ساري عرابي

ساري عرابي

ساري عرابي

اقتراب وتنافر
المعضلات الكبرى
تداخل الذاتي بالموضوعي
نظرة من أعلى

في الرابع عشر من ديسمبر/كانون أول الجاري؛ أحيت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الذكرى الثلاثين لانطلاقتها، وإذا كانت حماس تُمثل أحد طرفي الحركة الوطنية اللذين استحوذا على الساحة الوطنية الفلسطينية، فإن حركة فتح -الطرف الآخر- وفي الذكرى الثلاثين لانطلاقتها؛ كانت قد بدأت تتحول إلى حزب للسلطة الفلسطينية، بعد توقيع قيادتها على اتفاقية أوسلو، واعترافها بـ "إسرائيل".

فأين تقف حماس اليوم، وهل ثمة تشابه في مسارات الحركتين؟

اقتراب وتنافر
من نافلة القول إن حماس وحين انطلاقتها، وفيما مثلته في حينه، من تحول لدى الحركة الإسلامية الفلسطينية التقليدية (الإخوان المسلمون الفلسطينيون) في موقعها من الصراع مع الاحتلال وأدواته وطبيعة دورها إزاءه؛ قد كانت استجابة لجملة تحديات ذاتية وموضوعية.

من تلك التحديات، التفاعلات الداخلية في الجماعة في أماكن وجودها المتعددة في غزة والضفة الغربية والشتات، والاستفزاز الإيجابي الذي شكلته المجموعات الأولى لحركة الجهاد الإسلامي، والتدافع مع قوى الحركة الوطنية الأخرى وفي طليعتها فتح، ودافع المسؤولية للتصدي للانهيار في الحركة الوطنية الذي قادته فتح باندفاعها نحو أطروحات التسوية السياسية في حينه.

يمكن القول إن حماس تأسست وأمامها ثلاث معضلات كبرى هي انتزاع حق الوجود من منظمة التحرير بقيادة فتح، والتعامل مع المعطيات التي أوجدتها سياسات الأخيرة، وتجاوز التردي العربي والعقبات التي طالما انتصبت جراء ذلك في وجه كفاح الفلسطينيين

التقت الحركتان، في ميدان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، من موقعين قياديين منفصلين أنذرا بالتنافس المبكر على تمثيل الفلسطينيين، وهو أمر بالغ الحساسية تاريخيا لدى فتح. قادت فتح القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، وأصرت حماس على الانفصال بفعاليات نضالية خاصة بها، وكذا فعلت حركة الجهاد الإسلامي، مع دعوات من الأخيرة لتأسيس قيادة إسلامية موحدة للانتفاضة.

أفضى ذلك في العديد من المواقع إلى صدامات محدودة بين حماس وفتح، بعضها كان داخل سجون الاحتلال، فقد اجتهدت فصائل منظمة التحرير، ومنذ أواسط سبعينيات القرن الماضي في منع الإسلاميين الفلسطينيين من الاستقلال في هيئات تنظيمية خاصة بهم داخل السجون، كما هو حال فصائل المنظمة، واستمر هذا الموقف حتى بدايات الانتفاضة الأولى، إلا أن الصدام الجدي، المؤسس على اختلاف البرامج، وهيمنة مسألة التمثيل على الوعي الفتحاوي، قد بدأ فعليا مع قيام السلطة الوطنية.

المؤكد أن مسار الحركتين لم يكن دائما بهذا التباين، فقد انطبعت علاقاتهما بقدر من التداخل والالتباس، ففي حين خرجت المجموعة المركزية الأولى المؤسسة لحركة فتح من الإخوان المسلمين في غزة، وظلت الجماعة في غزة تنظر إليها بقدر كبير من التحفظ والحساسية والرفض والنفور، فإن الجماعات الإخوانية الأخرى في البلاد العربية نظرت إلى فتح على أنها منها، أو أقرب الفصائل الفلسطينية إليها.

تجلت هذه النظرة الإيجابية بمساهمة الإخوان المسلمين في الثورة الفلسطينية أثناء مرحلتها الأردنية بالاحتماء بمظلة فتح، عَبْر ما سُميَ حينها بـ "معسكرات الشيوخ"، إلا أن المسافة اتسعت بين الطرفين بعد أحداث سبتمبر/أيلول والانتقال إلى لبنان.

في لبنان هيمن اليسار الفتحاوي على الحركة لفترة طويلة من المرحلة اللبنانية، وفي حين كانت بعض اتجاهات هذا التيار تتحول نحو الإسلام السياسي، وتتعاون لاحقا مع حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، فقد غلبت الحساسية على علاقة حماس وفتح ببعضهما داخل الأرض المحتلة.

بعد هذا التاريخ من التداخل والتنافر، هل نجحت حماس في التصدي لحالة الانهيار التي قادتها حركة فتح؟

المعضلات الكبرى
يمكن القول إن حماس تأسست وأمامها ثلاث معضلات كبرى؛ الأولى انتزاع حق الوجود من منظمة التحرير التي تقودها فتح، والتعامل مع المعطيات التي أوجدتها سياسات الأخيرة بقيادتها الطويلة للحركة الوطنية الفلسطينية بتفاعلاتها مع الإقليم وظروف الصراع، وتجاوز التردي العربي والعقبات التي طالما انتصبت جراء ذلك في وجه كفاح الفلسطينيين.

كان على حماس، أن تستفيد من تجربة فتح، وفي الوقت نفسه أن تتخطى محاولات الإقصاء الفتحاوي، ومع أن حماس قد تمكنت بالفعل من تعظيم ذاتها، والتحول إلى طرف ينازع فتح قيادة الفلسطينيين، إلا أن فتح ظلت عقبة في وجهها من ناحيتين، الأولى نزعة الإقصاء التي وسمت تعامل فتح مع حماس حتى اليوم، والثانية الوقائع التي ساهمت فتح في صناعتها ووجدت حماس نفسها غير قادرة على التغيير الجذري فيها.

حين الحديث عن الناحية الثانية من العقبة الفتحاوية، فإن حماس، ورغم رفضها الاعتراف بـ "إسرائيل"، قدمت في مرات عديدة، وبصيغ متنوعة، أطروحات تتبنى بشكل أو بآخر فكرة الحل المرحلي، وهي الفكرة التي عبرت عن نفسها في أكثر حالاتها إشكالا والتباسا وإرباكا في وثيقتها السياسية الأخيرة.

حولت حماس في الوثيقة الموقف الإجرائي من المقترحات المتعلقة بحل الدولتين، إلى مبدأ سياسي، ضمن جملة تأكيدات ترفض الاعتراف بـ "إسرائيل" وتعد منعدما كل ما صدر أو تحقق في الواقع مما مكن من قيام "إسرائيل"، وهو ما جعل الوثيقة مرتبكة، وتفتقر إلى الانسجام من هذه الناحية.

تعاظمت قوة حماس في غزة بالاستفادة من أربعة عوامل، انتفاضة الأقصى، وانسحاب الاحتلال من مستوطنات غزة، وفوز الحركة بالانتخابات التشريعية وتشكيلها حكومة وبالتالي اكتسابها شرعية تمثيلية، وما سمته حماس بالحسم العسكري

بيد أن الوثيقة وإن أشارت في نصها على أن الدولة ثمرة التحرير، فإن إدخال فكرة حل الدولتين ضمن أطروحة وفي صورة المبدأ السياسي، يجعل ذلك النص أقرب للقناع الخطابي. المشكلة أن هذه الأطروحة جاءت في وقت كان قد تأكد فيه أن حل الدولتين بات مستحيلا، وهو ما لم يعد أصحاب المشروع الأصليون قادرين على إنكاره بعد إعلان الرئيس الأمريكي دولاند ترمب اعتراف بلاده بالقدس عاصمة لـ "إسرائيل" وتوقيعه قرار نقل سفارة بلاده إليها من "تل أبيب".

لا تتسع هذه المقالة لبيان رأيها في إشكالية مبادرة حركة تحرر وطني أو حركة مقاومة لتقديم أطروحة تأسيسية من هذا النوع، لكن المراد قوله إنها -أي الأطروحة المشار إليها- تُعبر في النتيجة عن تردد الحركة بين خطابها التأسيسي ومبررات وجودها وبين نزعتها البرغماتية التي جرتها في بعض خياراتها إلى المعطيات التي أوجدتها فتح، مثل دخول الحركة في السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو ما دفع صراع التمثيل إلى الاصطدام المسلح ثم انحصار فاعلية الحركة في قطاع غزة.

رغم ذلك استمرت حماس تقاوم منذ تأسيسها، معاندة الظروف القاهرة التي فرضتها عليها السلطة بعد قيامها، وضخت صفها الأول في الانتفاضة الثانية، وبنت على الانتفاضة الثانية قوة عسكرية في قطاع غزة، تحولت بمرور الوقت إلى قاعدة للمقاومة، خاضت حروبا عدة، وأسرت جنودا للعدو وقادت صفقات تبادل أسرى غير مسبوقة في الصراع، وقدمت كيانا ناجزا ينهض في مواجهة عمليات التدجين وتحوير الأجندة الوطنية التي مارستها السلطة بالضفة.

نجح صمود حماس في خلق توازن وطني يعوض نسبيا عن تجريف الحالة الوطنية بالضفة، وينتصب رافعة وطنية في ظل طمس التعبئة الوطنية بالضفة، إلا أن ثمة وجها آخر لذلك.

تداخل الذاتي بالموضوعي
تعاظمت قوة حماس في غزة بالاستفادة من أربعة عوامل، انتفاضة الأقصى، وانسحاب الاحتلال من مستوطنات غزة، وفوز الحركة بالانتخابات التشريعية وتشكيلها حكومة وبالتالي اكتسابها شرعية تمثيلية، وما سمته حماس بالحسم العسكري.

هذه العوامل اشتغلت بطريقة مختلفة في الضفة، فقد أعاد الاحتلال اجتياح الضفة، وتعزز التنسيق الأمني بين الاحتلال والسلطة بعد الحسم العسكري، وأفضى ذلك لا إلى تفكيك بنى حماس التنظيمية وإقصائها تماما عن المجال العام وحرمانها من منابرها التقليدية فحسب، بل إلى تجريف الحالة الوطنية والتعبوية في الضفة عموما، وتأميم منصات تقليدية للنضال وتهشيم قواها الفاعلة كالحركة الطلابية.

انتهى ذلك إلى حالة اختلال التوازن النسبي في حماس بين أقاليمها الجغرافية، ومع أن الضفة ساحة النضال المركزية المفترضة فإن الحركة لم تستطع أن تقوم بها من بعد انتهاء انتفاضة الأقصى ثم الحسم العسكري، وانصب تفكير الحركة ومواردها على تعزيز مشروعها في قطع غزة، ومحاولات رفع الحصار.

وبما أن قوام الحركة التنظيمي مؤسس من عقد من الزمان، على تقسيم هيكلي وإداري بين ثلاثة أقاليم هي الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج، فإن اختلال التوازن سيتضاعف، لاسيما مع الأحداث الكبرى، ففي حين خاضت الحركة الحروب في غزة لم يكن بمقدورها في الضفة إسنادها عسكريا أو شعبيا، مما أخذ يكرس بالتدريج سوء فهم، وغيابا للتصور الدقيق، عن الأوضاع المتباينة بين المواقع الجغرافية المختلفة.

جانب من هذه المشكلة اجترحه الاحتلال، أي فصل الفلسطينيين عن بعضهم، وخلق ظروف متباينة بين أماكن وجودهم داخل فلسطين، وهو ما يفرض على أي حركة تحرر وطني التنبه لمخاطر المحاصصة المناطقية، أو التشكل على أساس الظروف الاستعمارية، والغفلة عن ذلك لا تؤثر على التوازن فحسب، بل على التكامل أيضا.

حماس لم تزل ضرورة كبرى في الحالة الفلسطينية القائمة، لكن ثمة تشابهات تجمعها بظروف منظمة التحرير قبل مؤتمر مدريد، فالحركة تضخمت، وبرزت فيها ظواهر "الاستزلام" ومراكز النفوذ، وتتعرض لحصار خانق في غزة، مع تضييق مالي ثقيل

مع هذه الوقائع على الأرض، وتطاول الزمن على قيادة الحركة السابقة، وخروج أسرى محررين، وتراجع مكانة إقليم الخارج في الحركة، بعد التحولات التي عاكست أماني الحركة في الثورات العربية.. صعدت قيادة جديدة للحركة، رافق هذا الصعود ما ينم عن اختلال التوازن الداخلي.

لقد برزت إلى العلن تعبيرات عن خلافات حول لقاء قائد حماس الجديد في غزة يحيى السنوار بالقيادي المفصول من فتح محمد دحلان، وأبدت قيادة إقليم الخارج حرصا على إبراز نفسها على نحو غير معتاد في سلوك الحركة من قبل، كالإعلان عن محضر اجتماع خاص بها، أو الإعلان باسمها عن تفاصيل متعلقة باغتيال المهندس التونسي محمد الزواري العامل في صفوف كتائب القسام، وخلا وفد حوارات القاهرة المنعقدة في 21-22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من قيادي من الخارج، وغير ذلك.

يتصل بذلك أزمة حماس المالية الطاحنة، غير المنفكة عن أحداث الإقليم وتحولاته، وخيارات سياسية للحركة كانت قد نأت بها عن إيران من قبل، وامتناع بعض أصدقاء الحركة من بعض الدول -أخيرا- عن دفع ما كانوا يقدمونه لها سابقا، لأسباب تختلط فيها اختيارات للحركة بظروف إقليمية خاصة في الخليج، قاد ذلك إلى عودة علاقات الحركة بإيران، لاحتياجات متبادلة، منها احتياج الحركة المالي، وهو جانب من الأمر لا الأمر كله.

نظرة من أعلى
ظلت حماس صامدة، رغم بعض اختياراتها التي غلبت فيها الوقائع ونزعة الحركة البرغماتية وأدخلت الحركة في أزمات شديدة التعقيد.

بهذا يمكن القول إن حماس لم تزل ضرورة كبرى في الحالة الفلسطينية القائمة، لكن ثمة تشابهات تجمعها بظروف منظمة التحرير قبل مؤتمر مدريد، فالحركة تضخمت، وبرزت فيها ظواهر "الاستزلام" ومراكز النفوذ، وتتعرض لحصار خانق في غزة، مع تضييق مالي ثقيل، وفي أجواء الحديث عن صفقة سياسية، وانفتاح مصري غير مفهوم عليها، وانكشاف حالة عدوانية شرسة في بعض الدول العربية لا تستهدف الحركة فحسب بل القضية الفلسطينية برمتها، وهو ما يدفع البعض للظن أن الحركة تُستدرج لمسارات مشابهة.

في مواجهة ذلك كله، ثمة ما هو ممكن، ابتداء من إعادة النظر في الأوضاع الداخلية، تنظيميا ومؤسسيا، وإعادة الاعتبار لأولويات التكامل، واستنهاض الضفة وحشد الشتات وإسناد غزة، وتعزيز القيم الثورية والنضالية الحقيقة بحركة مثل حماس، والانفتاح على الجماهير وترميم الخسائر التي نجمت عن الحسم العسكري والممارسة الحكومية في غزة، والارتكاز إلى تحالفات إقليمية أكثر صلابة، وعلى ضوء قراءة أكثر دقة للفاعلين الإقليميين.

المصدر : الجزيرة