زهير إسماعيل

زهير إسماعيل

أكاديمي وباحث تونسي

المراحل الكبرى للثورة
حقيقة الانقسام المضاعف

يمثّل سؤال: "ماذا تحقّق من أهداف الثورة؟" -بعد مرور ست سنوات على انطلاقها- أكثر الأسئلة إرباكا للطبقة السياسيّة التونسية، ويستوي في ذلك من ابتهج بقيامها ومن انزعج من اندلاعها.

فمثلما لا يستطيع الأول أن يُفاخر بما أنجزته الثورة من استحقاقات اجتماعيّة، ليس بوسع الثاني أن يُنكر ما تحقّق في مجال تأسيس الحريّة، إذ لا يزال منسوبها عاليا قياسا بما يعرفه المجال العربي من اقتتال أهليّ ضارٍ، يغذّيه تدخّل قوى إقليميّة ودوليّة ناهضت الثورة وتأسيس الديمقراطيّة، وتسعى إلى إعادة ترتيب الأوضاع بما يحفظ مصالحها القديمة والجديدة.

جمعت الثورة التونسية منذ انطلاقتها بين الحريّة والكرامة، ولئن بدا مطلب الحريّة متقدّما على الاستحقاق الاجتماعيّ من خلال شعار "خبز وماء وبن علي لا"، إلاّ أنّ احتداد المطلبيّة طغى على ما سواه، ولازم المشهد السياسي على مدى سنوات الثورة الست، رغم اختلاف الحكومات المتعاقبة. وسنجعل من الوقوف عند مراحل الثورة الكبرى مدخلا إلى جدل الحريّة والكرامة فيها:

المراحل الكبرى للثورة
1- مرحلة الحدث الثوري: تمتدّ هذه المرحلة بين 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 تاريخ انطلاق الانتفاض الاجتماعي في بلدات الهامش المفقَّر، و14 يناير/كانون الثاني 2011 يوم هروب بن علي. ولقد تسنّى للحشود الشبابيّة المنتفضة أن تنجز -بإطلاق جملتها السياسيّة الفذّة "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق"- ما عجزت عنه الطبقة السياسيّة والحركة الديمقراطيّة على مدى عقود.

وإذا كان انتفاض الهامش قد سمّى النظام الحاكم عصابةً، فإنّ المركز -المتفاعل مع حركة الهامش- قرّر مصيرها بشعار "الشعب يريد إسقاط النّظام"، وتحديد مصير من كان على رأسه بقرار طرده، فكانت "ارحل" الشهيرة من قبل الجماهير التي غصّ بها الشارع الرئيسي في العاصمة، ومن أمام مبنى وزارة الداخليّة رمز القمع البوليسي.

جمعت الثورة التونسية منذ انطلاقتها بين الحريّة والكرامة، ولئن بدا مطلب الحريّة متقدّما على الاستحقاق الاجتماعيّ من خلال شعار "خبز وماء وبن علي لا"، إلاّ أنّ احتداد المطلبيّة طغى على ما سواه، ولازم المشهد السياسي على مدى سنوات الثورة الست، رغم اختلاف الحكومات المتعاقبة

كانت الثورة بلا رأس، ولكنّها بعقل جماعي صاحٍ. وعبّرت شعاراتها في الهامش والمركز عن موقف جذري ووعي متقدّم، غير أنّ مآلات الانتقال السياسي أبانت عن اضطراب في الأداء، وظهر جليّا الخلل في الأوليّات عند قوى الثورة بين التأسيس والتسيير، وبناء الحريّة والمطالب الاجتماعيّة، ومحاسبة القديم والرهانات الأيديولوجيّة.

2- مرحلة إنقاذ الدولة: أكدت هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الثورة اضطراب بوصلة الثورة. ولم تكن قواها جاهزة لملء الفراغ إثر هروب بن علي. لذلك كانت الفترة الفاصلة بين 14 يناير/كانون الثاني 2011 وانتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 التأسيسية محاولةً حثيثةً -من قبل النظام القديم- لاستعادة توازنه. وباسم إنقاذ الدولة أمكن لرموزه أن يحكموا البلاد، ولم يتغيّر من المشهد سوى أنّهم صاروا يتكلمون بلسان الثورة.

في هذه المرحلة تمكّنت المنظومة القديمة من إعادة ترتيب الأمور في الإدارة والوزارات وأرشيفها وملفّاتها الكبرى ولا سيما وزارات السيادة، فكانت المنظومة هي المتهَم والمحقّق في الآن نفسه.

كانت هذه الفترة بمثابة محاولة انقلابية فعلية، وانعكس تأثيرها على المرحلة التأسيسية وعلى كل مستقبل الثورة، وعلى الاستحقاقات في الشغل والكرامة واسترداد الحقوق التي ما زالت معلّقة بعد ست سنوات من الثورة.

في هذه المرحلة لم يكن التمييز واضحا بين مستويات الاحتجاج الاجتماعي لتمفصلها مع السياق الثوري. وكانت هذه المطلبيّة وتعبيراتها المختلفة وما تشيعه من اضطرابات واسعة في الداخل، من العوامل التي منعت رموز النظام القديم -الذين تولوا زمام الأمور بعد هروب زين العابدين بن علي- من جعل شعار إنقاذ الدولة مقدّمة للانقلاب على الثورة.

3- مرحلة التأسيس الدستوري: حاولت المنظومة القديمة -من خلال الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، والهيئة العليا المستقلة للانتخابات- أن تتحكَّم في نتائج الانتخابات، بعد أن تقرّرت صيغة المجلس الوطني التأسيسي على إثر اعتصام القصبة 2، ولكن النتائج فوّضت قوى محسوبة على الثورة ومن بينها حركة النهضة.

كانت نتائج الانتخابات سببا في عودة قويّة للتجاذب الأيديولوجي، وكان انقسامُ النخبة الثغرةَ التي منها تسرّبت المنظومة القديمة.

وفي وقت وجيز، أصبحت جزءا من المعارضة، واستطاعت -من داخل "جبهة الإنقاذ"- مواجهة حكومة الترويكا (الائتلاف الحزبي الثلاثي: "النهضة" و"المؤتمر" و"التكتل")، وتعطيل عمليّة التأسيس الدستوري وصياغة دستور ديمقراطي على أنقاض دستور التأسيس الأوّل في 1959.

في هذا السياق، كان الاحتجاجُ الاجتماعي هو الحقيقةَ الثابتة في المشهد السياسي، غير أنّ انقسام القوى المنتسبة إلى الثورة بين حكم "الترويكا" ومعارضة "جبهة الإنقاذ" نبّه إلى التمييز لأوّل مرّة بين مطلبيّة مشروعة ومطلبيّة مسيّسة.

وكان لموقف الاتحاد العام التونسي للشغل أثر كبير على موضوع الاحتجاج الاجتماعي، وعلى التوازنات السياسيّة من خلال الاضرابات المكثفة التي دعا إليها، ولا سيّما التي طالت قطاعات إستراتيجية مثل الفوسفات. وكانت هذه الإضرابات كفيلة بأن تشلّ الحياة الاقتصاديّة.

وانضاف إلى الاحتقان الاجتماعي ما أحدثته عمليات الاغتيال السياسي في 2013 من زلزال تضاعفت هزّاته بدعوة اتّحاد الشغل إلى الإضراب العام، ودعوة المعارضة -بقيادة الباجي قايد السبسي- إلى حلّ المجلس التأسيسي، أي المؤسسة الوحيدة التي أفرزها المسار الثوري.

في هذا الاحتقان السياسي الاجتماعي -الذي كاد يتحوّل إلى احتراب أهلي على غرار بقيّة أقطار الربيع العربي- صارت معالجة المطلب الاجتماعي عسيرة، ولا تفكير إلاّ في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عمليّة تأسيسٍ لم تصل إلى غايتها (صياغة الدستور، انتخاب الهيئات الدستورية وفي مقدّمتها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات).

كان لموقف الاتحاد العام التونسي للشغل أثر كبير على موضوع الاحتجاج الاجتماعي، وعلى التوازنات السياسيّة من خلال الاضرابات المكثفة التي دعا إليها، ولا سيّما التي طالت قطاعات إستراتيجية مثل الفوسفات. وكانت هذه الإضرابات كفيلة بأن تشلّ الحياة الاقتصاديّة

في هذا الاضطراب السياسي الشامل؛ كان الحوار الوطني تعبيرا عن تقهقر "شرعيّة الانتخاب" أمام "شرعيّة التوافق". فكانت حكومة التكنوقراط برئاسة مهدي جمعة. ومعها تأكّد الخروج من واجب محاسبة القديم -على قاعدة العدالة الانتقاليّة- إلى واقع منافسته على قاعدة التوافق.

ويعدّ هذا المآل تحوّلا جذريّا في الثورة التونسيّة وعودة قويّة للقديم، اتضحت نتائجها السياسيّة في انتخابات 2014 التشريعيّة والرئاسيّة.

4- مرحلة البناء الإستراتيجي: كان من المفروض أن تلي هذه المرحلة مرحلة البناء الدستوري، وأن تتفرّغ الدولة لبناء إستراتيجية شاملة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، واستكمال المؤسسات الدستورية لتأسيس الديمقراطيّة، وأن تكون هذه المرحلة خروجا من المؤقت إلى الدائم، ومن الانتقال إلى الاستقرار.

كان منتظرا أن تمثّل انتخابات 2014 التشريعيّة والرئاسيّة المدخل إلى مرحلة البناء الإستراتيجي. ولكنّ إيقاف عمليّة التأسيس قبل اكتمالها -باسم "الحوار الوطني" وانتخابات 2014- جعل من "الوضع الانتقالي" وضعا مؤبَّدا.

كانت عودة القديم -عن طريق الانتخابات وفي الملابسات المعلومة- زلزالا سياسيّا لم يلطّف منه إلاّ حصول أحد مكونات "الترويكا" (وهو حزب النهضة) على المرتبة الثانيّة. ولكنّ المشهد السياسي المنبثق عنها أبان عن ثنائيّة في الحكم (النداء/النهضة)، وثنائية في المعارضة (معارضة وظيفيّة/ معارضة عضويّة)، فصار النظام نظامين والمعارضة معارضتين.

مثّل تحالف حزب نداء تونس وحزب النهضة إعادة توزيع للقوى السياسيّة غير متوقّعة. وكشف لقاؤهما عن حاجة السبسي -الذي نجح مع حزبه بواسطة "التصويت المفيد" (ضدّ النهضة)- إلى أغلبيّة كبيرة للحكم، وحاجة النهضة -المسكونة بوسواس الاستئصال- إلى ما يؤمّن وجودها السياسي ويمتّن صلتها بالدولة.

ولكن تفكّك حليفها نداء تونس وانقسامه إلى شقوق واتجاهه إلى الانهيار جعلها مرشّحة لأن تصبح هي النّظام. كانت حصيلة الرباعي الحاكم التي امتدّت لسنة ونصف هزيلة للغاية، وتهاوت وعود سخيّة بالتشغيل ونسب نموّ عالية روّجت لها المنظومة، واكتشف الناس زيفَ تباهيها بكفاءاتها وضعفَ ثقافة الدولة.

لم تغادر حكومة السيد الحبيب الصيد -بعد سنة ونصف من الحكم- اقتصاد "صفر نمو" وأعلى نسب بطالة والتهاب الأسعار، وأريد منه منذ توليّه أن يكون وزيرا أوّل عند رئيس الجمهوريّة. وعندما أراد أن يكون رئيسا للحكومة -كما هو مقرّر في الدستور- أجبر على الاستقالة، ليفسح المجال أمام ما سُمّي حكومة الوحدة الوطنيّة بمرجعيّة وثيقة قرطاج، التي لم تكن أكثر من بنود عامّة لا يختلف فيها اثنان مثل ضرورة محاربة الفساد.

وبعد مرور حوالي أربعة أشهر على حكومة السيد يوسف الشاهد؛ تعرف البلاد تصاعدا في الاحتجاج الاجتماعي بالداخل وبأقصى الجنوب الشرقي، بمدينة بنقردان التي هزمت الدواعش في 7 مارس/آذار 2016، في ملحمة تابعها العالم وشاهد فيها كيف شكّل الشباب دروعا بشريّة لقوات الأمن والجيش.

ولكن مع غلق معبر رأس الجدير الحدودي بين تونس وليبيا -وهو مصدر الرزق الوحيد للأهالي- انقلبت الصورة فكان الاعتصام الأهلي الكبير، لتنقل صفحات التواصل الاجتماعي مواجهات دامية بين الأهالي وقوات مكافحة الشغب. 

حقيقة الانقسام المضاعف
لم ينقطع الاحتجاج الاجتماعي على مدى ست سنوات، وكان تفسير تواصله في السنة الأولى من الثورة برغبة القوى الثوريّة في ملاحقة رموز النظام القديم الذين حكموا البلاد بعد هروب بن علي.

وفِي حكم الترويكا كان الاحتجاج الاجتماعي يُرَدّ إلى الثورة المضادّة ورغبتها في إجهاض عملية التأسيس. ولكن تواصل الاحتجاج بعد عودة القديم ليهيمن على الرئاسات الثلاث كان مدعاة للبحث عن أسباب للاحتجاج في الشروط الاجتماعيّة وفِي تجربة الدولة.

انطلقت الثورة في تونس حركةَ احتجاج اجتماعي ثم تطورت إلى حركة سياسيّة ومسار في بناء الديمقراطية. ولئن كانت ديمقراطيّة أثينا مشروطة بالعبوديّة والديمقراطيّة الغربيّة مشروطة بالاستعمار؛ فإنّ الثورة التي انطلقت من تونس تتّجه إلى تأسيس ديمقراطيّة مشروطة بالحريّة

وقاد هذا الوعي إلى أن الاحتجاج يعود إلى حقيقة الانقسام المضاعف الذي تعرفه البلاد، فهو: انقسام أيديولوجي في مستوى النخبة (إسلامي/علماني)، وانقسام اجتماعي (ساحل/داخل). وللانقسامين علاقة بتجربة الدولة؛ فبقدر ما كان الانقسام الاجتماعي سببا في كسر عصابة السرّاق، كان الانقسام الأيديولوجي سببا في عودتها وتأجيل الشروع في تنمية البلاد وتحسين مستوى العيش.

ولقد كان في باب الحكم المحلّي في الدستور حدس لشروط تجاوز الانقسامين، وتمثّل في الخروج من مركزيّة الدولة وإعادة بنائها بما يمكّنها من تغطية كل المساحة الثقافيّة (صياغة مشترك وطني)، وتغطية كل المساحة الاجتماعية (رأب الصدع الاجتماعي)، وهذا هو جوهر المشروع الوطني.

وتمثّل تجربة واحة جمنة في الاقتصاد الشعبي التشاركي نموذجا فذّا في تجاوز الانقسام الاجتماعي وتحقيق الرفاه، وهي اليوم قبلة الزوّار من أنحاء كلّ العالم يأتونها لينصتوا إلى تجربتها.

انطلقت الثورة في تونس حركةَ احتجاج اجتماعي ثم تطورت إلى حركة سياسيّة ومسار في بناء الديمقراطية. ولئن كانت ديمقراطيّة أثينا مشروطة بالعبوديّة والديمقراطيّة الغربيّة مشروطة بالاستعمار؛ فإنّ الثورة التي انطلقت من تونس تتّجه إلى تأسيس ديمقراطيّة مشروطة بالحريّة. لن يتحقّق هذا التوجّه غدا.. ولكن سيكون مداه القرن الحالي؛ ولذلك هي ثورة الألفيّة الثالثة.

المصدر : الجزيرة