نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

إشكالية تبرئة النفس
طبيعة الأزمة
صفوف غير متراصة

"واقع كارثي".. هو أدق وصف للحالة المصرية الحالية، فالتآكل والانسداد والتشوّه والتأزم الحاد والدماء، عناوينُ عريضة على الحياة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والعلمية والإعلامية في مصر حاليا.

ولا تتوقف الأزمة في شعور المواطن المصري عند اللحظة القائمة، بل ورث المصريون عن سيل الأزمات المتتابع الحلقات تشاؤما عميقا مما يحمله الغد القريب، وخوفا من العجز عن توفير ضروريات الحياة لعائلاتهم وذويهم في وقت غير بعيد، مع ما يشعر به المواطن من تراجع حاد في مستوى تعامل أجهزة الدولة -خاصة الأمنية منها- مع الناس بما يحفظ حياتهم وكرامتهم، ويلتزم حدود القانون.

لكن ما زال يشوب رؤية المصري لأزمته -على المستوى الجماهيري خاصة- كثير من الشوائب، ولا يمكنه أن ينتقل إلى واقع أفضل، أو حتى يفتح طريقا إلى مستقبل يحمل بوارق أمل له، إلا في ضوء رؤية صائبة وشاملة لواقعه ومستقبله، ولعل هذه السطور تساعد في الكشف عن هذه الرؤية أو بعض أبعادها، في صورة إشكاليات يجب عبورها -مهما غلا الثمن- ليتحقق عبور الأزمة.

إشكالية تبرئة النفس
أول إشكالية تقابلنا في الوضع المصري الحالي هو أن المصريين أو أكثرهم لا يشعرون بأنهم هم أول من صنع هذا الواقع المأزوم بأنفسهم، أو على الأقل ساعدوا بقوة في صناعته، وتركوه يعمق وجوده في الدولة المصرية، حتى صارت الضريبة المحتملة لإزالته عالية جدا، بل هناك من يشك في إمكانية إزالته أصلا.

وتبرئة النفس من المسؤولية جانب سلبي في الشخصية المصرية لعله من بقايا عهد جمال عبد الناصر ونظام حكمه الممتد، والذي رسخ في المصريين مفاهيم مقلوبة أو زائفة حول مسؤولية المواطن وعلاقته بالدولة.

إذ ظل واقع بلاده الداخلي والخارجي يُصنَع وهو يتفرج، وبقيت الدولة تتولى أمره في الكبير والصغير من الشؤون، وتمثل مصدر معلوماته الأوحد، وتعتمد علاقته بها على ما يشبه المقايضة، فتضمن له "الحكومة" بعض السلع المدعومة ووظيفة أو فرصة عمل تقف به عند حد الكفاف مع شيء هزيل من الترفيه، مقابل أن يصمت عما يصدر من القرارات ويُختار من السياسات.

ما زال يشوب رؤية المصري لأزمته -على المستوى الجماهيري خاصة- كثير من الشوائب، ولا يمكنه أن ينتقل إلى واقع أفضل، أو حتى يفتح طريقا إلى مستقبل يحمل بوارق أمل له، إلا في ضوء رؤية صائبة وشاملة لواقعه ومستقبله، ولعل هذه السطور تساعد في الكشف عن هذه الرؤية أو بعض أبعادها

ومع بُعد العهد الناصري عنا الآن، إلا أنه بلا شك صانع كبير للواقع المصري الحالي؛ ليس فقط بما رسخه من سيطرة الجيش المطلقة على الحياة السياسية في مصر، وحراسة النظام بتحالف من النخب الثقافية والسياسية مع العسكر، ولكن أيضًا بهذا الميراث النفسي السلبي الذي ما زال حاضرا في الشخصية المصرية، ويؤثر في صناعة الواقع، ويؤدي إلى مواقف سلبية من المواطن تجاه الصراع السياسي حين يجري في بلاده وكأنه لا يعنيه، أو كأنه يقع بعيدا خلف الحدود!

وقد أبى هذا البعد النفسي إلا أن يُخرج رأسه مع احتدام الأزمة المتعددة الأبعاد في مصر خلال الأعوام الأخيرة، حيث بدت غالبية المصريين في الخصومة السياسية التي جرت بين الثورة المصرية (ثورة 25 يناير) وخصومها من العسكريين والمدنيين، وكأنهم يشاهدون من خلال الشاشات مباراة للكرة؛ يشجعون أحد أطرافها، لكنهم لا يحرزون هدفا أبدا!!

وهذه السلبية كان لها -بلا شك- دورها في نجاح واستمرار الانقلاب الذي لم يكن تعنيه مساندة الجماهير بقدر ما اهتم بإخراجهم من اللعبة، والحيلولة دون دخولهم في المعادلة السياسية لصيانة حقوقهم السياسية والاقتصادية، وغيرها من حقوق الإنسان في وطنه.

ومن هنا يجب على المصريين في اللحظة التاريخية الحاضرة -حتى الثوريين منهم- أن يعرفوا أنهم شركاء رئيسيون في صناعة واقع بلادهم الحالي، لا لكي تسيطر عليهم مشاعر الإحباط واليأس، أو يُشغلوا أنفسهم بالجدل حول الماضي، ولكن ليتولوا بأنفسهم حل أزمة اللحظة ودفع الكارثة القائمة، ولكي يعبروا تلك الحواجز النفسية التي وضعها الاستبداد الطويل في طريق محافظتهم على أوطانهم وحقوقهم فيها.

ثمة إشكالية أخرى خطيرة في الواقع المصري الحالي، وهي أن المصريين يبدون انتقائيين في تحديد الطرف الذي يتحمل المسؤولية عما يجري الآن لمصر، فهم -في جزء منهم- يبرئون في كثير من مواقفهم عبد الفتاح السيسي من التسبب في الأزمات الطاحنة التي تعاني منها البلاد، ويسندونها إلى مجهول، أو إلى أطراف خفية -داخلية وخارجية- تتلاعب بالبلاد على حد تصورهم.

وهي صورة مكرّرة -في جانب منها- لتبرئة عبد الناصر من المسؤولية عن الهزيمة المُرّة التي لحقت بمصر والعرب في حرب يونيو/حزيران عام 1967؛ إذ خرج "الزعيم الخالد" -وهو المسؤول الأول عن القرار في الدولة- بريئا تماما من التسبب في الكارثة الضخمة.

وفي مقابل هذا، هناك من المصريين من يحمِّل السيسي وحده مسؤولية الانحدار الكبير الذي تعانيه مصر الآن، ومع أنه يتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية، إلا أن التركيز على شخصه يترك انطباعا بأن مجرد إحلال شخص آخر مكانه سيحل المشكلة المستحكِمة، فلو جاء رئيس جديد للبلاد من نفس المنظومة واستطاع أن يخفف شيئا ما من الأزمة الاقتصادية، ويعالج بعض الأزمات القائمة، لاتبعته جماهير غفيرة لا تدرك حقوقها جيدا.

ولا يخفى أن المسؤول عن الوضع الحالي في مصر هو نظام متكامل فرضته السياسة الدولية على المصريين بالقوة والحيلة، والمساعدة السياسية والمعونة الاقتصادية والإعلامية المفتوحة؛ قد تظهر بعض الشخصيات والوجوه على سطح هذا النظام، إلا أن جذوره وأذرعه ممتدة في كل ناحية، بحيث إن سياسة الإقليم كله تصب في جانب بقائه واستمراره.

ومجرد وصول هذه الحقيقة إلى العقل المصري -بدون تهويل ولا استهانة، مع التبصير بقدرات الشعوب وإمكاناتها- يمكن أن يفتح الطريق إلى حلول متدرجة لأزمة الواقع المصري الخطيرة.

طبيعة الأزمة
يعتبر كثير من المصريين مشكلتَهم اقتصاديةً أولا وأخيرا، في حين أن الحقيقة هي أن الدكتاتورية العسكرية التي سيطرت على كل شيء في مصر هي مشكلة المشكلات، فهي التي ساقت البلاد إلى المنحدر الصعب الذي أهدر مكانتها الإقليمية، وهي التي نشرت الفقر والخوف في ربوع الوطن، وألغت حق الإنسان الطبيعي في وطنه، وقصرت خيراته على نفسها دون بقية الخلق ممن ورثوا العيش في هذا الوطن جيلا بعد جيل.

إن جذور شجرة الفساد المتفرعة في كل مجالات الحياة بمصر يمثلها الفساد السياسي الذي تديره الدكتاتورية العسكرية، وبدون تركيز الضربات على هذه الجذور بوسائل مدروسة وواضحة، ستبقى هذه الشجرة الخبيثة في أرض الكنانة تعبث بتاريخها وزمنها كله

ولا نريد التعميم أكثر من هذا، ونعود فنلتصق بالواقع الجزئي المباشر أو ما يسمونه الحياة اليومية للمواطن، بدءا من رغيف الخبز الذي كان يخرج من حقل الفلاح المصري منذ دهور طويلة، ثم حوّل الفساد الحاكم مصر في زمن حسني مبارك إلى أكبر مستورد للقمح في العالم، ثم حاول محمد مرسي وحكومته استعادة مجد الفلاح المصري، إلا أن الانقلاب الذي كان أسرع منه صنع مجدا من نوع آخر لمافيا استيراد القمح، أو مافيا صناعة الرغيف التي لا تراعي فيما يأكله الناس إلا أن يكون جالبا للربح الوفير لهم.

ومن عناصر الحياة اليومية التي تكشف عمق مأساة المصريين الحالية علاقة المواطن بأقسام الشرطة المسؤولة قانونا عن حفظ أمن الناس في بيوتهم وطرقهم، فقد صارت هذه الأقسام -بما أعطاها النظام من سلطات مطلقة في التعامل مع المواطنين، وما أعفاها منه من المحاسبة القانونية العادلة- عنوانا على الرعب والفساد، حيث لا اعتبار لأي قانون، بل حيث السلطة تسلُّطٌ وقهر وقتل، والرشا التي تأخذ أي شخص إلى مصير مجهول.

إن المصري -الذي يخرج بحثا عن عمل ولا يجده فيفكر في الانتحار- ينبغي أن يفهم أن الإجراءات الاقتصادية القاتلة التي يتخذها النظام هي السبب في أزمته، وعليه ألا ينحر نفسه.. بل ينحر الظلم الذي سلبه فرصته في الحياة. والفلاح الذي يكد ويتعب في حقله دون أن يجد لذلك ثمرة، عليه أن يعلم أن فأسه التي يشق بها الأرض ينبغي أن يشق بها صدور ظالميه -كما أوصاه جمال الدين الأفغاني من قبل- حتى تعود ثمرات تعبه إليه وإلى أبناء وطنه.

إن جذور شجرة الفساد المتفرعة في كل مجالات الحياة بمصر يمثلها الفساد السياسي الذي تديره الدكتاتورية العسكرية، وبدون تركيز الضربات على هذه الجذور بوسائل مدروسة وواضحة، ستبقى هذه الشجرة الخبيثة في أرض الكنانة تعبث بتاريخها وزمنها كله.

صفوف غير متراصة
ليس هناك صورة معينة أو وسيلة واحدة للتغيير السياسي والاجتماعي تصلح لكل حالة أو لكل أمة أو لكل عصر كما يثبت التاريخ، إلا أنه من المؤكد أنه لا نجاح لمن يواجه عدوه بصفوف متفرقة. ومع أهمية التخلص من الشخصيات الوظيفية التي يفرضها الخصم على المسيرة بصورة أو بأخرى لإضعاف العزائم أو تمييع الحلول أو تحريف المسيرة، إلا أن الحالة المصرية تحتاج في هذه الناحية إلى إدراك أمور مهمة في الطريق:

إن الهدف الآني الذي ينبغي تبنيه هو استعادة الديمقراطية، لكن الهدف الإستراتيجي -الذي يمكن من خلاله تحقيق الهدف الآني بصورة جيدة- هو إعادة صياغة الحياة الثقافية والاجتماعية، والعودة من الشتات النفسي والعقلي إلى نوع من الاستقرار الخصب

أولها: أن النخبة لن تستطيع الوصول إلى هدفها من الانتصار على الفساد إلا بأن تتحرك كالمحار (الذي يمثل عنصر الحياة) داخل الصدفة (التي تمثل عنصر الحماية)، ومن هنا لزم إيقاظ الناس بفعل إعلامي متنوع وضخم ومكثف، وإشراكهم في المعركة الكبيرة مع الفساد والدكتاتورية (يلاحظ أن المحار هو الذي يفرز الصدفة وأنه يموت بنزعها عنه)، ولا ينبغي أن تحول دون ذلك أخطاء سابقة أو مواقف مشينة تورطت فيها جماهير واسعة، فإن الله تعالى في جلاله لم يغلق باب التوبة في وجه عباده!

ثانيها: أن الاختلاف بين النخب الثورية ينبغي ألا يقف دون عملها معا، والعجز عن التوفيق بينها يعني بقاءها أهدافا سهلة لمخاطر تهدد باجتياح الجميع، حيث لا يبقى اختلاف ولا مختلفون!

ثالثها: أن السعي إلى استعادة الديمقراطية في مصر ينبغي تحويله إلى مشروع ممتد لاستعادة الذات المصرية بهويتها العربية الإسلامية، وانتمائها إلى أمتها وإقليمها انتماءً فاعلا وصانعا لواقع يخدم مصر وجيرانها، كما هي صورة مصر التاريخية.

إن الهدف الآني الذي ينبغي تبنيه هو استعادة الديمقراطية، لكن الهدف الإستراتيجي -الذي يمكن من خلاله تحقيق الهدف الآني بصورة جيدة- هو إعادة صياغة الحياة الثقافية والاجتماعية، والعودة من الشتات النفسي والعقلي إلى نوع من الاستقرار الخصب، وهذا كله يمكن البدء فيه في مسيرة المواجهة مع الدكتاتورية الحاكمة بمشروعها المدمر.

وأحسب أن المجتمع الدولي -الذي قد يمثل موقفه سببا لليأس- ليس من مصلحته أن يصيب الحياة العربية بتشوه أكثر من هذا الذي حدث خلال السنوات الأخيرة، ومن مصلحته أن يترك التجربة السياسية العربية تأخذ مجراها الطبيعي في معالجة قصورها بنفسها، ويقيم معها علاقات متوازنة لا تغرس أشواكا مبكرة في صفحات التاريخ القادمة.

المصدر : الجزيرة