كارل بيلت

كارل بيلت

رئيس وزراء السويد سابقا

أضحت روسيا مرة أخرى في قلب الحوارات السياسية بالعديد من العواصم الغربية. وللمرة الثالثة على التوالي، سيبدأ رئيس أميركي جديد قيادة حكومته مع طموحات لتحسين العلاقات الثنائية. إن اتخاذ وجهة نظر تاريخية إزاء الدولة الروسية على المدى الطويل سيساعد في فهم سبب صعوبة تحقيق هذا الهدف.

لقد مضى الآن ربع قرن على تفكك الاتحاد السوفياتي، وفي عام 2017 ستحل الذكرى المئوية للثورة الروسية التي أطاحت بالإمبراطورية القيصرية التي دامت قرونا طويلة. وفي هذه الأثناء، هناك تشابهات في الروايات بين الفترات التي تلت كلا من هذه الخواتم الإمبريالية.

وقد اتسم تاريخ روسيا بالتوسع المستمر في أنحاء القارة الأوراسية. ويشْبه هجومُ القياصرة الشرقي على سيبيريا هجومَ أميركا الغربي خلال القرن التاسع عشر، وتزامن التوسع الروسي في آسيا الوسطى مع استعمار القوى الأوروبية لأفريقيا.

ورغم أن الإمبراطورية الروسية قد توسعت غربا وجنوبا، فقد كانت تواجه معارضة شرسة بشكل مستمر، واضطرت لاستخدام القوة للحفاظ على الأراضي المكتسبة حديثا في منطقتها. وبعد ثورة 1917، سعى كثير من هذه المناطق -من طشقند إلى تبليسي، ومن كييف إلى هلسنكي- للاستقلال والتخلص من بطش موسكو.

اتسم تاريخ روسيا بالتوسع المستمر في أنحاء القارة الأوراسية. ويشْبه هجومُ القياصرة الشرقي على سيبيريا هجومَ أميركا الغربي خلال القرن التاسع عشر، وتزامن التوسع الروسي في آسيا الوسطى مع استعمار القوى الأوروبية لأفريقيا

في البداية، استجاب فلاديمير لينين لهذه المطالب، لكنه سرعان ما نشر الجيش الأحمر الجديد لفرض السلطة السوفياتية في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية السابقة. وقد نجح في أوكرانيا وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى. لكنه فشل في فنلندا ودول البلطيق، وتعرض لهزيمة حاسمة خارج وارسو 1920. وهذا ما سمح بظهور سلسلة دول مستقلة بالجانب الغربي للإمبراطورية الروسية السابقة.

لكن جوزيف ستالين تولى الحكم بعد ذلك. واستخدم الإرهاب والتصنيع القسري محاولا جعل روسيا عظيمة مرة أخرى، وساعيا لاستعادة السيطرة الإمبريالية على أراضيها السابقة. وجد ستالين فرصة في محادثات سرية مع أدولف هتلر، حيث طالب بعودة ما تم فقدانه بعد 1917، بما في ذلك دول البلطيق وفنلندا وجزء من بولندا.

لقد أدرك ستالين الأمرَ في النهاية. بعد انهيار رايخ هتلر وبسبب تضحيات الجيش الأحمر، كان لديه تفويض مطلق لتمديد السلطة السوفياتية إلى قلب أوروبا. وحافظت فنلندا فقط على استقلالها بأعجوبة وبقوة السلاح. وقد أعيدت دول البلطيق بهمجية إلى قطيع الاتحاد السوفياتي، وأصبحت بولندا وغيرها دولا تابعة وخاضعة للنفوذ السوفياتي.

في عام 1976، قال كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية لوزيره هنري كيسنجر -بشكل مثير للجدل- إن روسيا فشلت في إقامة علاقات "عضوية" مع هذه الدول التابعة لها.

وهذا صحيح، فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي سارعت الدول التابعة بتركه عبر إعادة تأكيد سيادتها، وخلال مدة قصيرة طالبت تقريبا كل جمهورية غير روسية في الاتحاد السوفياتي السابق بالاستقلال وحازته. ومع استقلال أوكرانيا ودول جنوب القوقاز، أصبحت روسيا تسيطر على أراضي أقل مما كانت عليه بعد ثورة 1917.

ومثلما فعل لينين قبل قرن، عزم فلاديمير بوتين على تغيير ذلك. فمنذ توليه الحكم -في أعقاب محاولات روسيا المضطربة للإصلاح الديمقراطي والليبرالي منذ عام 1990- أصبح من الواضح بشكل متزايد أن بوتين يطمح إلى جعل روسيا عظيمة مرة أخرى، اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً.

ورغم بعض الاختلافات الواضحة بين تأسيس الاتحاد السوفياتي والآن، فإنه بات من السهل تجاهل التشابه التاريخي. ففي عهد بوتين، غزت روسيا واحتلت أجزاء من جورجيا، وضمت شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، ودعمت عسكريا "جمهوريتين" صوريتين في شرقي أوكرانيا. وحاولت روسيا أيضا -ولكن دون جدوى حتى الآن- إنشاء نوفوروسيا في جنوبي أوكرانيا.

أعاد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 والثورة الروسية عام 1917 تشكيل السياسة الإقليمية والعالمية. وفي أعقاب كل حدث، أظهرت روسيا عجزها التاريخي عن بناء علاقات منسجمة مع الدول المجاورة لها، وفي الفترات المتوسطة عملت على تحقيق طموحاتها الإمبريالية على حساب هذه البلدان

شيئا فشيئا وكلما أتيحت الفرصة، أضحى الكرملين مستعدا لاستخدام كل الوسائل المتاحة له لاستعادة ما يعتبره ملكا له. قد لا تكون لدى بوتين خطة ثابتة أو شاملة لاستعادة الإمبراطورية، لكن لا شك في أن لديه رغبة قوية لتحقيق تقدم الإمبريالية كلما أمكن تحمل الخطر، كما حدث في جورجيا 2008، وأوكرانيا 2014.

فما هي الدروس التي يمكننا تعلمها من الماضي؟ بداية، لقد ازدهرت الإمبريالية الروسية عندما تم تقسيم أوروبا والغرب. كان هذا هو الحال عندما صادق هتلر وستالين على اتفاق عدم الاعتداء في عام 1939، وعندما وقع نابليون بونابرت والقيصر إلكسندر اتفاقهما 1807. وبالتأكيد ينبغي ألا ننسى مؤتمر يالطا 1945.

كان توسيع الناتو والاتحاد الأوروبي ليشملا أوروبا الوسطى ودول البلطيق أساسيا للأمن الأوروبي. وفي أي سيناريو آخر، كنا سنخوض صراعا خطيرا حول السلطة مع روسيا الانتقامية التي تطالب باستعادة ما فقدته.

لقد أعاد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 والثورة الروسية عام 1917 تشكيل السياسة الإقليمية والعالمية. وفي أعقاب كل حدث، أظهرت روسيا عجزها التاريخي عن بناء علاقات منسجمة مع الدول المجاورة لها، وفي الفترات المتوسطة عملت على تحقيق طموحاتها الإمبريالية على حساب هذه البلدان.

لكن روسيا لن تتصالح مع نفسها إلا إذا دعم الغرب بقوة استقلال هذه البلدان فترة طويلة. وفي نهاية المطاف، ستُدرك روسيا أن من مصلحتها كسر نمطها التاريخي، والتركيز على التنمية المحلية، وبناء علاقات سلمية مع جيرانها قائمة على الاحترام.

نحن بالتأكيد لم نحقق بعدُ هذه النتيجة، لكنّ ذلك ليس سببا للاستسلام، أو تجاهل دروس التاريخ. نحن بحاجة إلى روسيا مستقرة ومزدهرة وسلمية. ولن يتحقق هذا إلا بدعم قوي لاستقلال وسيادة جميع جيرانها.

المصدر : بروجيكت سينديكيت