عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

أمة قاصرة
عقدة النقص
الشعور بالاغتراب
تناغم مع العجز

تنتقل أمة العرب من رعب إلى رعب وهي تنتظر نتائج انتخابات الغير. بالأمس أصِبنا برعب بسبب فوز بنيامين نتنياهو وتشكيله للحكومة الإسرائيلية، وبدأنا نحسب لما سيفعله بنا والإهانات التي سيلحقها بنا، وأخذنا نتساءل عما إن كان سيقبل استسلامنا وخنوعنا وتنازلنا عن حقوق شعب فلسطين ومقدسات المسلمين.

ذرف بعضنا دموع الخيبة وفشل الرجاء، وكاد بعضنا الآخر أن يقيم حفلة لطم ونواح. وكان لافتا أن أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية قال إنه سيعتزل العمل السياسي إذا فاز نتنياهو وذلك تعبيرا عن "الحرد"، لكنه مات قبل أن يرى نتنياهو يُتوج على كرسي العرش.

لا يختلف المشهد الآن بعد فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية. لا أدري على من كنا نعول وماذا أردنا بالضبط من الانتخابات الأميركية؟ لكن النتائج أدخلتنا في متاهة بحر من التوقعات لما ستكون عليه سياسة ترمب.

هناك الآن -ومنذ فوز ترمب- ازدحام في وسائل الإعلام العربية حول ما يمكن أن تكون عليه سياسات الولايات المتحدة، ويبدو أن أغلب المقالات وأغلب اللقاءات التلفازية تبدي قسطا لا بأس به من التشاؤم حول ما سيفعله بنا ترمب.

أمة قاصرة
لو لم نكن أمة قاصرة لما علقنا آمالنا ورجاءنا على انتخابات الغير. على مدى عشرات السنوات وأمة العرب على المستويين الشعبي والرسمي تنتظر نتائج انتخابات إسرائيل وأميركا، عل وعسى أن يأتي رئيس يعطف علينا ونستدر شفقته، فيقرر أن يحفظ بعض ماء وجوهنا وينصفنا في بعض حقوقنا.

لو لم نكن أمة قاصرة لما علقنا آمالنا ورجاءنا على انتخابات الغير. على مدى عشرات السنوات وأمة العرب على المستويين الشعبي والرسمي تنتظر نتائج انتخابات إسرائيل وأميركا، عل وعسى أن يأتي رئيس يعطف علينا ونستدر شفقته، فيقرر أن يحفظ بعض ماء وجوهنا وينصفنا في بعض حقوقنا

لقد قررنا منذ زمن بعيد ألّا نصرّ على حقوقنا سواء في فلسطين أو في الثروات أو في الاستقلال وحق تقرير المصير، لكننا لم نصل بعد إلى التنازل الكلي الذي يضعنا في هاوية الانقراض. وكان ينقصنا عبر السنوات طلب تسجيلنا في لوائح الانتخابات الأميركية والإسرائيلية لنرجح كفة هذا على ذاك.

وقد رأينا عبر السنوات أن رجاءنا وأملنا خائبان أصلا، لأن كل المتنافسين انتخابيا ينظرون إلينا بعين الاستهتار والتندر، وهم يعرفون سلفا أن أمة العرب أعجز من أن يكون لها صدى على وضع الأمزجة الشعبية الانتخابية.

وبسبب اهتمامنا الزائد بانتخابات الأعداء نعطي انطباعا راسخا لدى كل مرشح بأننا أضعف بكثير مما يؤهلنا له حجمنا ومساحتنا وعدد دولنا، وأعجز من أن ندافع عن أنفسنا أو أن نحل مشاكلنا بأنفسنا ونعالج همومنا. استباقياً؛ نحن نعطي انطباعا سيئا عن أنفسنا، وإذا كان لدى المرشح الانتخابي بعض الاحترام لنا فإنه يتخلى عنه لصالح احتقارنا والاستهزاء بنا.

وإذا كانت لديه رؤية لإيجاد حلول لما نعاني منه فإنه سيعيد النظر فيها، لأنه يصبح على يقين بأننا لا نستحق وأننا دائما على هامش التاريخ وصناعة الحدث. نحن لا يخشانا أحد، ولا يفكر أحد في أننا يمكن أن ننهض لنكون رقما ولو هشا على الساحة الدولية.

وببساطة؛ يمكن للناخبين الصهاينة والأميركيين أن يسألوا عن سبب انتظار العرب لنتائج انتخاباتهم، في حين أن العرب لا يجرون انتخابات، وإن أجروها فهم لا يحترمون نتائجها. أي أن آمالهم معقودة على حرية الغير في الاختيار في حين أنهم لا يعترفون بحرية أنفسهم في الاختيار.

فلماذا لا يجرون انتخابات حرة ونزيهة وينتظرون فارسهم الجديد الذي يختاره الشعب؟ ماذا سنقول؟ نحن قبليون ونظامنا السياسي يقوم على الحاكم بأمر الله الذي يعرف كل شيء والذي لا يخطئ. ولدينا الاستعداد أن نجادل بأن نظامنا السياسي أرقى من أنظمتهم، ويقوم على أسس أخلاقية مختلفة عن سقوطهم الأخلاقي المتمثل في غياب غطاء الرأس عن رؤوس بناتهم ونسائهم.

عقدة النقص
بسبب عجزنا وضعفنا تولدت لدينا مشاعر النقص والدنو أمام أنفسنا وأمام الأمم الأخرى. نحن لا نشعر بالعز والفخار أمام الشعوب الأخرى، وينتابنا عادة الشعور بالتقزم أمام الآخرين، وتظهر علينا علامات التسليم للآخر على اعتبار أنه أكثر فهما واستيعابا ومعرفة.

وهذا واضح عندما يأتينا جربوع من دول غربية بصفة خبير فنحمله ونرقص به، بينما لدينا من الخبراء والعارفين من هم أرقى منه بكثير لكننا لا نثق بهم ولا بقدراتهم. الآخر هو صاحب العلم والابتكار، أما العربي فهو مجرد مستهلك يقتات على ما يبوح به الآخر من معارف وخبرات.

نحن نشعر بأن الآخرين هم الذين يملكون القدرات والطاقات لإحداث التغيير والسير قدما في طريق التقدم، وذلك لأننا أثبتنا فشلنا في مختلف مجالات الحياة عبر عشرات السنوات. نحن لم نتقدم إنتاجيا ولا إنسانيا، وبقي العلم والتقنية مواضيع استهلاكية نستوردها من الآخرين، وقلما حاولنا المساهمة في الحضارة الإنسانية. هناك من يقول: لا، نحن نشكل رقما مهما في الساحة الدولية، ونحن نتمتع بالنشاط والحيوية ونحن أصحاب قرار، هذا غير صحيح إلى حد كبير، وإن احتوى على صحة فبالقدر اليسير.

نحن هنا لا نتكلم عن العمارات والشوارع واقتناء السيارات الحديثة ولبس المجوهرات الثمينة، وإنما نتكلم عن القدرة الإنتاجية وعلى رأسها إنتاج الغذاء الذي نأكله، وعن التصنيع والتقدم العلمي والنهوض التقني الذي نصنعه بأيدينا، وعن المساهمة في الحضارة الإنسانية في مجالات العلوم والفنون والآداب والرياضة.

العرب مجتمعون لا يحصلون على ميداليات ذهبية مثلما تحصل كوبا وحدها في الألعاب الأولمبية، ونحن حتى الآن لسنا رياديين في مجال كرة القدم، أو كرة الطائرة أو السلة، ولسنا رياديين في حيازة جائزة نوبل، ولسنا رياديين في المجال العسكري، وسرعان ما نولي الأدبار أمام العدو. وتكفي هزائمنا أمام إسرائيل لنكون أصحاب قلة احترام أمام العالم.

وفي الآونة الأخيرة؛ أنجزنا فنونا في تدمير بيوتنا وقتل أبنائنا من أجل متاع سلطوي فانٍ، وشكلنا نموذجا للوحشية والهمجية والغباء أمام العالم. وصل العالم إلى مستويات عليا في الأخلاق والتقدير الإنساني، ونحن ما زلنا نلاحق الكلمة ونقمع المثقفين والمفكرين، ونحرص على تبجيل عظمة الحبر الأعظم الذي يقود أمة كما تقود الدابة قافلة الجمال وربما أسوأ.

الشعور بالاغتراب
فلا غرابة أن نكون مغتربين عن أنفسنا، وأن نشعر بأننا غرباء في وطننا، وغرباء عن أهلنا وبيوتنا وعن أنظمتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لا غرابة أن يشعر الفرد بأنه لا قيمة له بين أهله وفي وطنه، وأنه مجرد أداة أو دابة يسيرها آخرون وفق أهوائهم ومصالحهم. الاغتراب نفي للذات الإنسانية، ومن يعاني منه يعاني غياب الثقة بالذات وإثبات الذات، ويتحول إلى مجرد أداة بأيدي الآخرين.

نحن نشعر بأن الآخرين هم الذين يملكون القدرات والطاقات لإحداث التغيير والسير قدما في طريق التقدم، وذلك لأننا أثبتنا فشلنا في مختلف مجالات الحياة عبر عشرات السنوات. نحن لم نتقدم إنتاجيا ولا إنسانيا، وبقي العلم والتقنية مواضيع استهلاكية نستوردها من الآخرين، وقلما حاولنا المساهمة في الحضارة الإنسانية

المغترب عن نفسه مهمش ولا يشعر بذاته ولا وعي لديه بذاته أو مجتمعه أو وطنه، وهو قابل دائما لأن يستعمل ضد نفسه وضد أهله وذويه ومسانديه والمتعاطفين معه والذين يحاولون تحريره. المغترب مغيّب الوعي، هو لا يعي ذاته ولا قيمته وطاقاته ولا قوته التي يمكن أن تصنع الشيء الكثير له هو، وما يتراكم لديه من وعي هو مجرد تلقين يقرأه عليه الذي يستعبده، ويدخله في عقله تشريبا وصما وليس فكرا وفهما.

نحن العرب نعاني بصورة حديّة من الاغتراب لأن غيرنا سيطر علينا بأشكال متعددة سياسيا وفكريا وثقافيا واجتماعيا... إلخ. نحن لا نملك أنفسنا ولا نرسم سياساتنا ولا نقرر لأنفسنا، وهناك دائما من يقرر لنا ويرسم طرقنا وأساليبنا ومقارباتنا ووسائلنا، ولا مجال أمامنا إلا أن ننتظر لنعرف ماذا سيصنع الآخر بنا أو لنا، ولا عجب أن انتخابات الغير تشكل منعطفا تاريخيا بالنسبة لنا لأنها هي التي ستأتي بمن يأمرنا ويسيّرنا، ويرسم لنا مستقبلنا أو أغلبه على الأقل.

أفرزت الانتخابات الأميركية دونالد ترمب، ونحن كنا نعرف عنه الشيء اليسير، ولم يكن العالم يعرف عنه الشيء الكثير. ونحن بانتظار أن نرى سياسته تجاه إسرائيل وتجاه سوريا والعراق وروسيا والنفط ودول الخليج. نحن لم نحزم أمرنا منذ سنين ونجتمع لنقرر كيف يجب أن نتصرف لكي نكون أصحاب أنفسنا وقادرين على اتخاذ القرارات المناسبة لنا.

نحن بقينا على الهامش، وعاقبنا كل الذين انتقدوا الهامش وطالبوا بحرية الإنسان، ودفع الأمة نحو التقدم والنشاط والعطاء. ولم نبق لأنفسنا سوى الدعاء لترمب أن يرأف بنا، وألا يشدّ وثاقنا وأن يرخي الحبل ولو قليلا من حول رقابنا، ولا نسأله رد قراراته بل اللطف بنا.

تناغم مع العجز
المتتبع للإعلام العربي يلاحظ أنه انشغل كثيرا بفوز ترمب في الانتخابات، وأقام الكثير من الحوارات على شاشات التلفاز شارك فيها مختصون وأكاديميون وأصحاب رأي حول ما يجب أن نتوقعه من ترمب. أما الجرائد والمجلات فنشرت العديد من المقالات التحليلية لآفاق المستقبل المرتبط بترمب، وكذلك فعلت دور الإذاعات.

لا يشذ الإعلام عن انطباع جماهيري لدى ملايين الناس بأن أميركا هي التي تقرر وهي التي تتآمر، ولن يحصل شيء في منطقتنا العربية إلا إذا شاءت أميركا. أميركا لديها خطط جاهزة لتدبير الأمور، والفعل يبدأ عندما يحين الوقت المناسب بالنسبة لها

لا توجد وسيلة إعلام عربية واحدة لم تستضف متحاورين حول كيفية معالجة ترمب لمشاكل وهموم العرب. وفي المقابل، لم نجد وسيلة إعلام واحدة تقيم حوارات حول ما يجب أن يقوم به العرب لمواجهة التحديات التي يمكن أن يفرضها ترمب، أو حول السياسات التي يجب اتباعها من قبل العرب للتأثير على قرارات ترمب وسياساته.

لقد افترضت وسائل الإعلام -كما يفترض ملايين العرب على المستويين الجماهيري والرسمي- أن العرب لا حول لهم ولا قوة وهم ليسوا لاعبين مهمين على الساحة الدولية، ولا يملكون المقومات التي يمكن أن تضعهم في خانة صناع السياسات، وهم مجرد مستهلكين وعالة على الآخرين. الإعلام يفترض أن العرب مجرد أدوات، ويسلم أمره وأمر العرب لمن يتمكن من الهيمنة والسيطرة.

وفي هذا لا يشذ الإعلام عن انطباع جماهيري لدى ملايين الناس بأن أميركا هي التي تقرر وهي التي تتآمر، ولن يحصل شيء في منطقتنا العربية إلا إذا شاءت أميركا. أميركا لديها خطط جاهزة لتدبير الأمور، والفعل يبدأ عندما يحين الوقت المناسب بالنسبة لها.

فإلى متى سنبقى نندب حظنا وسوء مصيرنا وإهدار طاقاتنا؟ لا أعلم، لكن حالنا سيبقى مُزريا ما دامت العصابات السياسية القائمة حاليا هي التي تحكم. حصل حراك عربي عقد الناس عليه آمالا كثيرة، لكنه لم يكن على قدر التطلعات، ولم نجن منه سوى صور قبيحة أمام العالم عن العرب وتعطشهم للقتل وسفك الدماء.

المصدر : الجزيرة