مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

ترتيب البيت الداخلي
التسوية مع حماس
السهل الممتنع

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) بين مهمتين، أنجز الأولى وفي طريقه إلى إنجاز الثانية.
عاش أبو مازن الذي يقود حركة فتح والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير أوضاعا نفسية صعبة خلال الأسابيع والأشهر الماضية، فقد بات رئيسا غير مرغوب به إسرائيليا، فيما صدمته ضغوط الرباعية العربية التي جاهرت بجهودها لاستبداله وعزله عن المشهد السياسي دون مجاملة.

تبعا لذلك، أرسى أبو مازن لنفسه هدف الخروج الآمن من المشهد الفلسطيني عبر خطة تنظيمية ووطنية محكمة ترتكز على إنجاز مهمتين أساسيتين ينبغي تحقيقهما بالتمام والكمال.

ترتيب البيت الداخلي
لم يَدُر في خلد أبو مازن أنه قد يتعرض للمساءلة والمحاسبة يوما ما، لذا فإن تصريحات محمد دحلان القيادي -المفصول من فتح والذي يعتبر ألد خصوم أبو مازن- التي أدلى بها قبل عدة أسابيع وتوعد خلالها أبو مازن بعدم السماح له بالخروج الآمن من السلطة والحكم، قد أزعجت أبو مازن تماما، وأدخلته في دوامة من القلق والاضطراب، وأجبرته على إعادة حساباته بشكل عاجل لإنقاذ الموقف.
وتتركز خشية أبو مازن أكثر ما تكون حول إمكانية تأثر النشاط التجاري والاقتصادي لنجليه: ياسر وطارق، إذ أن دحلان يتهمهما بالفساد واستغلال اسم ونفوذ والدهما في الأعمال التجارية وعقد الصفقات الاقتصادية الكبرى.

من هنا، وجد أبو مازن نفسه أمام خيار وحيد يحتم عليه الدفاع عن نفسه وعائلته، قبل أن يتمكن دحلان من محاصرته والانقلاب عليه بحكم قوة الدعم الإقليمي والدولي عبر مهمة فتحاوية داخلية وأخرى وطنية.

خلاصة الأمر، أن أبو مازن قد أنجز مهمته الأولى بتأمين الوضع الداخلي لحركة فتح بعد المؤتمر العام السابع للحركة، عبر إقصاء خصومه ومخالفيه الذين يدينون بالولاء لدحلان، وتصعيد شخصيات قيادية مأمونة الجانب لا تفكر أو يدخل في حساباتها يوما مناكفة أبو مازن أو اتهامه شخصيا أو اتهام أحد من أبنائه، أو منازعته في صلاحياته أو التصدي لنفوذه الذي يطال كافة المرافق التنظيمية والمؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.

أنجزأبو مازن مهمته الأولى بتأمين الوضع الداخلي لفتح بعد المؤتمر الأخير للحركة، عبر إقصاء خصومه ومخالفيه الذين يدينون بالولاء لدحلان، وتصعيد شخصيات قيادية مأمونة الجانب لا تفكر أو يدخل في حساباتها يوما مناكفة أبو مازن أو اتهامه شخصيا أو اتهام أحد أبنائه، أو منازعته في صلاحياته أو التصدي لنفوذه

في هذه المرحلة تطغى النشوة على أبو مازن، فقد تمكن، باقتدار من تخطي العقبة الأولى، وبالتالي قطْع منتصف الطريق، وتجاوَز المخاطر الكبرى التي انتصبت في وجهه داخل الصف الفتحاوي الداخلي الذي تم تنقية أهم مؤسساته ممثلة باللجنة المركزية والمجلس الثوري من أتباع دحلان، ما مهد الطريق أمامه لتركيز الجهد نحو إنجاز المهمة الأخرى التي تكفل درء ما تبقى من أخطار وتحديات، وتفتح أمامه طريق الخروج الآمن من المشهد الوطني الفلسطيني دون أي خسائر.

التسوية مع حماس
المهمة الأخرى تكمن في تسوية الأزمة مع حركة حماس، والتوافق معها على إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام الذي يقترب من إنهاء عقده الأول منتصف العام القادم.

يدرك أبو مازن يقينا أن خروجه الآمن من المشهد الوطني الفلسطيني سالما غانما لا يتوقف على تأمين حركة فتح فحسب، بل إن متطلبات تقلده لرئاسة السلطة الفلسطينية تقتضي منه الخروج من ذات الباب الذي ولج منه، ما يعني أنه مضطر لتوفير كل الظروف والمناخات المواتية لعقد الانتخابات الرئاسية خلال المرحلة المقبلة.

ومن البديهي أن أبو مازن ليس بمقدوره إجراء الانتخابات في الضفة الغربية الخاضعة لنفوذ السلطة بمعزل عن قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، ما يجعله مضطرا لبلورة صيغة توافقية مع حماس لإجراء الانتخابات، سواء عبر تطبيق اتفاق المصالحة، كليا أم جزئيا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى الإشراف على إجراء الانتخابات، أو التوافق مع حماس على إجراء الانتخابات فقط حال فشل مساعي وجهود التوافق معها.

تميل أفضلية التقدير لدى أبو مازن إلى بلورة صيغة توافقية مع حماس يتم من خلالها تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على ضبط الوضع الداخلي، لأن سيناريو فشل التوافق والمصالحة والتوجه مباشرة إلى الانتخابات غير مأمون العواقب، وتحفّه الكثير من الأضرار والسلبيات القادرة على تفجير الموقف وإعادة إنتاج الأزمة في أية لحظة.

في كل الأحوال، فإن إنجاز أبو مازن للمهمة الأولى التي تعنى بالوضع الفتحاوي الداخلي، وسعيه لإنجاز المهمة الأخرى التي تعنى بإنجاز التوافق مع حماس، لا يعني انتفاء كافة المتاعب أو إزاحة كامل العراقيل من الطريق، إذ أن سياسة الترقيع التنظيمي والوطني لا تضمن لأبو مازن أريحية وانسيابية كاملة في التعامل مع وقائع المشهد الفتحاوي والفلسطيني الذي يعج بالتحديات والتقلبات.

فالمشهد الفتحاوي الداخلي الذي أُسدل الستار عن انتخاباته الداخلية لا زال يموج في بعض تفاصيله الجغرافية بالحنق وعدم الرضا عن سلوك أبو مازن وقيادة فتح نتيجة استبعاد أعداد لا بأس بها من الكوادر الفتحاوية وعدم إشراكها في فعاليات المؤتمر العام السابع، ما يحتم على أبو مازن واللجنة المركزية الجديدة للحركة العمل على استرضاء الكوادر الفتحاوية المؤثرة التي تم حجبها عن المؤتمر عبر إشراكها ودمجها في مواقع المسؤولية المختلفة داخل الحركة بشكل أو بآخر.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه أبو مازن على المستوى الفتحاوي الداخلي يكمن في الخطوات التي هدد دحلان وأتباعه باتخاذها خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، والتي ينصب أهمها على عقد مؤتمر مواز للمؤتمر السابع على الأراضي المصرية يطمح دحلان أن يضم عدة آلاف من أتباعه فضلا عن الناقمين على أبو مازن وسياسته الفتحاوية الداخلية التي يصفونها بـ"الإقصائية."

لا يمكن التنبؤ بمآلات الوضع الفتحاوي الداخلي في ضوء قدرة أبو مازن على تخطي عتبة المؤتمر السابع، إلا أن استقراء موضوعيا للتطورات الجارية وردود الفعل الصادرة عن أتباع دحلان تنبئ بوقوع إشكاليات داخلية قد تُحدث صداعا لأبو مازن وقيادة فتح الجديدة، وخصوصا في قطاع غزة الذي يحتفظ فيه دحلان بقاعدة صلبة وانتشار واسع.

ولعل الحقيقة التي لا مراء فيها أن إشكاليات فتح الداخلية لا تتعلق بتحديات المواجهة بين أبو مازن ودحلان فحسب، إذ أن فتح تعاني -أيضا- من مجموعة من الأزمات على الصعيد البنيوي التنظيمي، وعلى صعيد البرنامج السياسي، وعلى صعيد مشروعها الوطني، ولم يأت المؤتمر السابع على أية مقاربة حقيقية لمعالجتها ودرء الأخطار الكامنة فيها.

تدرك حماس أنها أمام فرصة تاريخية لتحقيق التوافق وإزالة الانقسام، وبالتالي إنهاء معاناة قرابة مليوني فلسطيني يعيشون داخل القطاع تحت نار الحصار الظالم منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، ما قد يدفعها إلى إبداء مزيد من المرونة لالتقاط موجبات اللحظة التاريخية والخروج من شرنقة الانغلاق والحصار

والحال كذلك، فإن الواقع التنظيمي الداخلي لفتح سوف يبقى مشوبا بالتشوش والاختلال وعدم الاستقرار، ولن تتعدى الأدوار المنوطة بأبو مازن وقيادة فتح حد إدارة الأزمة، وفي ذلك استهلاك للطاقات القيادية داخل فتح وحرف للبوصلة التنظيمية عن مسارها الصحيح، إلا أنه لا يشكل -بحال- تهديدا لمكانة أبو مازن أو اختلافا على موقعه وأهليته خلال المرحلة القادمة.

في المحصلة، يمكن القول إن أبو مازن قد تجاوز المنعطفات الأكثر خطورة على المستوى الفتحاوي الداخلي، وأن الطريق باتت ممهدة أمامه لاستكمال باقي الطريق، وترتيب بقية تفاصيل المشهد الفلسطيني الغارق في وحل التدابر والانقسام.

بين يدي المهمة الأخرى التي يسعى أبو مازن لإنجازها خلال الأسابيع القادمة كي ينال الجائزة الكبرى، جهد آخر لتذليل العقبات التي تعترض سبيل التوافق مع حماس بغية إقناعها بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة، ومن ثم الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تشكل خشبة الأمان والخلاص التي ينتظرها أبو مازن بفارغ الصبر.

السهل الممتنع
لا تبدو الأمور على جبهة العلاقة مع حماس سهلة، ولا تبدو معقدة أيضا، إذ يقف موقف حماس إزاء ملف الموظفين، وملف منظمة التحرير، وملف المجلس التشريعي، حجر عثرة أمام أبو مازن وحساباته السياسية والوطنية، ما قد يضطره للنزول عن الشجرة وقبول صيغ توافقية ذات سمت إبداعي لم تكن مطروحة من قبل.

في المقابل، تدرك حماس أنها أمام فرصة تاريخية لتحقيق التوافق وإزالة الانقسام، وبالتالي إنهاء معاناة قرابة مليوني فلسطيني يعيشون داخل القطاع تحت نار الحصار الظالم منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، ما قد يدفعها إلى إبداء مزيد من المرونة لالتقاط موجبات اللحظة التاريخية والخروج من شرنقة الانغلاق والحصار.

اللافت أن أبو مازن لم يُضيع الوقت، إذ شرع في تهيئة الأجواء مع حماس وتلطيف العلاقات معها منذ اللحظة الأولى لانعقاد المؤتمر السابع، فقد كانت كلمته أثناء المؤتمر متوازنة تماما تجاه حماس، وتجنبت الأوصاف السلبية التي اعتاد إطلاقها في التصريحات والمناسبات المختلفة، وهو ما وجد صداه لدى حماس التي استخدمت خطابا إعلاميا تصالحيا وأعلنت استعدادها لتنفيذ مقتضيات الشراكة والوفاق مع فتح.

وما يعزز هذا الاتجاه أن أبو مازن قد أجرى اتصالا هاتفيا مع أمير قطر عقب انتهاء فعاليات المؤتمر السابع، ومن دون شك فإن قضية المصالحة احتلت حيزا هاما ضمن ثنايا النقاش، في ضوء الإشارات الصادرة عن بعض الفصائل والشخصيات الفلسطينية وبعض المصادر المصرية التي تتحدث عن رغبة مصرية في الدخول الفاعل على خط المصالحة الفلسطينية الداخلية قريبا، ودعوة الفصائل الفلسطينية إلى مصر لإجراء حوارات شاملة تتوج بتطبيق اتفاق المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي.

ها هنا تشتعل الأضواء الحمراء في عقل أبو مازن وعقول قيادة فتح الذين ينأون بأنفسهم عن أي جهد أو مقاربة مصرية بخصوص ملف المصالحة في إطار التوتر القائم بين الطرفين إثر الدعم المصري الرسمي الصريح لدحلان في مواجهة أبو مازن، ويصبح تصريح عزام الأحمد عضو مركزية فتح مؤخرا الذي نفى فيه وجود أي تدخل أو مسعى مصري جديد بشأن المصالحة الفلسطينية أمرا مفهوما تماما.

أرجح التقديرات تشير إلى أن المهمة الثانية التي يستحثها أبو مازن في طريقها إلى التحقق والإنجاز، وما لم تحدث تطورات دراماتيكية أو أحداث مفاجئة فإن الداخل الفلسطيني سوف يشهد انتخابات رئاسية وتشريعية لن يترشح لها أبو مازن في غضون فترة زمنية قد لا تتجاوز ستة أشهر من موعد إنجاز التوافق

رغبة أبو مازن تتجاوز إذن الحدود المصرية صوب الفضاء القطري الذي بدا أكثر قبولا ورحابة وانفتاحا على أبو مازن في الآونة الأخيرة، وتعمل على استنهاض الدور القطري من أجل حمل وتفعيل ملف المصالحة من جديد، ولا مانع لدى أبو مازن من أدوار مساعدة قد يتولاها هذا الطرف أو ذاك لدعم مسار المصالحة بعيدا عن الرباعية العربية.

ومثال ذلك لقاء سويسرا، إذ من المقرر أن تتوجه فتح وحماس وعدة فصائل وشخصيات فلسطينية إلى جنيف خلال أيام بدعوة من المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات (مسارات) في لقاء هام رغم كونه غير رسمي، ويُتوقع أن يتناول النقاش خلال اللقاء -الذي تحضره شخصيات سويسرية بارزة- آفاق المصالحة المتعثرة، وسبل حل ملف رواتب موظفي حماس الذي تبدي سويسرا استعدادا كبيرا للمساهمة في حلول الآليات والحلول التفصيلية له بدعم أوروبي كبير.

وتدور وراء الكواليس أحاديث عن إمكانية توجه وفد من اللجنة المركزية لفتح إلى قطاع غزة خلال الأيام القادمة للقاء قيادة حماس وبحث تطبيق اتفاق المصالحة معها.

المسألة إذن مسألة وقت، وما تحتاجه فتح وحماس لا يتعدى بعضا من الوقت لإنضاج مواقفهما وهضم آليات التوافق المطروح، كي يسهل تمرير وتنفيذ الاتفاق على أرض الواقع دون عوائق أو إشكاليات هامة.

وهكذا، فإن أرجح التقديرات تشير إلى أن المهمة الثانية التي يستحثها أبو مازن في طريقها إلى التحقق والإنجاز، وما لم تحدث تطورات دراماتيكية أو أحداث مفاجئة فإن الداخل الفلسطيني سوف يشهد وقائع انتخابات رئاسية وتشريعية لن يترشح لها أبو مازن في غضون فترة زمنية قد لا تتجاوز ستة أشهر من موعد إنجاز التوافق وتشكيل الحكومة.

يمضي أبو مازن المشهور بالدهاء قدما في رحلته الوعرة لتحقيق الخروج الآمن من مشهد السلطة والحكم، ولئن توسل بالحكمة وبُعد النظر لتجاوز ما تبقى من مطبات الطريق، فإنه يضمن ترتيب ملف خلافته في رئاسة الحركة والسلطة والمنظمة بشكل هادئ، ويضع مستقبله ومستقبل أبنائه -إلى حد كبير- في دائرة الأمان والاستقرار.

المصدر : الجزيرة