عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميزوري

التمس الدكتور ربيع عبد العاطي، الخبير الصحفي بالدولة السودانية، من المحللين لزيارة الرئيس عمر البشير لروسيا في 23 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم أن يخضعوها لـ"قراءة عميقة" لا قراءة سريعة فتفسد مغازيها.

ورغم ذلك لم يتحقق لربيع مقصوده من المحللين الذين تنالوا تلك الزيارة، مع أنه ربما دعا بتلك الدعوة جزافا. فمتى قرأت ما جاء عند المحللين بدت لكم مآربهم السياسية أو الإيديولوجية جلياً من وراء كتاباتهم. فهي عند المعارضين تخليط آخر تعودوه من البشير وظلوا يأخذونه عليه خلال نحو 30 سنة من حكمه بلا ملل. وهي عند كاتب عربي مثل الأستاذ عبد الباري عطوان "توبة" عن خطيئة تفرح لها السماء وعرب الأرض.

اتفق محللو معارضة البشير مع عطوان في أن زيارة البشير لروسيا ردة عن سياسات سابقة، خرج بها من معسكر أميركا والسعودية والإمارات إلى معسكر روسيا وإيران وسوريا. ووصفها عطوان بأنها "الانقلاب الثاني" للبشير بعد انقلابه الذي جاء به للحكم في 1989. وقوله بـ"الثاني" غير دقيق. فالبشير في "انقلابات" مستمرة، والدلائل على هذه الردة السياسية عن تخليط، في قول المعارضين، أو عن هداية، في قول غيرهم، أن البشير ربط مآسي العرب جمعاء بأميركا، وقال ببطلان الحرب مع إيران، وبأن لا سلام في سوريا دون بقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم.

ورأى المعارضون للبشير في ترحله من حلف إلى حلف "تكسبا" بالسياسة احترفه وألجأه إليه الخراب الاقتصادي الذي انتهى إليه السودان على يديه. أما عطوان، بمعيار الصحة أو المصلحة الفلسطينية؛ فرأى في الردة "عودة وعي" إلى سكة الحق. والحق هنا حلف روسيا وإيران. ووصف هذه العودة بأنها مما يليق به وبالسودان دولة "اللاءات الثلاث" (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض). وبالطبع لم يسعد المعارضون بعطوان رغم انطباق تحليلهم مع تحليله لأنه رأى في البشير المرتد فالاً حسناً بينما هم سيئو الظن به كثيرا وطويلا.

مما يغيب في تفسير سياسات البشير، أنه نظام جرى تصميمه في 1989 لعالم الحرب الباردة التي وضعت أوزارها في نهاية 1990 بتحلل الاتحاد السوفياتي. ولن تحجب إسلاميته المعلنة بجسارة عنا حقيقة أنه مولود شرعي لعالم القطبين؛ فإسلاميته نفسها اجتهاد محكوم بحقائق ذلك العالم وتصاريفه

مما يغيب في تفسير سياسات البشير، التي تبدو كـ"تكفف" للمال والعون من العالمين، أنه نظام جرى تصميمه في 1989 لعالم الحرب الباردة التي وضعت أوزارها في نهاية 1990 بتحلل الاتحاد السوفياتي. ولن تحجب إسلاميته المعلنة بجسارة عنا حقيقة أنه مولود شرعي لعالم القطبين؛ فإسلاميته نفسها اجتهاد محكوم بحقائق ذلك العالم وتصاريفه.

وبلغ نظام البشير من انكشاف الظهر في عالم القطبية الواحدة حد ترحيبه بانقلاب أغسطس/آب 1991 الذي أراد به سوفياتيون مستميتون إزالة ميخائيل غورباتشوف المُصفي القانوني للاتحاد السوفيتي.

كان ساسة الحكم في العالم الثالث قاطبة استسهلوا تبعة الحكم في بيئة الحرب الباردة لأن انتماءهم لهذا المعسكر آو ذاك (والترحل بينهما في الوقت المناسب) قد أعفاهم من شاغل الحكم كمساءلة أمام شعوبهم. فسيتولى القطب من الحرب الباردة الذي انتمى إليه حاكم ما إسعاف ميزانية الواحد منهم وتغطية حرجه السياسي متى ظلم أهل بلده.

وعاشت الإنقاذ طريدة عالم القطبية الواحدة؛ ولا أدل على ذلك من أن رئيسها هو الرئيس الوحيد الحاكم المطلوب حاليا للمحكمة الجنائية الدولية منذ 2009. وتمرست الإنقاذ في العيش "كذئب فارد" في بيداء عالم القطبية الواحدة. وللتعويض عن هذه الوحشة نجحت في استصحاب القوى الأصاغر، كل في زمانه وما حَمَل، لتنفيذ مشروعات كبيرة في التسليح وصناعة البترول مثل العراق والصين وماليزيا وتركيا وكندا وروسيا وإيران والسعودية وقطر والإمارات. فـ"تَكَففُ" الإنقاذ العالمين ليس خيبة سياسية كما يرى خصومها بل هي مهنتها في عالم القطبية الواحدة الذي تربص بها من زاوية بؤس إدارتها للمسألة القومية والدينية في السودان.

ربما تأخرت زيارة البشير لروسيا طويلا؛ وعلى أن روسيا لم تعد تلك الدولة الإيديولوجية المانحة المانعة إلا أنها -كدولة قومية جريحة- سندت البشير ما وسعها. فهو عندها الرئيس الشرعي. فسيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا، كرر من قريب أنهم ناشدوا المجتمع الدولي أن يتعامل مع السودان بالقسط منذ اتهام محكمة الجنايات الدولة له بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور في 2009.

اهتدوا في ذلك بقوله بالأعراف الدولية القاضية باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
ونسقت روسيا مع الصين -وكلاهما متهم بتزويد السودان بالسلاح خرقا للحظر المفروض عليه من الأمم المتحدة- في المنظمات الدولية، بما فيها لجنة حقوق الإنسان بجنيف، لتلطيف الإدانات التي تكاثرت على نظام الإنقاذ. ولذا عاد البشير إلى هذا التاريخ بدقة في زيارته هذه حين طلب باستمرار دعم روسيا للسودان في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.

وتعاملت روسيا مع الإنقاذ بصورة طبيعية. فمشتريات السودان من السلاح الروسي بلغت 21 مليون دولار، بل وكرمت روسيا البشير قبيل سفره إليها بمده بمقاتلة من الجيل الرابع للسوخوي 35 لم يحصل بلد عربي عليها بعد، كما تعاقد البلدان على بناء محطة نووية لتوليد الكهرباء. وكان بين وفد الرئيس لروسيا الدكتور عوض الجاز ليتباحث مع الروس حول إعفاء ديونهم أو تخفيف صور سدادها.

وكان الجاز قد نجح في الحصول على إعفاءات للديون من الصين من قبل. وفوق ذلك كله دخول روسيا كمستثمر في التنقيب عن الذهب واستخراجه. وكانت عائدات تصدير الذهب السوداني فاقت المليار دولار في 2014. وهي خط الدفاع الثاني للإنقاذ لاستحصال العملة الأجنبية بعد ما خسرت أكثر بترولها لدولة جنوب السودان.

ولم تنجح أميركا، التي منعت شركاتها من التعامل مع السودان منذ 1997، في حصار السودان حين سعت لحمل مجلس الأمن ليقرر منع تصدير الذهب السوداني. ولم تجد مناصرا لها فاعتذرت وانسحبت عن مشروع قرارها. وليس بغير دلالة عما بين روسيا والسودان من علائق إعلان روسيا تصدير مليون طن من الحبوب للسودان في وقت كانت صفوف الخبز قد انتظمت في بعض مدن السودان.

ربما فارقنا السداد إذا نظرنا إلى زيارة البشير إلى روسيا كطبعة أخيرة لـ"تخبط نظامه وضعف مقدراته السياسية" كما يرى البعض، فهذه التحولات الموصوفة بالارتجال هي "عدة الشغل" لرئيس دولة جاءت في أصيل الحرب الباردة لا كفيل معتمداً لها ولا تريد أن تخضع نفسها لمساءلة شعبها.

متى طلبنا تحليلاً للزيارة وخطابها ومغازيها في حد ذاتها وقفنا على عوالم الحرب الباردة التي صنعت نظام الإنقاذ وغير الإنقاذ، وحكمت عليهم بالتشرد حين وضعت أوزارها. فالحرب الباردة لم تكن مجرد توازن للقوى بين قطبيها فحسب، بل عملية تحلل وتشويه وفظاظة طبعت بناء الدولة-الأمة في دول العالم الثالث

ومما يحسب للبشير، وقد طال به الحكم في صقيع ما بعد الحرب الباردة، أنه أتقن فن "التكفف"، ولم يخل "تكففه" من مبدئية ما. فلم ينسق مثلاً إلى أي من أطراف نزاع الخليج الأخير على حساب الطرف الخصم برغم تكهن خصومه أنه سيقلب لقطر ظهر المجن. وأتقن "التشرد" في شارع ما بعد الحرب الباردة وصار ممن يسمونه في الإنجليزية street smart وهي ذاتها "حدق" عند المصريين.

سنضرب في التيه لو نسبنا تحول البشير الموصوف في روسيا بأنه انقلاب قومي وطني كما ذهب إلى ذلك عطوان. فليس بوسع البشير اجتراح مثل هذه المأثرة في خريف نظامه. فقد فات زمان هذه الأريحية السياسية المبدئية.

لم يأت البشير في روسيا بما لم يأت به من توافدوا على رئيسها بوتين في مشتاه في سوشي مؤخراً من قادة العرب والمسلمين. ولا مجال للمزايدة عليه إلا كبرا؛ فجنوده يقاتلون في الصفوف الأمامية في الحلف السعودي الإماراتي مهما كان رأي سائر السودانيين في ذلك. ولم يتورع عن فتح بلاده لضحايا الحرب السورية من لاجئين وسط استنكار قطاعات كبيرة من السودانيين.

ولكنه ربما "زودها حبتين" في دعوته لروسيا لحماية السودان، وعرضه منحها قواعد بالبحر الأحمر. ولكن كان السياق مغر ليلقي البشير القول على عواهنه وليكن ما يكن. فهو يجلس لأول مرة كتفا بكتف مع رئيس دولة شبه عظمى بينما رفض الرئيس ترمب وجوده في قمة ليست ببلده في الرياض لرؤساء الدول الإسلامية. واضطر ليبعث بمدير مكتبه طه أحمد الحسين لتظهر صورته يصافح ترمب ورئيسه على مقطع بحر.

بل لم يتحنن نائب وزير الخارجية الأميركي جون سلوفان في زيارته الأخيرة بلقائه، بينما حمل مسودة فرمانه الأميركي بإصلاح قانوني سوداني في السماحة الدينية وحرية اللبس والحقوق المدنية ليعرضها على علماء الدين في مسجد الشهيد بالخرطوم، وهو الإصلاح الذي نشف ريق خيرة السودانيين يزكونه للبشير وهو عنه صارف. وصح السؤال: من بوسعه مقاومة جلال تلك الجلسة الندية مع رئيس عالمي دون تفريج بعض همه؟ وخرج منه هذا التفريج بمصطلح الحرب الباردة التي يود لو اخترعها بعد تشرد طال في صقيع عالم ما بعدها المتوحش.

لم يقع لنا التحليل العميق الذي التمسه عبد العاطي لزيارة البشير لروسيا. فمن عَرضِنا لأفكارهم حولها وجدناهم أخذوا منها ما يليهم من مأرب وانصرفوا. ومتى طلبنا تحليلاً للزيارة وخطابها ومغازيها في حد ذاتها وقفنا على عوالم الحرب الباردة التي صنعت نظام الإنقاذ وغير الإنقاذ، وحكمت عليهم بالتشرد حين وضعت أوزارها. فالحرب الباردة لم تكن مجرد توازن للقوى بين قطبيها: أميركا والاتحاد السوفياتي فحسب، بل عملية تحلل وتشويه وفظاظة طبعت بناء الدولة-الأمة في دول العالم الثالث. وهو بناء أخرق يريد إعادة اختراع تلك الحرب طلباً للكفيل.

المصدر : الجزيرة