

د- إعداد ميثاق وطني فلسطيني متناسب مع الظروف والتطلعات الفلسطينية، ويشتمل على المبادئ والأسس التي ينطلق منها الفلسطينيون في صراعهم من أجل الحرية، وعلى الأهداف المرجو تحقيقها والوسائل والأساليب التي يتم اتباعها.

هـ- الانطلاق نحو التخلص من المقيدات الإسرائيلية. إذ يجب تمكين الاقتصاد الفلسطيني بالتوقف عن شراء البضائع الإسرائيلية، والتخلص من الهوية الخضراء الإسرائيلية، والتمرد على مختلف الأوامر العسكرية الإسرائيلية، ومن ثم تشكيل لجان وطنية في مختلف القرى والمدن لإدارة شؤون السكان اليومية إذا ما عطلت إسرائيل الحياة الاعتيادية، وأيضا الانتشار السكاني على امتداد الضفة الغربية، وإحداث تغييرات جوهرية في العادات الاستهلاكية والاجتماعية... إلخ.

والمقصود أن هذه النقاط وغيرها تعيد تأهيل الشعب الفلسطيني ليكون جاهزا لامتصاص الضربات والإجراءات الإسرائيلية المضادة.

2- حق العودة: فهو بديل لحل الدولتين لأنه حق قوي لا يستطيع أحد في العالم أن يرفضه أو ينفيه أو يتجاوزه. وهو مكفول بالشرائع الدولية وبميثاق الأمم المتحدة الخاص بحقوق الشعوب الأصلية.

لقد شغل العالمُ الفلسطينيين بحل الدولتين أكثر من عشرين عاما، ومن المفروض أن يطور الفلسطينيون برامج لترويج حق العودة على المستوى العالمي، ولجعله موضوعا أساسيا في أعمال المحافل الدولية المختلفة. ومن المفروض أن يجعلوه مادة دسمة لإقناع الشعوب في قارات الأرض بعدوانية إسرائيل واحتقارها لحقوق الإنسان.

إن إسرائيل لن تتمكن من حصار طرح حق العودة، بل العكس هو الصحيح؛ فهذا الحق سيحاصر إسرائيل ويكشف وجهها الإجرامي الهمجي أمام شعوب العالم ووجوه مناصريها. إنه بديل قوي لحل الدولتين ويتفوق عليه.

3- بديل المقاومة: إسرائيل دولة إرهابية قامت على البغي والعدوان والظلم، ولا أرى أن هناك إمكانية لأن تكون مسالمة وتصغي للغة العقل. إسرائيل لا تفهم إلا اللغة التي قامت بها والتي تبقيها على قيد الحياة، وهي لغة القوة. وأمام القوة لا تجد إسرائيل مجالا سوى الخضوع، وأكبر دليل على ذلك صفقات تبادل الأسرى.

ولهذا من المفروض البحث في مسألة المقاومة، وليس ضروريا أن تكون على حساب العمل السياسي. من المفروض ألا يغيب الفلسطينيون عن الساحة الدولية، ويجب أن يكونوا حاضرين في مختلف محافلها، لكن ليس على حساب المقاومة التي هي المصدر الأول للقوة الفلسطينية. وأمامنا نموذجان يمكن الإفادة منهما:

استطاعت المقاومتان الفلسطينية واللبنانية الصمود أمام الجيش الإسرائيلي وإفشال مخططاته. والمفروض تعميق تجربة المقاومة العربية وتعزيزها وتمكينها بالمال والسلاح، وعندها ستدرك إسرائيل أن عليها أن تقبل التسليم بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني

أ- نموذج العمليات الاستشهادية: فقد عاشت إسرائيل أيام رعب وخوف وظلام عندما احتدمت العمليات الاستشهادية، وطفق الصهاينة يبحثون عن ملاجئ خارج فلسطين. لقد هرب العديد من الإسرائيليين من فلسطين باحثين عن الأمن دون أن ينظروا خلفهم. ومثلما يقض الصهاينة مضاجع العرب والفلسطينيين ويسلبونهم الأمن والسلام فإن على الفلسطينيين أن يردوا بالمثل.

كادت العمليات الاستشهادية أن تقصم ظهر إسرائيل فأخذت تستنجد، وهب العالم المساند لها فعقد مؤتمرا في شرم الشيخ للتداول حول كيفية محاصرة الاستشهاديين. لكن مشكلة النفَس القصير أنقذت إسرائيل وجعلتها "تتنمرد" من جديد. بعضنا يظن أن فلسطين يمكن أن تتحرر خلال سنتين، ولا يعطي نفسه المدى الزمني لكي تختمر الإنجازات، فيتعجل الأمور وتضيع تضحيات الشباب هباء.

ب- نموذج المقاومة المسلحة: إسرائيل يرعبها الحجر.. فكيف يصنع بها السلاح الناري؟ أمامنا نموذج المقاومة الفلسطينية في غزة ومقاومة حزب الله في الجنوب اللبناني. إسرائيل مرعوبة الآن من حزب الله، وإلى حد ما من حماس والجهاد الإسلامي. والسبب هو أن المقاومتين اللبنانية والفلسطينية أتقنتا العمل المقاوم، وقدمتا نموذجا علميا مهنيا مختلفا تماما عن منظمة التحرير.

استطاعت المقاومتان الصمود أمام الجيش الإسرائيلي وإفشال مخططاته. والمفروض تعميق تجربة المقاومة العربية وتعزيزها وتمكينها بالمال والسلاح، وعندها ستدرك إسرائيل أن عليها أن تقبل التسليم بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.

إسرائيل تنحني أمام القوة، وهي وأميركا لا تؤمنان إلا بالقوة، وعلاقاتهما الخارجية لا تقوم إلا على نظرية القوة. نموذج المقاومة ناجح في إفشال إسرائيل، وهو بالتأكيد سيدحرها مستقبلا إذا وجدت المقاومة الرعاية المناسبة.

ولو وُظّفت الأموال التي حصلت عليها سلطة رام الله على مدى السنوات في دعم المقاومة الفلسطينية بغزة لما رأينا الهجمات الاستيطانية، ولما خبرنا هذه الغطرسة الإسرائيلية المجنونة. لقد غيرت المقاومة بعض ميزان القوى، وإذا قرر الفلسطينيون الالتفاف حول مقاومتهم فإنهم سيختصرون وقت معاناتهم بشكل كبير.

المصدر : الجزيرة