ساري عرابي

ساري عرابي

ساري عرابي

تجدد الشرعيات
عناوين خطيرة

تزدحم العناوين العريضة التي تُعرف بالمشهد الفلسطيني الجاري، بقدر ما يزدحم هذا المشهد بالأحداث الهامة، والهواجس القلقة، والأزمات المستحكمة، وتكاد تستغرق هذه العناوين والأحداث كل الفاعلين المهمين في الساحة الفلسطينية، بما يتصل بمجال فعلهم من الاحتلال، إلى دول الإقليم، عربية وغير عربية، إلى القوى الكبرى في هذا العالم.

كان آخر تلك الأحداث عودة الكثافة إلى عمليات الطعن الفردية، التي أطلقت الموجة الانتفاضية قبل عام تقريبا، فيما عُرف بـ "انتفاضة القدس"، وكانت هذه العودة في ذات الوقت الذي قامت فيه محكمة العدل العليا الفلسطينية بتأجيل الانتخابات المحلية في خطوة بدت مسيسة أكثر مما هي قانونية، على نحو فضح أزمة السلطة الفلسطينية وحزبها الحاكم.

وإذا كان القضاء المُسيس هو الملاذ الذي أسعف حركة فتح لإعادة النظر في مبدأ أو شكل وآليات إجراء الانتخابات المحلية، قد دل على أزمة الحركة التي تتمتع بحرية عمل مطلقة في الضفة الغربية بخلاف منافستها التقليدية حركة حماس المحظورة من طرف الاحتلال، والملاحقة من طرف السلطة والمحاصرة في غزة، فإن تزامن تصاعد الفعل النضالي الفردي مع أحاديث الانتخابات ينطوي على دلالات كبرى تحمل بدورها إجابات مغايرة على أسئلة الراهن الفلسطيني.

video

ولأن الانتخابات المحلية لم تكن لتفتح أي نافذة في جدار أي من المشكلات الفلسطينية الراهنة المستعصية، فضلا عن أن تسير بالقضية الفلسطينية خطوة إلى الإمام، فإنها لم تكن أكثر من خطوة تفردت بها قيادة السلطة خارج إطار التوافق الوطني أو متطلبات المصالحة، حتى وإن قررت حماس المشاركة فيها لاحقا، بالرغم من ظروفها القاسية في الضفة الغربية.

ومن الواضح أن الهدف كان في الأساس تجديد الشرعية لحركة فتح وقيادتها عبر انتخابات تمثيلية واسعة حتى لو كانت فقط للمجالس المحلية، وسحب الشرعية من حركة حماس التي لم تزل تحكم قطاع غزة بأثر مفاعيل آخر انتخابات تشريعية عامة جرت قبل أكثر من عشر سنوات.

لكن وبسبب إسقاط بعض قوائم فتح في غزة قانونيا، نظرا لعدم أهليتها واقترافها مخالفات قانونية، وعدم قدرتها على تشكيل قوائم جاذبة للناخب في مدن الضفة الغربية، وانقسامها في بعض المدن الكبرى بالضفة، وعجزها عن إفشال الشكل المتستر الذي قررت حماس اعتماده للمشاركة، أي بدعم قوائم مستقلين، بالرغم من التهديدات التي طالت تلك القوائم، واعتقال الاحتلال لبعض الفاعلين في إطار جهود حماس الانتخابية؛ قررت فتح إعادة النظر في إجراء الانتخابات أو في شكلها.

وبحسب قرار المحكمة العليا، والذي تأجل مرتين حتى الآن، وعلى نحو يجعل من إجراء الانتخابات في موعدها مستحيلا، يمكن توقع مآل الانتخابات المحلية، إذ تقدمت بعض الجهات المحسوبة على فتح بالطعن على إجراء الانتخابات بحجة استثنائها القدس، (ليس ضواحي القدس التابعة للسلطة مدنيا وإنما الأحياء الخاضعة لبلدية الاحتلال والتي يحمل سكانها الهويات الزرقاء)، وأيضا بحجة افتقار المؤسسات ذات الصلة في غزة الشرطية والقانونية، لشرعية إدارة الانتخابات.

علما بأن الانتخابات المحلية الجدية التي أجريت في العام 2005، والشكلية التي أجريت في العام 2012، قد استثنت القدس الخاضعة لبلدية الاحتلال، وبالتالي من غير المتوقع أن تعتد المحكمة بهذا الطعن، لأن ذلك يعني وقف الانتخابات إلى ما بعد تحرير القدس!

وفي حال بنت المحكمة قرارها على قبول الطعن بشرعية الإدارة في غزة، فإن هذا إما أن يُستخدم لوقف الانتخابات إلى ما بعد المصالحة، أو إجرائها في الضفة دون غزة كما حصل في العام 2012، أو تأجيلها إلى أجل مسمى أو غير مسمى، وفي الأحوال كلها فإن هذا يفشل مساعي قيادة السلطة وفتح في تعزيز الشرعية، ويقوي من موقف حماس بدلا من أن يضعفه.

تجدد الشرعيات
الملاحظة المتكررة هنا، أن أزمة الحركة التي تحكم الضفة الغربية، وتتمتع بحرية عمل مطلقة، وبعلاقات مفتوحة مع القوى المتعددة المتصلة بالموضوع الفلسطيني، تبدو أكبر وأعمق من أزمة الحركة المحظورة والملاحقة والمحاصرة، بيد أن أزمة حماس في جزء كبير منها طبيعية، كونها ناجمة في الأساس عن طبيعة موقفها من الاحتلال، وتبنيها للمقاومة، ودفعها ثمن ذلك.

video

وإذن فإن أزمة فتح نتاج الموقف المقابل لموقف حماس، فقد فشلت في إجراء انتخابات محلية في وقتها، بالرغم من تمتعها بكل الظروف الموضوعية المواتية، حينما قررت الحركة المحاصرة مواجهتها، وذلك لأن ظروف فتح الذاتية لم تعد مواتية، بعدما فشل مشروعها السياسي، وكف عن القدرة على تقديم أي وعود للفلسطينيين، لا سياسية ولا اقتصادية ولا غير ذلك.

وطالما أن هذه الانتخابات على النحو سالف الوصف، فإنها لا تملك مفاتيح الانتقال بالحالة الفلسطينية أي خطوة للإمام، بل إنها فوق ذلك، لم تأت خطوتها -في الأساس- إجراء أو وقفا أو إلغاء، في أي سياق وطني عام يروم الخروج من الحالة، أو يبحث عن فرصة للانتقال بالوضع الفلسطيني صوب حال أحسن، وإنما كانت لأسباب حزبية ضيقة، لا تخلو من المناكفة ونوايا الإقصاء.

إن هذه الأزمة المركبة، التي تُسفر عن نفسها بوضوح في الوقت ذاته الذي تتصاعد فيه مجددا عمليات المقاومة الفردية، تحيل إلى الإجابات الأكثر ملاءمة للحالة الفلسطينية الراهنة، والتي تعبر عنها مباشرة عمليات المقاومة الفردية، فهذه العمليات من جهة تُجدد الحلول التي ينبغي انتهاجها في مواجهة الاحتلال، كما أنها تُجدد أصل الشرعيات في ظل الاحتلال.

فالاحتلال ما زال موجودا، والأسباب المباشرة لموجة هذه العمليات المتجددة منذ سنة، والتي بدأت إرهاصاتها منذ سنتين، ما زالت قائمة، فالاستيطان وجودا وعدوانا مباشرا كما هو، وانتهاك قداسة المسجد الأقصى من قبل المحتلين كما هو، ومشروع التسوية قد فشل تماما، ويبحث الاحتلال الآن عن حلول بديلة يتخلص فيها من أي ممثل سياسي للفلسطينيين.

والحركة الفلسطينية التي تقود مشروع التسوية، تفشل في أبسط الاختبارات، فلم يعد بعد ذلك أمام الفلسطيني إلا الخيارات الأصيلة، أي العودة لمقاومة الاحتلال.

هذه العودة، وإن لم يكن مقدرا لها النجاح في الوقت القريب، نظرا لطبيعة الشروط الموضوعية الراهنة المعطلة، والتي أهمها وجود سلطة محلية ترفض انتهاج أي شكل جدي من أشكال المقاومة الفاعلة ضد الاحتلال؛ فإنها -أي العودة للمقاومة حتى بطابعها الفردي- مساهمة شعبية ومجتمعية صرفة في اقتراح الحلول التي تضع الشعب في موقعه الصحيح.

وهي، ومع فشل قيادة السلطة في تجديد الشرعية، تُرجع مفهوم الشرعية إلى أصوله الصحيحة، إذ ومع هذا الواقع المستحكم الإغلاق، ومع فشل مشروع التسوية، واستمرار الاحتلال، تظل المقاومة هي صاحبة الشرعية الأصيلة، وبهذا تُجدد حماس شرعيتها، بصفتها حركة مقاومة فاعلة، حتى وإن لم تتمكن من تجاوز المعيقات التي تعترضها بالضفة الغربية.

عناوين خطيرة
جاءت فكرة الانتخابات المحلية، في الوقت ذاته الذي تصاعد فيه الحديث عن مشروع الإدارات المحلية التي قد يُحلها الاحتلال مكان السلطة، لاسيما مع الفشل النهائي لمشروع حل الدولتين، وضيق الاحتلال بأي ممثل سياسي للفلسطينيين مهما كان سقفه واطئا.

video

عزز هذه المخاوف المواقف العلنية التي أبدتها أوساط مهمة في قلب المؤسسة الصهيونية، نادت بضم الضفة وإنهاء السلطة، وزامن ذلك الحديث عن كونفدرالية فلسطينية مع الأردن، بحيث تضم "إسرائيل" الأرض، دون التجمعات السكانية، التي أحالتها بنمط الاستيطان الذي اتبعته إلى كانتونات منعزلة، الأمر الذي قد يحولها إلى إدارات محلية، لن تكون أعلى سقوفها السياسية إلا الكونفدرالية مع الأردن.

هذه الفكرة تحتاج إدارة سلسلة، تتمثل بقيادة فلسطينية جديدة، تقبل النهوض بفكرة كهذه، وهذا يتطلب بدوره أن تتمتع هذه القيادة بشرعية طبيعية، ومن هنا جاءت ضغوط ما سمي بالرباعية العربية على الرئيس الفلسطيني، لقبول المصالحة مع غريمه محمد دحلان.

ولأن المشروع الذي يجري إعداده بهذه الخطورة، فإنه يتطلب إن أمكن أن تصل هذه القيادة في سياق مصالحة شاملة، حتى تتمتع خطواتها بالشرعية المطلوبة، ولتلافي التوترات التي قد تنجم عن الإحلال الخشن للقيادة الجديدة، ولذلك ليس من المستغرب أن تحاول دول الإقليم التأثير على انتخابات حماس الداخلية أيضا.

وعلى هذا فإن من العناوين الخطيرة في هذه المرحلة، خلافة عباس، وانتخابات حماس، والمشروع التصفوي الذي يجري الإعداد له في السنوات الأخيرة، والذي يتولى كبره تكتل الثورة المضادة في المشرق العربي.

مواجهة هذا المشروع الخطير لا يحتاج إلى الكثير من الأفكار، ولكنه يحتاج إرادة بالعودة إلى المقاومة ممارسة طبيعية ضد الاحتلال، ومصدرا أصيلا للشرعيات، وفي حال لم تتوفر هذه الإرادة لدى حركة فتح، فإن المطلوب من حماس المزيد من الوعي والإدراك والحذر في هذه المرحلة بالغة الخطورة.

المصدر : الجزيرة