يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

من ثوابت السياسة الخارجية للولايات المتحدة أنها كلما عمدت إلى إعمال مشروع جديد هنا أو هناك مهدت الأرضية لإنجاحه، بناء للمرجعية ثم تحديدا للفاعلين المحليين الموكلة إليهم مهمة تمويله أو تنفيذه أو احتضانه ولو إلى حين.

سياسة أميركا الخارجية معطى ثابت وخيار قارٌّ، لا اختلاف كبيرا في طبيعته بين رئيس ورئيس. وإذا ما طرأ من المستجدات الدولية ما يستدعي تحولا ما أو تغيرا في التوجه، فبتوافق ضمني واسع ومرتَّب له بين الرئاسة والكونغرس والمركّب الصناعي والعسكري القائم.

ولذلك، فإن الذي يتغير حقا بين الفينة والأخرى في السياسة الأميركية إنما هو أنماط تصريف مفاصل هذه السياسة، وكيفيات تجسيدها بهذه الرقعة من جغرافيا العالم أو تلك.

ليس من المتعذر تتبع المنعرجات التطبيقية لهذه السياسة؛ فقد انتهجتها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مع الاتحاد السوفياتي، وطبقتها في العديد من دول آسيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي والإسلامي، تارة بتفوق كما حصل إبان تقويض مجموعة الجمهوريات السوفياتية، وتارة أخرى بنتائج متواضعة كما هو الحال مع أميركا اللاتينية والصين، أو بعض البلدان العربية والإسلامية.

ليس من المتعذر تتبع المنعرجات التطبيقية لسياسة الفوضى الخلاقة؛ فقد انتهجتها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مع الاتحاد السوفياتي، وطبقتها في العديد من دول آسيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي والإسلامي، تارة بتفوق كما حصل إبان تقويض مجموعة الجمهوريات السوفياتية، وتارة أخرى بنتائج متواضعة كما هو الحال مع أميركا اللاتينية وبعض البلدان العربية والإسلامية


بيد أن الحدث المفصلي الذي أبان بجلاء أكبر عن خفايا وخبايا هذه السياسة إنما كان هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وما نتج عنها من تداعيات على النظام العالمي عموما، وعلى النُّظم الإقليمية بوجه خاص.

ففي أعقاب وسياق هذه الأحداث، أعلنت الإدارة الأميركية جهارا نهارا عزمها إقامة شرق أوسط "جديد" ثم "كبير" ثم "أكبر وموسع". وأعلنت خارجيتها تحديدا على لسان الوزيرة كوندوليزا رايس "استخدام الفوضى الخلاقة لتحقيق الأهداف الأميركية المتعلقة بنشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان"، في هذا الجزء من العالم.

ولذلك، فعندما نفذت واشنطن غزو العراق 2003؛ عمدت -عن سابق ترتيب- إلى تدمير كل مفاصل الدولة العراقية، من جيش ووزارات، وإدارات ومرافق عامة، ورموز حضارية، وبنى اجتماعية وثقافية، وعلاقات قبلية وعشائرية، وما سوى ذلك، تحت مسوغ صريح ومباشر هو: تدمير القائم "المتقادم" في أفق استنبات القادم الجديد.

ليس هذا فحسب، بل إن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن نفسه أعلن أنه ذاهب إلى العراق ليجعل منه "واحة الديمقراطية بالشرق الأوسط، ونموذجا ستحتذي به بقية الدول والأنظمة العربية". فكان سبيله في ذلك هو الهدم والدمار أولا لـ"إعادة البناء" لاحقا وفق النموذج الموعود، نموذج منظري الفوضى الخلاقة.

ولعل أبسط تعريف اصطلاحي لتعبير الفوضى الخلاقة هو أنها "حالة سياسية أو إنسانية، يُتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الأحداث، ولذلك فهي إحداث متعمَّد لفوضى بقصد الوصول إلى موقف أو واقع سياسي يرنو إليه الطرف الذي أحدث الفوضى".

إنها أقرب إلى مفهوم "الإدارة بالأزمات" المتعارف عليه في هذا المضمار، أي افتعال الأزمة أولاً، ثم العمل على إدارتها بالتدريج لبلوغ مصالح محددة سلفا. إنها تفكيك للمنظومة المعنية بطريقة تتيح الولوج إلى مكوناتها الأساسية وعناصرها الصلبة والرخوة، لتقويضها جزئيا أو كليا وإعادة تشكيلها مجددا بما يخدم تلك المصالح حالا أو في المدى المنظور.

وبناء على هذا التصور، فإن "منظومة" الفوضى الخلاقة إنما تقوم وترتكز على مجموعة دعامات أساسية، هي التي من شأنها إسناد ذات المنظومة وضمان سبل تصريفها بنجاح على أرض الواقع:

- الدعامة الأولى: تأجيج الصراع العرقي والطائفي. إنه المدخل الهين والأقرب للبدء طالما توافرت القابلية لذلك، أو هان أمر استنباتها وتأجيجها والنفخ فيها لتبلغ مستويات اللاعودة. إن التركيبة العرقية لا تنفجر -وفق منظور دعاة الفوضى الخلاقة- من تلقاء ذاتها ولا بصورة عفوية.

بل هي ترسّبات نفسية دفينة، يجب الاشتغال عليها لإحيائها وتقييمها والدفع بها إلى أقصى مدى، كي تبدو وكأنها تعبير طبيعي عن واقع كان مضمرا، وآن الأوان لمظهرته وتجليته.

من مرتكزات الفوضى الخلاقة ضربُ البعد الأمني في الصميم وتشتيت عمليات التنسيق فيما بين المؤسسة الثاوية خلفه، وإشاعة الانطباع بأن لا سبيل لضمان الأمن لا بالنسبة للأفراد ولا بالنسبة للجماعات. ولا مندوحة هنا -يقول أصحاب الفوضى الخلاقة- عن افتعال الفتن وتنفيذ الاغتيالات، وإعمال آليات التصفيات والمطاردات في أماكن العمل والشوارع وفي بلدان المهجر


- الدعامة الثانية: تأجيج العصبيات. وهي عملية متدرجة في الزمن وفي آليات التنفيذ، وتبدأ بتقويض ركائز الدولة الواحدة لتستبدل بها الولاءات الحزبية الضيقة، أو الانغلاقات الطائفية والعشائرية والقبلية.

فيتحوّل الولاء للدولة الواحدة الموحدة إلى ولاءات مجتزَأة لكيانات بدائية، تدفع بـ"قيم" اللهجة أو اللغة أو الهوية أو الحاضنة الإثنية أو ما سواها، بغرض التمايز والتميّز عن بقية مكونات البلد.

- الدعامة الثالثة: ضرب البعد الأمني في الصميم وتشتيت عمليات التنسيق فيما بين المؤسسة الثاوية خلفه، وإشاعة الانطباع بأن لا سبيل لضمان الأمن لا بالنسبة للأفراد ولا بالنسبة للجماعات. ولا مندوحة هنا -يقول أصحاب الفوضى الخلاقة- عن افتعال الفتن وتنفيذ الاغتيالات، وإعمال آليات التصفيات والمطاردات في أماكن العمل والشوارع وفي بلدان المهجر.

- الدعامة الرابعة: زعزعة الوضع الاقتصادي والمالي والعمل على بث الشك في المؤسسات المصرفية والائتمانية، وتشجيع المعاملات المالية في السوق السوداء، وضرب كل مكامن الثقة في العملة الوطنية.. إلخ.

الدعامة الخامسة: العمل على واجهة "القوة الناعمة". والقصد هنا هو إعمال الآلة الإعلامية والاتصالية للترويج للوعود التبشيرية والخلاصية التي تحملها "المنظومة الجديدة"، وكيف أنها صُكّت قصدا لفائدة مبدأ تحرير الشعوب وانعتاقها، وتخليصها من النظم الشمولية، وتثمين وتأمين حقها في الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذه -باختصار شديد- هي الدعامات الكبرى لـ"منظومة" الفوضى الخلاقة، والتي تم تضمينها في مشاريع الإدارة الأميركية "لإصلاح الشرق الأوسط وبلدان شمال أفريقيا" منذ بداية القرن الحالي.

ورغم تعذر تجسيد هذه المفاصل في حينه، وعدم قدرة "تقارير التنمية الإنسانية العربية" -المواكبة لها والصادرة من الأمم المتحدة- على الدفع بها، لا سيما فيما يتعلق بـ"مطالب الإصلاح"؛ فإن الأفكار التي أسست لذات المشاريع بقيت ناراً متقدة تحت رماد لا يُنبئ مظهره بشيء.

بيد أن تلك النار سرعان ما برزت إلى السطح، بدايةً باحتلال العراق ثم قُبيل وأثناء مراحل تموجات "الربيع العربي"، وذلك على النحو التالي:

- في العراق، تم الضرب -منذ الاحتلال الأميركي 2003- على كل الأوتار: تفجير النعرات المذهبية، تأجيج النزاعات الطائفية والعشائرية، وإعادة إحياء التشجنات العرقية؛ بعدما تم الإطباق على الدولة المركزية وتقويض مؤسساتها، وهدم كل بنيانها الأمني والعسكري والاقتصادي.

وفي سياق ذلك، اشتغلت آليات القوة الناعمة بقوة، فبات كل صاحب مذهب أو طائفة أو قبيلة أو عشيرة مالكا لقناة فضائية أو أكثر، يعمل عبرها على تصريف خطابه. وهو في معظمه موجه للنيل من هذا المذهب أو ذاك، ومن هذه الطائفة أو تلك.

- في بلدان "الربيع العربي".. نحن هنا أيضا بإزاء نفس الصورة ونفس المنهجية: اللعب على التناقضات الداخلية، والدفع بها إلى آماد يتحول بمقتضاها الكل مع الكل ضد الكل.

لن نبالغ -في سياق ما سبق- لو قلنا إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنما هي امتداد لنفس السياسة الخارجية الأميركية المعروفة، ولمنطوق الفوضى الخلاقة الذي يعتمل بداخلها منذ نهاية القرن الماضي على الأقل: إعمال الفوضى لتعظيم المكاسب الأميركية، وضمان التفوق المستدام لإسرائيل على غرمائها العرب البعيد والقريب


لقد نُفخ في التقاطب بين الأقباط والمسلمين في مصر لدرجة دفعت البعض للمطالبة بحماية دولية لهؤلاء، لا سيما بعدما استُهدفت ممتلكاتهم وأحرِقت بعض أماكن عباداتهم، وتم التحامل عليهم عبر القنوات الفضائية ومنصات الشبكات الاجتماعية.

- لا يختلف المشهد كثيرا في حالة سوريا واليمن، إذ بصرف النظر عن خلفيات ما جرى وما يجري، فإن المستخلَصات الأولية تشي بأن "آلة" الفوضى الخلاقة اشتغلت ولا تزال تشتغل هناك لتعميم القتل ونشر الدمار، وتقويض كل الروابط المنسوجة مع الدولة أو مع الوطن.

لن نبالغ -في سياق ما سبق- لو قلنا إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنما هي امتداد لنفس السياسة الخارجية الأميركية المعروفة، ولمنطوق الفوضى الخلاقة الذي يعتمل بداخلها منذ نهاية القرن الماضي على الأقل: إعمال الفوضى لتعظيم المكاسب الأميركية، وضمان التفوق المستدام لإسرائيل على غرمائها العرب البعيد والقريب.

صحيح أن أعين الإدارة الأميركية الجديدة "مفتوحة" على كل مناطق وجهات العالم المنافسة لمصالحها، لكنها "متفتحة" أكثر -منذ وصول ترمب إلى السلطة- على منطقة الشرق العربي والخليج وإيران:

- فليس من باب الصدفة العابرة أن تتزامن زيارة ترمب للسعودية مع حصار دولة قطر من بعض "أشقائها" بمجلس التعاون الخليجي، ومن مصر أيضا. مع العلم القاطع بأنه لو أشار ترمب عليهم مجتمعين لأوقفوا مهزلة الحصار الشامل لدولة عضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية، سواء اتفق المرء مع سياساتها أم اختلف.

- وليس من غريب الصُّدف أن يشتد الخناق على سوريا، ويُحال دون الدفع بحل سياسي -ولو كان مؤقتا- من شأنه إيقاف شلالات الدم هناك. مع العلم المطلق أيضا بأن للأميركان أكثر من وسيلة لإدراك ذلك أو المساعدة على إدراكه في أدنى التقديرات.

- وليس من غريب الصدف -من ناحية ثالثة- أن يترافق وصول ترمب إلى السلطة مع تغيير ولي العهد السعودي، ثم التأشير له أو صم الأذن على مطاردته لأركان الدولة والاقتصاد، ناهيك عن "احتجاز" رئيس حكومة دولة شقيقة دون إبداء الأسباب الحقيقية لذلك.

وامتدادا لهذا، لا نرى أيضا أن ثمة موجبَ غرابةٍ في مطالبة الرئيس الأميركي بإعادة فتح ملف إيران النووي، في ظل تشبث باقي حلفاء أميركا بمسودة الاتفاق الموقع.

إن الثابت حقا -بالبناء على ما سبق- هو أننا سنكون حتما أمام سيناريوهات "مفزعة" للمنطقة العربية، سيناريوهات فوضى مدمرة سنرى في ظلها تمزقات كبرى لن تقف عند زرع الفوضى وتعميمها، بل إنها تُنذر بعملية جراحية سيكون الغرض منها إضعاف الضعيف وتفتيت المفتَّت.

المصدر : الجزيرة