مارك ليونارد

مارك ليونارد

مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

إن الانقسامات العميقة داخل أوروبا تهدد بشكل متزايد القيم التي على أساسها قام المشروع الأوروبي: "اتحاد أقرب من أي وقت مضى"، وفي سنة 2015 رأى العديد من المعلقين -خلال أزمة اللاجئين- أن هناك انقساما بين الثقافة الترحيبية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورؤية رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان القائمة على أساس النقاء العرقي: جسور غرب أوروبا ضد جدران شرق أوروبا.

لكن التهديد الآخر للوحدة الأوروبية يأتي من الدول الأوروبية نفسها؛ ففي ألمانيا انهارت المحادثات لتشكيل تحالف بين يسار الوسط ويمين الوسط، وفي هولندا احتاج رئيس الوزراء مارك روتي لفترة 208 أيام لتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات في مارس/آذار الماضي، وفي بريطانيا تعيش السلطة السياسية فوضى بسبب "البريكست"، وفي بولندا نظم القوميون البيض والنازيون الجدد مسيرة ضخمة في شوارع وارسو.

هل الاختلافات أكبر بين الدول الأعضاء أو ضمن الدول الأعضاء نفسها؟ إن الجواب على هذا السؤال مهم للغاية، فلو كانت كبرى مشاكل أوروبا هي كونها مقسمة على أساس الحدود الوطنية؛ فإنه من الممكن عندئذ أن تحاول الدول الليبرالية -مثل فرنساوألمانيا- تغيير توازن القوى ضمن البلدان غير الليبرالية على نحو متزايد.

وافقت كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي على مجموعة من المعايير الديمقراطية الليبرالية عندما انضمت للاتحاد، ولكن حكومتيْ هنغاريا وبولندا لم تعد تريدان الالتزام بتلك الأحكام، ومن الممكن أن يتمثل أحد الحلول في إنشاء نادٍ أصغر بفوائد أفضل. والبلدان التي تريد الانضمام الى هذه الدائرة الضيقة المتميزة يجب أن توافق على مجموعة الأحكام الجديدة أو الأصلية


لقد وافقت كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي على مجموعة من المعايير الديمقراطية الليبرالية (جزء مما يطلق عليه اسم معايير كوبنهاغن) عندما انضمت لنادي الاتحاد، ولكن مع مرور الزمن لم تعد حكومتا هنغاريا وبولندا تريدان الالتزام بتلك الأحكام، ومن الممكن أن يتمثل أحد الحلول في إنشاء نادٍ أصغر بفوائد أفضل.

والبلدان التي تريد الانضمام الى هذه الدائرة الضيقة المتميزة يجب أن توافق على مجموعة الأحكام الجديدة أو الأصلية، والبلدان التي تنتهك تلك الأحكام ستكون خارج تلك الدائرة، حيث سيكون هناك -في نهاية المطاف- ثمن لانتهاك معايير الاتحاد الأوروبي.

لكن هذا الحل يمكن أن ينجح فقط إذا كانت المشكلة الكبرى هي الانقسامات بين الدول الأعضاء، فلو نظرنا إلى ألمانيا -كمثال على الانقسامات ضمن الدول الأعضاء- لوجدنا أن ميركل شرعت في تجربة رائعة، حاولت فيها توحيد حزبها الديمقراطي المسيحي المنتمي ليمين الوسط مع أكثر الأحزاب القومية قربا لحزبها (الاتحاد الاجتماعي المسيحي والديمقراطيون الأحرار المؤيد لقطاع الأعمال) إضافة للخضر من اليسار.

ميركل مفاوضة موهوبة، وهي ملائمة بشكل كبير للكتابة عن "فن الصفقات" مقارنة بكثيرين لن نذكرهم هنا في هذا المقام، ولكن من السابق لأوانه توقع ما إن كانت قادرة على حل الانقسامات في بلادها.

وبينما يرغب الخضر في الإبقاء على الثقافة الترحيبية؛ فإن موقف حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أقرب لموقف مجموعة فيزجراد (جمهورية التشيك والمجر وبولندا وسلوفاكيا). وفي واقع الأمر؛ فإنه في ذروة أزمة اللاجئين سنة 2015 استضاف حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أوربان في أحد مؤتمراته.

وفي حين يُصنَّف الخضر ضمن الفدراليين الأوروبيين الذين يدعمون المزيد من التضامن الاقتصادي مع اليونان وإيطاليا؛ فإن حزب الديمقراطيين الأحرار يؤيد الانضباط المالي للفنلنديين والهولنديين والألمان الشوابيين، ويعترض بشدة على التكامل الاقتصادي الأوروبي الأعمق.

لقد أمل كثيرون أن تتمكن ميركل من تشكيل "ائتلاف جامايكا" (نسبة إلى ألوان علم ذلك البلد)، ولكن في نهاية المطاف فشلت التجربة وانسحب الديمقراطيون الأحرار من المحادثات بسبب الإحباط، وقال زعيم حزبهم كريسيتان ليندنير "إن شركاء المحادثات الأربعة ليست لديهم رؤية مشتركة لتحديث البلاد أو أسس مشتركة للثقة".

وحتى بدون "ائتلاف جامايكا"؛ فإن ألمانيا لا تزال لديها أغلبية ليبرالية مستقرة في البوندستاغ، ولكن الكلام نفسه لا ينطبق على بقية الاتحاد الأوروبي، حيث يوجد في كل الدول الأخرى الأعضاء تقريبا انقسام في المجتمع بنسبة 50/50، أي أن النصف عالميون والنصف الآخر يركزون على مجتمعاتهم المحلية، وفي تلك البلدان فإن الحكومة في أي وقت تمثل الطرف الفائز بآخر جولة من الحرب الثقافية المستمرة.

ففي بريطانيا مثلا؛ اختار 52% من الناخبين الخروج من الاتحاد الأوروبي، والآن تتجه البلاد لتصبح دولة منعزلة تتسم بالمناطقية وكراهية الأجانب، ولكن قادتها يواصلون إخبار الناس بأن بريطانيا ستكون في وضع أفضل لوحدها. وبالنسبة لمن يؤمنون بذلك؛ فإنه لا تبدو مهمةً حقيقةُ أن بريطانيا ستخسر حقها في المشاركة في عملية اتخاذ القرارات ضمن الاتحاد الأوروبي، والتي تؤثر على بيئتها الاقتصادية.

إن إنشاء أوروبا مرنة أو متعددة المستويات يمكن أن يحل بعض المشاكل القصيرة المدى، وذلك بالجمع بين ائتلافات الراغبين من أجل التعامل مع قضايا محددة، ولكن يمكن أن يؤدي ذلك إلى أخطار جديدة؛ فمعظم الدول الأوروبية -بغض النظر عن المستوى الذي يريدون أن يكونوا عنده- لا تزال مجتمعات منقسمة بالتناصف 50/50، ويمكن أن تختار أو لا تختار المزيد من التكامل


على الجانب الآخر؛ لدى فرنسا رئيس جديد ونشيط ومؤيد للاتحاد الأوروبي هو إيمانويل ماكرون، وهو ملتزم بإعداد بلاده للسنوات القادمة ولكن فرنسا لا تعتبر أكثر عالمية من بريطانيا.

ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الربيع الماضي؛ فإن الحملات ذات التوجه القومي لمارين لوبان وجان لوك ميلانشون ونيكولاس ديوبونت حظيت بشكل جماعي بما نسبته 46% من الأصوات، أي مثل نسبة الأصوات التي حصلت عليها حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا تقريبا.

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي هو مجتمع من الدول ومن المواطنين، وهذا يعني أن الانقسامات ضمن الدول تكون بنفس أهمية الخلافات الدبلوماسية بين الدول.

في وقت سابق من هذا العام؛ حاول تقرير لمعهد بروكنغز أن يقرر ما إن كانت أوروبا "المنطقة السياسية المُثلى"، وهو مفهوم مأخوذ من نظرية روبرت مونديل المتعلقة بمناطق العملات المُثلى، حيث خلص التقرير إلى نتيجة مفادها أن الخلافات الثقافية والمؤسساتية بين دول الاتحاد الأوروبي لم تتغير كثيرا خلال العقود الثلاثة الماضية من التكامل الأوروبي.

ولكن التقرير وجد كذلك أن الانقسامات بين البلدان أقل بكثير من الخلافات ضمن البلدان، أو بعبارة أخرى فيما يتعلق بموضوع حرية الحركة والتنقل؛ فإن هناك استقطابا بين لندن ومنطقة الميدلاندز البريطانية أكثر من الاستقطاب بين بريطانيا وبولندا.

إن إنشاء أوروبا مرنة أو متعددة المستويات يمكن أن يحل بعض المشاكل القصيرة المدى، وذلك بالجمع بين ائتلافات الراغبين من أجل التعامل مع قضايا محددة، ولكن يمكن أن يؤدي ذلك إلى أخطار جديدة؛ فمعظم الدول الأوروبية -بغض النظر عن المستوى الذي يريدون أن يكونوا عنده- لا تزال مجتمعات 50/50، ويمكن أن تختار أو لا تختار المزيد من التكامل.

وذلك من خلال انتخابات واحدة أو استفتاء واحد، وفي المستقبل لا يستطيع أحد أن يستبعد إمكانية انتخاب لوبين رئيسة لفرنسا، أو أن تصل حركة الخمسة نجوم المعادية للاتحاد الأوروبي إلى الحكم في إيطاليا، وعلى نفس المنوال؛ فإن المنبر المدني الأكثر اعتدالا قد يعود إلى الحكم في بولندا.

إن مواجهة التحدي ضمن مجتمعات المشروع الأوروبي لن تكون عملية سهلة، فهي عبارة عن مشكلة عميقة تتعلق بالأجيال، وهي مشكلة تتعلق بشكل وثيق بالهوية الوطنية والتاريخ والجغرافيا، ولا يوجد حل مؤسساتي سريع لمثل هذه المشكلة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت