كريس باتن

كريس باتن

رئيس جامعة أوكسفورد


أصبحت نهاية الحملة البائسة لإخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي -خلافا لنصيحة أصدقائنا في مختلف أنحاء العالم- على بُعد أقل من شهر.

يُنكِر أنصار خروج بريطانيا كل الأدلة التي تؤكد الأضرار الاقتصادية التي قد تلحقها المملكة المتحدة بنفسها بخروجها. ويشبه تجاهل العقل والحقائق على هذا النحو ما يفعله دونالد ترامب، نجم تلفزيون الواقع والمرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري، الذي يبدو أسلوبه السياسي وكأنه عبر المحيط الأطلس بتذكرة رخيصة.

إذا اختار الناخبون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي فسوف تختل كل الرهانات، وسوف تقفز المملكة المتحدة بهذا إلى المجهول. ولكن من حسن الحظ أن المقامرين يتوقعون على نحو متزايد أن الناخبين سوف يقررون البقاء. ولكن حتى لو كانت الغَلَبة للعقل في نهاية المطاف فإن التأثير الناتج عن هذه النوبة ـ(المزيج السام الذي يجمع بين الطموح المرضي -من جانب عمدة لندن السابق بوريس جونسون بشكل خاص-، وتضليل الذات، والكذب) سوف يظل باقيا لفترة طويلة بعد إعلان النتائج.

يُنكِر أنصار خروج بريطانيا كل الأدلة التي تؤكد الأضرار الاقتصادية التي قد تلحقها المملكة المتحدة بنفسها بخروجها. ويشبه تجاهل العقل والحقائق على هذا النحو ما يفعله دونالد ترامب، الذي يبدو أسلوبه السياسي وكأنه عبَر المحيط الأطلس بتذكرة رخيصة

يواجه رئيس الوزراء مهمة لا يُحسد عليها تتمثل في محاولة لملمة شتات حزب المحافظين مرة أخرى. وسوف يحتاج إلى إيجاد التوازن بين الشهامة والتأكيد القوي على الزعامة. فلن يُفلِح أبدا دفع ضريبة الأرض لأعضاء غير مخلصين في البرلمان؛ فإذا منحتهم كعكة واحدة فسوف يعودون على الفور تقريبا للمطالبة بأخرى. والأمر الأكثر أهمية لمستقبل كاميرون هو ما إذا كان قادرا على إقناع الخاسرين بقبول قرار الناخبين، بدلا من الانسلال بعيدا للتخطيط لتمرد آخر.

من المفهوم أن يستنتج كاميرون أن أوروبا هي آخر ما قد يرغب في إنفاق وقته عليه هذا الصيف. ولكن من أجل بلاده، وأوروبا، ينبغي لكاميرون أن يأخذ زمام المبادرة في محاولة وضع سياسة جديرة بالمصداقية في التعامل مع الهجرة الجماعية، وهي ليست مجرد قضية قصيرة الأمد تدفعها الصراعات في سوريا وأفغانستان؛ بل هو التحدي الذي سيواجه أوروبا لعقود من الزمن.

خلال القرن التاسع عشر، عندما ازداد عدد سكان أوروبا من خُمس إلى ربع مجموع سكان العالم، ترك الملايين بلدانهم الأصلية إلى قارات أخرى. ففي الفترة بين عام 1815 وعام 1932، هاجر نحو 60 مليون أوروبيا. وفي بداية الحرب العالمية الأولى، كان اثنان تقريبا من كل خمسة أشخاص في مختلف أنحاء العالم ينتميان إلى أصول أوروبية.

واليوم انقلب التوازن تماما. فقد انخفض عدد سكان أوروبا إلى أقل كثيرا من 10% من مجموع سكان العالم، وسوف يسجل المزيد من الانخفاض مع ارتفاع أعداد السكان إلى عنان السماء في أماكن أخرى.
على مدى السنوات الأربعين الماضية، ارتفع عدد سكان مصر من 39 مليون نسمة إلى 93 مليون نسمة.
وخلال فترة مماثلة، تضاعف عدد سكان أثيوبيا إلى ثلاثة أمثاله، لكي يبلغ 101 مليون نسمة. كما اتبعت نيجيريا، وهي موطن أكثر من 186 مليون نسمة اليوم، مسارا مماثلا؛ ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكانها إلى نصف مليار نسمة بحلول عام 2050. وخلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، من المتوقع أن ينمو سكان أفريقيا ككل من نحو مليار واحد إلى 2.5 مليار نسمة.

إن الدول الفاشلة -كما تعلمنا- تصدر مشاكلها وشعوبها. وتشهد دول العالم الأشد فقرا أسرع معدلات النمو السكاني. وشعوب هذه الدول هي الأكثر شبابا على الإطلاق، وفي كثير من الأحيان تكون بين الأكثر ترجيحا لمعاينة انهيار الحكم.

إن الدول الفاشلة -كما تعلمنا- تصدر مشاكلها وشعوبها. وتشهد دول العالم الأشد فقرا أسرع معدلات النمو السكاني. وشعوب هذه الدول هي الأكثر شبابا على الإطلاق، وفي كثير من الأحيان تكون بين الأكثر ترجيحا لمعاينة انهيار الحكم

وسوف تفرض التدفقات البشرية الناجمة عن ذلك ضغوطا شديدة على الدول المتقدمة، وخاصة في أوروبا. ولن تكون إقامة المزيد من الحواجز والأسلاك الشائكة استجابة كافية على الإطلاق. لقد أصبح البحر الأبيض المتوسط -وهي مأساة حقيقية- مقبرة لبعض هؤلاء البشر، ولكنه لا يشكل حاجزا إلا لقلة منهم. ولن تتمكن حتى الدول الجزر مثل المملكة المتحدة من التصدي لتحدي الهجرة بمفردها.

الواقع أننا في احتياج إلى برنامج طويل الأمد يناقشه ويوافق عليه جيراننا والولايات المتحدة. ويتعين علينا أن ننسق سياساتنا الخارجية والأمنية والتنموية من أجل منع الهجرة الجماعية التي لا يمكن السيطرة عليها وإدارتها، وهي الظاهرة التي من شأنها أن تؤدي إلى العديد من الوفيات بين المهاجرين وتأجيج مشاعر كراهية الأجانب في الدول التي يحاولون الوصول إليها.

من الأهمية بمكان أن نتفق على كيفية التعامل مع الدول الفاشلة والمساعدة في وضعها من جديد على أقدامها. وينبغي لنا أن نستخدم مساعداتنا الإنمائية إستراتيجيا، لمساعدة الدول الفقيرة في تحقيق النمو وتزويد مواطنيها بسبب للبقاء في الديار.

ونحن في احتياج أيضا إلى سياسات أكثر عدوانية في التصدي لتهريب البشر، بدعم من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عند الضرورة. وينبغي لنا أن نعمل على نشر المزيد من الموارد البحرية في البحر الأبيض المتوسط وزيادة إنفاقنا على أمن حدود أوروبا.

سوف يصب مثل هذا الجهد في مصلحة الجميع، وخاصة الفقراء في أفريقيا وغرب آسيا. وعندما يتفقَّد كاميرون الوعاء السياسي المكسور في نهاية يونيو/حزيران فإن تحمل المسؤولية عن هذا الجهد ــ على رأس البلد الذي يشكل جزءا أصيلا من الاتحاد الأوروبي- سوف يصب أيضا في مصلحته إلى حد كبير.

المصدر : بروجيكت سينديكيت