نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

سلوك قديم
جريمة أخرى ناطقة
فرصة للتصحيح

في موجة البحث المصري عن الذات التي تلت ثورة 25 يناير، جرت سلسلة من المحاكمات المهمة لرموز نظام حسني مبارك؛ كان من أبرزها محاكمة حبيب العادلي آخر وزير داخلية في مصر قبل الثورة، ومن أخطر ما توصلت إليه المحاكمات الأولية إدانة العادلي بتدبير حادث تفجير رأس السنة في كنيسة القديسين بالإسكندرية عام 2011، وإن كانت موجة البراءات التي تلت ذلك قد أعفت الرجل من أي مسئولية عن الحادث وكثير من الجرائم الأخرى.

سلوك قديم
لم يكن هذا التفجير سلوكا جديدا للأنظمة المستبدة، بل هي عادة لها ربما تنتمي إلى زمن بعيد، لكن من الصعب أن تقتنع الجماهير البسيطة في بلادها بأن حكومة ما يمكن أن تتولى بنفسها افتعال الجرائم وتدبير الانفجارات في البلد الذي تحكمه، وتُعَد مسئولة عن أمنه وحمايته ومقاومة الجريمة فيه؛ إذ إن تفكير رجل الشارع -بقطع النظر عن وظيفته- يبدو أنه لا يستوعب هذه المسألة إلا بدليل وبرهان مباشر.

وثمة شهادة تاريخية شهيرة لأحد "الضباط الأحرار" في ثورة 1952 المصرية، هو خالد محيي الدين، بأن جمال عبد الناصر هو الذي افتعل تفجيرات عام 1954 في القاهرة لإلهاء الناس عن حقيقة ما يجري من السطو على السلطة والدولة المصرية.

تجددت جرائم الحكومات تجاه المسيحيين المصريين في عهد المجلس العسكري في أحداث ماسبيرو الشهيرة التي فضت فيها قوات الشرطة العسكرية والأمن المركزي اعتصاما أزمع المسيحيون عقده عند مبنى الإذاعة والتلفزيون الشهير بماسبيرو

وهناك شهادة أخرى لحسن التهامي -وكان من الضباط الأحرار كذلك- عن تدبير عبد الناصر لحادث المنشية سنة 1954 حتى يرفع أسهمه جماهيريا، ويطيح بخصومه من زعامات الإخوان المسلمين الذين حُكم على كبارهم حينئذ بالإعدام، وغُيِّب معهم الآلاف خلف الأسوار.

إلا أن إدانة العادلي بارتكاب جريمة "القديسين" قبيل طوفان 25 يناير 2011 أوصل إلى الجماهير المسيحية المصرية رسالة -من المفترض أنها واضحة جدا- مفادها أن مبارك ونظامه كانوا يتاجرون بدمائهم، ويفتعلون أحداث الفتنة الطائفية، وأنهم لكي يحققوا هدفا -مثل التغطية على أزمة أو قرار أو قانون ما أو للتخلص من استحقاق أو آخر- كانوا مستعدين للعبور إلى ذلك على جسر من دماء المواطنين مسلمين ومسيحيين.

جريمة أخرى ناطقة
وتجددت جرائم الحكومات تجاه المسيحيين المصريين في عهد المجلس العسكري في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2001 في أحداث ماسبيرو الشهيرة التي فضت فيها قوات الشرطة العسكرية والأمن المركزي اعتصاما أزمع المسيحيون عقده عند مبنى الإذاعة والتلفزيون الشهير بماسبيرو في القاهرة؛ احتجاجا على بعض الأحداث التي اعتبرها المسيحيون اضطهادا لهم وانتقاصا من حقوقهم، وشاركهم في ذلك بعض المسلمين.

وقد نتج عن الحادث حينها مقتل أكثر من عشرين شخصا وجرح العشرات، واحتج المسيحيون على هذا بقوة بتظاهرات خرجت في مناطق مختلفة من الجمهورية، وجاءت تنديدات كثيرة من الخارج عبرت عن الصدمة مما جرى في مصر.

وبقطع النظر عن اختلاف الروايات ومن بدأ الاشتباك، فقد كان واضحا أن قوات أمن تابعة للدولة قد استخدمت العنف المفرط مثل الدهس بالسيارات الشرطية وإطلاق الرصاص الحي على الرأس والصدر مباشرة ضد المتظاهرين، مما يمثل إدانة واضحة لمسئولي الدولة عن سفك الدماء البريئة التي وُضعوا في مناصبهم ووظائفهم لحمايتها وصونها.

استقر في الواعية المسيحية خلال الحقائق التي كُشفت بخصوص هذين الحادثين المؤلمين أن الدولة هي التي تستهدفهم قبل أي طرف آخر، وأنها تضحي بهم في سبيل اللعب بالشعب وإلهائه عن حقيقة ما يجري في البلد، فهم الثمن الرخيص الذي يقدمه النظام دائما لزيادة إحكام القبضة على مقاليد الدولة.

وكان واضحا في تلافيف ذلك -وإن احتاج الأمر إلى مزيد من الوعي- أن الدولة التي سلكت معهم هذا السلوك هي نفسها الدولة التي تضطهد المواطن بقطع النظر عن ديانته، وتستولي على حقوقه الثابتة في وطنه بأن يعيش فيه حرا محفوظ الكرامة مصون الدماء يشارك في اختيار حكامه بحرية وكرامة.

بصمة النظام واضحة على جريمة الكاتدرائية، وتشبه تماما بصماته على جرائم سابقة وثابتة ارتكبها في حق المصريين، ولا ينبغي أن تغادرنا فطنتنا -مسلمين ومسيحيين- ونحن نحاول فهم مثل هذا السلوك، وقد قدم بعض الناشطين معلومات وملاحظات دامغة تثبت كذب النظام في هذه القضية

لكن المفاجأة المؤلمة هي أن الجماهير المسيحية سارت وراء كنيستها في المشاركة بقوة في وأد التجربة الديمقراطية المصرية الوليدة عقب انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا للدولة، وإعادة الاستبداد بصورة أبشع إلى كراسي السلطة من جديد؛ وذلك حين مثلوا ضلعا مهما -على مستوى الحركة الجماهيرية والزعامة الدينية على السواء- فيما سُمي ثورة 30 يونيو.

لقد نسي المسيحيون بهذا التحالف دماء أهلهم وشبابهم الذين قضوا خلف أسوار "القديسين" ثمنا لمعادلات النظام الإجرامية، ونسوا كذلك دماء أعزائهم التي سالت في الطرقات أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون في جولة إجرامية أخرى، مع أن محركي الانقلاب الذين تحالفوا معهم عام 2013 هم نفس الجنرالات أو بقايا الجنرالات الذين يمثلون نظام مبارك وأصدروا الأوامر بقتل المتظاهرين في كل الأحداث التي تلت الثورة المصرية، بمن فيهم عبد الفتاح السيسي نفسه.

وهبْ أنهم ليسوا هم نفس الأشخاص الذين ارتكبوا الجرائم ضد أبناء الشعب بكل مكوناته في القديسين وميدان التحرير وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وغيرها، إلا أنهم ينتمون إلى نفس الفصيلة المستبدة التي من عادتها أن تستأثر بالثروة والسلطة، وتترك الفتات للجماهير الواسعة، وتصطنع الأزمات الطائفية وغير الطائفية، وتتلاعب بمصير الدولة والشعب، وتتاجر بدماء الناس حتى تبقى الهيمنة لها وحدها على الدولة كلها.

لقد كانت هذه صفحة سوداء في تاريخ الوطنية المصرية سجلها الجيل المسيحي الحالي، وشاركهم فيها كثير من المسلمين كذلك، وهي تتناقض تماما مع صفحات أخرى بيضاء ناصعة سجلها مسيحيون كبار في سجلات الوطنية المصرية؛ مثل مكرم عبيد باشا والدكتور إبراهيم الورداني وغيرهما.

فرصة للتصحيح
تجددت الآلام المسيحية صباح الأحد الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول حين وقع تفجير كبير بالكاتدرائية المرقسية القبطية في منطقة العباسية بالقاهرة حيث قتل 25 شخصا وجُرج عشرات آخرون، وعلى طريقة العقل البشري في اختيار التفسير القريب لما جرى، كان أمام العقل المسيحي أن يفسر ما جرى بأحد أمرين: فإما أن الدولة عادت إلى جرائمها القديمة بالتضحية بهم من جديد، وإما أن "الإرهاب" الهلامي الذي صوره النظام وحمّله كل الأوزار هو من ارتكب الجريمة البشعة.

وبالفعل خرج أهالي الضحايا عقب الحادث مباشرة، وتبنوا فكرة أن النظام هو المسئول عن الجريمة البشعة، وبرأ بعضهم التيارات الإسلامية من المسئولية عن ذلك تبرئة صريحة، واستندوا في ذلك إلى التحصين الأمني الشديد للكاتدرائية، وأنه لا يمكن أن يمر أحد من بوابات الحراسة وممرات التفتيش إلا أن يكون الأمن نفسه متآمرا معه!

الجريمة التي وقعت في الكاتدرائية فرصة لوصل اللحمة الوطنية المصرية، وجمع الأصوات المخلصة بعيدا عن مسوِّقي بضاعة النظام ومزوري الحقائق وتجار الدماء البريئة من المسلمين والمسيحيين، ولن يستقيم حال المسيحيين ولا المسلمين في مصر إلا حين يدرك الفريقان أن الاستبداد خصم لهما معا

ولكن سرعان ما تراجعت هذه النبرة، وبدأ أكثر المسيحيين المصريين يتبنون وجهة نظر النظام، وأن شخصا ما من الموسومين بالإرهاب هو المسئول عن الجريمة، وأن النظام بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب!

ولا يملك الإنسان إلا أن يعجب لما أصاب العقل المصري عموما من تصديقه لترهات النظام ودعاياته السوداء وأكاذيبه المكشوفة، وهذا الحادث مثال على هذا، فهل يدفع الناس إلى هذه المواقف كراهيتهم لطرف من الأطراف أو ضعف تمييزهم؟ أمر محير على كل حال!

إن بصمة النظام واضحة على جريمة الكاتدرائية، وتشبه تماما بصماته على جرائم سابقة وثابتة ارتكبها في حق المصريين، ولا ينبغي أن تغادرنا فطنتنا -مسلمين ومسيحيين- ونحن نحاول فهم مثل هذا السلوك، وقد قدم بعض الناشطين في تعليقاتهم بعض المعلومات والملاحظات الدامغة التي تثبت كذب النظام في هذه القضية؛ مثل أن تحليل "الدي أن أي" لا يمكن أن يخرج بهذه السرعة؛ خاصة في تفجير اختلطت فيه الدماء والأشلاء، وأن المتهم الذي ورد اسمه في القضية (محمود شفيق محمد من منشأة عفيفى بمركز سنورس بمحافظة الفيوم) نشرت عدة صحف ومواقع إنترنت (مثل الوطن) في مارس/آذار عام 2014 أنه ألقي القبض عليه بتهمة حيازة سلاح والقيام بأعمال إرهابية، وقد اختفى هذا الشخص عن أهله عقب ذلك.

لا ينبغي أن ننسى أن خالد سعيد وسيد بلال -ممن تأكد لدى القاصي والداني براءتهم وظلم النظام الفادح لهم- كان قد ثبت لدى كثير الناس أنهما مدينان ومجرمان من عتاة المجرمين بسبب أكاذيب وزارة الداخلية، ثم أثبتت التحقيقات العادلة فيما بعد خلاف ذلك، وأنهما ماتا تحت التعذيب بلا جريرة تحملاها.

إن الجريمة التي وقعت في الكاتدرائية فرصة لوصل اللحمة الوطنية المصرية، وجمع الأصوات المخلصة بعيدا عن مسوِّقي بضاعة النظام ومزوري الحقائق وتجار الدماء البريئة من المسلمين والمسيحيين، ولن يستقيم حال المسيحيين ولا المسلمين في مصر إلا حين يدرك الفريقان أن الاستبداد خصم لهما معا، ولا يصلح أن يكون نصيرا لأحدهما على الآخر.

المصدر : الجزيرة