ساري عرابي

ساري عرابي

ساري عرابي

في لحظة القرار
إيجابيات القرار
سرّ السيسي

قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي صدر مساء الجمعة 23 ديسمبر/كانون الأول، وتضمن إدانة واضحة ومباشرة للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية و"القدس الشرقية"، انطوى على مسألتين مهمتين، تتصل الأولى منهما بالقرار ذاته ومفاعيله فيما يخصّ القضية الفلسطينية، وتتعلق الثانية بالسلوك المصري إزاء القرار وما استتبعه من مفارقات ودلالات.

في لحظة القرار
بداهة لا يُتوقع من أي منظمة دولية تتسع للعضوية الإسرائيلية -وهذا حال الأمم المتحدة- أن تتبنى في قراراتها وجهة النظر الفلسطينية الأصيلة أو مواقف المقاومة الفلسطينية، لاسيما أن الأطروحة الوحيدة المقدمة اليوم عربيا ودوليا للقضية الفلسطينية هي مشروع حل الدولتين عبر التسوية السلمية، ولكن هذا الصراع الطويل والمرير سيحسم في النهاية بالمراكمة.

وإذا كان القرار يفتقر إلى الأدوات التنفيذية الكفيلة بحمل "إسرائيل" على تنفيذه، فإنّه جاء في لحظة بالغة الحرج فلسطينيا ودوليا، فبينما تتصاعد الرؤية الإسرائيلية الداعية إلى ضمّ الضفة الغربية أرضا بلا سكان، يُصوت الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى على قانون "التسوية" الذي يُشرّع البؤر الاستيطانية.

أما دوليا فإن الغموض الإستراتيجي يخيم على العالم كله لا على المنطقة العربية فحسب، وهو الأمر الذي يتعمق مع رحيل إدارة أوباما التي تغادر مع انقسام المؤسسة الأميركية بشأن المقاربات اللازمة تجاه المنطقة والأولويات الأميركية في العالم، ومع مجيء إدارة جديدة تبدو أسوأ من كل ما سبقها وإن كانت سياساتها لا تزال مجهولة، ورئيسها غريب الأطوار ويفتقر إلى التجربة السياسية.

إن استثمار الفرصة -في لحظة حرجة هذا وصفها- لصالح القضية الفلسطينية هو خطوة في مراكمة الفعل، دون أن يعني ذلك تعلق النضال الفلسطيني بأوهام الشرعية الدولية، ودون أن يكون هذا هو السبيل الوحيد لمواجهة الكيان الصهيوني، لأن الموضوع برمته منوط بمثابرة العرب والفلسطينيين وقدرتهم أولا على تعزيز هذه القرارات، وثانيا على توظيفها الانتقائي في عزل "إسرائيل" ومقاطعتها وشرعنة المقاومة الفلسطينية.

الغموض الإستراتيجي يخيم على العالم كله لا على المنطقة العربية فحسب، وهو الأمر الذي يتعمق مع رحيل إدارة أوباما التي تغادر مع انقسام المؤسسة الأميركية بشأن المقاربات اللازمة تجاه المنطقة والأولويات الأميركية في العالم

فبالرغم من بناء القرار على مشروع حل الدولتين، وتضمنه دعوة لمنع "جميع أعمال العنف ضد المدنيين بما فيها أعمال الإرهاب" دون تفصيل، وهو ما يمكن توظيفه ضد المقاومة الفلسطينية، وكذلك دعوته الطرفين إلى "الامتناع عن الأعمال الاستفزازية والتحريض والخطابة الملهبة للمشاعر"، بما يصادر حق الفلسطينيين حتى في درجة دنيا من المقاومة وإثارة الوعي وهي التحريض ضدّ الاحتلال، فإن فصائل المقاومة الرئيسة (حماس والجهاد الإسلامي) قد رحّبت به.

إيجابيات القرار
إن جوهر القرار -إن في ديباجته أو بنوده- يقصد تأكيد انتفاء الشرعية عن السلوك الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وشرقي القدس، وعدم اعتراف مجلس الأمن بأي تغييرات تجريها "إسرائيل" على هذه الأرض منذ عام 1967، وإدانة التدابير الرامية "إلى تغيير التكوين الديمغرافي وطابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967"، مع تأكيده أن "على جميع الدول عدم تقديم أي مساعدة لإسرائيل تستخدم خصيصا في النشاطات الاستيطانية".

وحينما يخرج قرار بهذه الصيغة بتصويت 14 دولة، وامتناع دولة واحدة عن التصويت هي الولايات المتحدة الأميركية، في فرصة نادرة في التاريخ لا تستخدم فيها أميركا حق النقض (الفيتو) لحماية "إسرائيل"، وقبل مجيء إدارة دونالد ترمب التي تعول عليها المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة لتمرير مشاريعها الاستيطانية؛ فإنها حركة استباقية وفرصة يمكن استثمارها لعزل "إسرائيل" دوليا، وتعزيز حركة المقاطعة ضدها.

من الناحية العملية فإن "إسرائيل" -التي أقامتها القوى الكبرى وبقرارات الأمم المتحدة- يحتاج النضال ضدها على الأرض بما في ذلك القتال إلى عزلها دوليا، وتدعيم أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى مقاطعتها، لأن من ركائز القوّة الصهيونية الحمايةَ الدولية، وتهشيمُ هذه الحماية ينبغي أن يكون هدفا كفاحيا للفلسطينيين.

لكن هذه القرارات لا تنعكس مفاعيلها في واقع الصراع إلا بقدرة العرب والفلسطينيين على استثمارها، إنْ بالاتفاق على أدوات المقاومة الفعلية والعمل على حمايتها إقليميا ودوليا، أو بحشد الجهود السياسية والإعلامية والقانونية في معركة حقيقية ومفتوحة لعزل "إسرائيل" دوليا.

تجربة هذا القرار وامتناع أميركا عن التصويت يشيران إلى أن الإمكانية كانت مفتوحة دائما لفعل المزيد عربيا وفلسطينيا، لأن العالم ليس كتلة مصمتة، وأميركا نفسها لا تخلو من التناقضات التي يمكن الاستفادة منها، ولكن المشكلة لم تكن موضوعية فحسب، ولكنها في جانب منها مشكلة ذاتية عربية وفلسطينية.

لكن وبالرغم من هذه المشكلة العربية والفلسطينية واستمرار العجز -أو انعدام الإرادة- عن السير في خطّة جادّة وقوية لعزل "إسرائيل"، فإن فشل القرار في كل الأحوال كان سيصبّ في صالح السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، إذ كان هذا الفشل سيمنحها -في أقل أحواله- شرعية معنوية، وفي المقابل فإن نجاحه مكسب معنوي للفلسطينيين، ولكنه مكسب يمكن الاستفادة منه والبناء عليه.

سرّ السيسي
السلوك المصري بخصوص القرار يندرج في هذه المشكلة العربية، وهي مشكلة كانت قائمة دائما في مقاربتها للقضية الفلسطينية، ولكن الانكشاف العربي لم يكن في أي يوم كما هو الحال الآن، وذلك لأن العلاقات المصرية الإسرائيلية لم تكن يوما بالمتانة التي هي عليها منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي.

العالم ليس كتلة مصمتة، وأميركا نفسها لا تخلو من التناقضات التي يمكن الاستفادة منها، ولكن المشكلة لم تكن موضوعية فحسب، ولكنها في جانب منها مشكلة ذاتية عربية وفلسطينية

يبدو السلوك المصري هنا في ظاهره متناقضا ومرتبكا، وذلك لأن مصر هي التي تقدمت بمشروع إدانة الاستيطان الذي سحبته لاحقا، وهو ما يستدعي السؤال لا عن سحب المشروع إذ إن ذلك متوقع بالنظر إلى علاقات السيسي بالإسرائيليين، ولكن عن تقديم المشروع في الأساس؟!

الحقيقة أن مشروع القرار ليس عملاً مصريا خالصا، وإنما هو ثمرة عمل عربي مشترك تمثله كل من اللجنة الوزارية العربية المعنية بالشأن الفلسطيني والمجموعة العربية في الأمم المتحدة، ولأن مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي تتمتع الآن بعضوية مؤقتة في مجلس الأمن، فإنها السبيل الطبيعي للمجموعة العربية لطرح المشروع على مجلس الأمن.

وبالرغم من تدني السقف العربي فيما تعلق بالصراع مع الكيان الصهيوني، فإن هناك ثوابت عربية تشكلت في حدود هذا السقف، من ضمنها رفض الاستيطان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وقد صار هذا الموقف جزءًا من فكر وممارسة الدبلوماسية العربية.

والذي يبدو أن البعثات المصرية ذات الشأن قد تصرفت بشكل احترافي وبيروقراطي معتاد وعلى أساس ما استقر لدى الدبلوماسية العربية بخصوص القضية الفلسطينية، مع لمسة مصرية خاصة تمثلت في النصوص المشكلة والسيئة التي أقحمت على نص القرار. فالخلل الذي يفسر تناقض وارتباك الموقف المصري قد يكون في ضعف التنسيق المصري الداخلي ما بين الجهات الدبلوماسية وعبد الفتاح السيسي.

أما سحب مشروع القرار فهو نتيجة لاتصال الإسرائيليين بالسيسي، فبحسب ما نشرته نيويورك تايمز في 22 ديسمبر/كانون الأول وبحسب معلومات من داخل فريق ترمب، فإن السيسي هو الذي بادر بالاتصال بترمب ليخبره بنيته تأجيل مشروع القرار قبل أن يقرر سحبه لاحقا. وهذا يعني غالبا كذب ما أشاعه المصريون -لتبرير سحبهم مشروع القرار- عن مبادرة ترمب بالاتصال ووعده بتقديم أفكار لحل الصراع ينبغي ألا تكبلها قرارات مسبقة!

ذات الصحيفة تحدثت عن اتصال الإسرائيليين بالمصريين لسحب القرار بعدما تبين أن أميركا لن تستخدم حقها في "الفيتو"، وقد كانت الاستجابة المصرية بهذا الشكل من الوضوح والإمعان حتى ولو تعرضت مصر لهذا القدر الهائل من الإحراج، وحتى لو أعادت دول أخرى (هي السنغال وماليزيا وفنزويلا ونيوزيلندا) تقديم المشروع، الأمر الذي يعني أن علاقات السيسي بالإسرائيليين عميقة ومتينة إلى هذه الدرجة!

هذه المفارقة عبّرت عنها الصحافة الإسرائيلية التي شكرت السيسي بالخط العريض وهاجمت الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهي مفارقة تختصر حكاية الانقلاب المصري كلها، إذ يبدو أن الدور الإسرائيلي خلف الانقلاب كان قديما وعميقا، بما يفسر كلمة رئيس الهيئة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية عاموس جلعاد حينما قال إن "السيسي معجزة إسرائيل".

المصدر : الجزيرة