زهير إسماعيل

زهير إسماعيل

أكاديمي وباحث تونسي


مسار العدالة الانتقالية
وحدها الحقيقة ثورية
تأسيس الحقيقة

شهدت تونس يومي 17 و18 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أولى جلسات الاستماع العلنية لضحايا التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان على مدى ستة عقود من الاستبداد هي عمر دولة الاستقلال التي نشأت بموجب بروتوكول 20 مارس/آذار 1956.

وقد تمكنت هيئة الحقيقة والكرامة القائمة على مسار العدالة الانتقالية من كسب هذا الرهان الكبير رغم ما اعترض سبيلها من عراقيل تفاقمت مع العودة التدريجية للمنظومة القديمة.فكانت جلسات الاستماع حدثا تاريخيا غير مسبوق ومنعرجا في تاريخ ثورة حرية والكرامة، بعد ست سنوات من اندلاعها.

مسار العدالة الانتقالية
لئن نجحت رموز القديم وعناوينه السياسية المستعارة في شق الصف الثوري ومنع قانون تحصين الثورة وتوجيه القانون الانتخابي، ثم استعادة السلطة برئاساتها الثلاث مع انتخابات 2014 الرئاسية والتشريعية، فإن ما بذلته من جهود مضنية لمنع الخطوة الأولى في طرق المحاسبة قد باء بالفشل أمام إصرار الهيئة ورئيستها الأستاذة سهام بن سدرين الحقوقية (صاحبة الصوت القوي في مقارعة الاستبداد) على إظهار الحقيقة ليكتشف الشعب التونسي ومعه كل العالم وعلى الهواء مباشرة وجها داميا من سردية ظلت مقصاة من قبل الاستبداد.

وكان رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي، أكبر المناوئين لفكرة العدالة الانتقالية منذ كان رئيسا للحكومة، ولقد عمد يوما قبل انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول التأسيسية إلى إصدار مرسوم يقضي بسقوط الدعوى بمرور الزمن بشأن جريمة التعذيب (المرسوم عدد 106 المؤرخ في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2011) في مخالفة واضحة لمجلة الإجراءات الجزائية. ولكن المجلس الوطني التأسيسي صادق يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول 2013 على إلغاء هذا المرسوم وصوت بالأغلبية على مشروع قانون أساسي لإحداث هيئة وطنية للوقاية من التعذيب. ولم يخف الباجي، أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية مناهضته لهيئة الحقيقة والكرامة ولرئيستها. وعندما صار رئيسا للجمهورية منع الهيئة من الوصول إلى أرشيف رئاسة الجمهورية الذي يمثل علبة تونس السوداء.

خلال جلسات الاسماع تكلم الضحايا عن محنتهم فأبكوا الحضور، وبكت تونس ومعها أحرار العالم بدمع ساجم، وكان المبهر ألا أحد من الضحايا تقدم بمطلب خاص. كل ما طلبوه هو أن يأتي جلادوهم وقتلة أبنائهم ليفسروا كيف استطاعوا ارتكاب ما ارتكبوا ثم يطلبوا الصفح على الملأ

كانت توجد خشية من أن يكون انتقال الأرشيف إلى الجهات المختصة في التوثيق والجهات الحقوقية مادة توثق تجربة الدولة على مدى ستة عقود بسياساتها واتفاقياتها وما توفر من شهادات حول انتهاكات حقوق الأفراد والجماعات من قبل أعوان بورقيبة وبن علي. ومنهم من عاد إلى السلطة بعد أربع سنوات من الثورة وعلى رأسهم الباجي قايد السبسي.

أنشئت هيئة الحقيقة والكرامة -وهي هيئة مستقلة منوط بها الإشراف على مسار العدالة الانتقالية في مراحلها المختلفة- بمقتضى قانون عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر/كانون الأول 2013، وضبطت مهمتها في "كشف الحقيقة عن مختلف الانتهاكات ومساءلة المسؤولين ومحاسبتهم عنها وجبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا لتحقيق المصالحة الوطنية. ويغطي عمل الهيئة الفترة الممتدة من الأول من شهر يوليو/تموز 1955 إلى حين صدور القانون المنشئ لها".

ورغم ما طال الهيئة من استهداف، فإنها نجحت في تلقي 64 ألف ملف وتمكنت من عقد 12 ألف جلسة استماع لضحايا التعذيب وانتهاك الحقوق. فالهيئة تملك مادة الحقيقة ولم يبق أمامها إلا أن توفر المجال لعرض هذه المادة في شهادات حية لضحايا التعذيب أو من ينوب عنهم في حالة المفقودين والشهداء.

وحدها الحقيقة ثورية
لم يكن أحد يتخيل كيف ستكون هذه الجلسات، وكان أكثر الأطراف توترا أنصار مسار العدالة الانتقالية الذين هم أنصار الثورة غالبا، وقد اعتبر الكاتب والمناضل جلبار نقاش في خاتمة شهادته المؤثرة أن العدالة الانتقالية جزء أساسي من الثورة، وأن انطلاق مسار العدالة الانتقالية دليل على أن الثورة حية وتتجه نحو مهمة نبيلة هي "تأسيس الحقيقة".

كان اللافت للانتباه لحظة انطلاق جلسات الاستماع العلنية غياب الرئاسات الثلاث: رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، وثلاثتهم من نداء تونس. ويمكن أن يُختزل الأمر في غياب رئيس الجمهورية، فلو حضر لاتبعه الرئيسان الآخران فهما من أتباعه، ولقد أثرت هذه التبعية على طبيعة النظام السياسي المقرر في الدستور، وهو نظام برلماني معدل مَركز السلطة التنفيذية فيه رئيس الحكومة، غير أن الباجي انحرف به إلى نظام رئاسوي مما جعل العملية السياسية اليوم تدور خارج الدستور.

فهل كان بإمكان رئيس الجمهورية الحضور؟
نظريا نعم، ولاسيما أن الباجي وكثيرا من رموز النظام القديم قادوا المرحلة الفاصلة بين 14 يناير/كانون الثاني 2011 و23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 تاريخ الانتخابات التأسيسية وتبنوا الثورة خطابا وأهدافا، وصاروا فجأة ديمقراطيين، وهم من أقر بأن الانتخابات في العهدين البورقيبي والنوفمبري كانت مزورة، وزاد عليهم الباجي قائد السبسي بالاعتراف بتزويره انتخابات 1981.
ولكن لماذا لا يقدر من تبنى الثورة على حضور جلسات الاستماع؟

هنا يتأكد معنى ثورية الحقيقة، فالحقيقة سردٌ للمظلمة وجر للجلاد، باعتباره حلقة في منظومة الاستبداد والتعذيب، إلى حلبة المحاسبة وتمكين الضحية من حقوقها بالقانون، ولها أن تستردها أو أن تعفو وتصفح.

العدالة الانتقالية تمثل معطى سياسيا مهما في مسار الثورة التونسية. فمن الطبيعي أن يقوم هذا المعطى في مواجهة الدولة المختطفة من قبل نظام الاستبداد على مدى عقود. وما كان لعلاقة المواجهة هذه أن تتواصل بعد الثورة لولا عودة المنظومة القديمة مع انتخابات 2014 وتبنيها لتجربة الدولة بكل تفاصيلها في مرحلة الاستبداد

الحقيقة التي نطقت بها جلستا الاستماع العلنيتان لا تُعفي رموز المنظومة القديمة العائدة والمهيمنة على الرئاسات الثلاث من المحاسبة؛ لذلك فهي لا تجد الجرأة على الحضور، فضلا عن تغير في قاعدة الفرز السياسي من ثورة/ثورة مضادة إلى ضحية/جلاد. وعلى رموز النظام القديم أن يختاروا بين الضحية والجلاد، لكنهم بغيابهم يرسلون برسالتين سلبيتين: وقوفهم في صف الجلاد ومنظومة التعذيب، وجعلهم الدولة في مواجهة العدالة الانتقالية. وفي هذا المعنى، ذكر جلبار نقاش (أحد رموز اليسار التونسي المناضل) أثناء الإدلاء بشهادته، في اليوم الأول من جلسات الاستماع، أنه كان (مارس/آذار 1968) يُعذب في أحد مكاتب وزارة الداخلية، وكان صياحه يصل إلى مكتب وزير الداخلية المجاور السيد الباجي قايد السبسي نفسه.

لم يكن بإمكان الباجي الحضور إلا في حالة واحدة هي أن يقيم فصلا (هو فصل قيمي مرجعي سياسي) بين "الباجي قبل الثورة" و" الباجي بعد الثورة". وسيمتد هذا الفصل إلى التمييز بين "دولة الاستبداد" و"مشروع الدولة الديمقراطية" الحالي. ولكن السيد الباجي لايفتأ يذكر بورقيبيته وما تعنيه من تبني ستة عقود من الاستبداد لم تصمد أمام ست ساعات من شهادة الضحايا، واهتزت أمام شهادتي جلبار نقاش اليساري وحمادي غرس العروبي وما وجهتاه من نقد مركز أفقد البورقيبية الصفة الوطنية وسلبها الصفة الإنسانية.

تأسيس الحقيقة
الأمر الثاني اللافت للانتباه أيضا هو الوجوه السياسية الحاضرة فقد كان راشد الغنوشي إلى جانب مصطفى بن جعفر وحمة الهمامي وعصام الشابي والعياشي الهمامي. هؤلاء هم حركة 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005 التي جمعت اليسار والإسلاميين والقوميين والديمقراطيين في مواجهة استبداد بن علي (خص قمعُه الإسلاميين وعم المعارضة).

قبل يومين من افتتاح جلسات الاستماع، احتد الاستقطاب على خلفية الحكم القضائي في ملف "لطفي نقض" شهيد نداء تونس. وقد قضى الحكم الابتدائي ببراءة المتهمين المحسوبين على الصف الثوري من تهمة القتل، بعد أن توفرت لدى المحكمة أدلة على أن الوفاة كانت طبيعية (سبب أزمة قلبية في سياق المواجهة بين الفريقين).وأثار الحكم استنفارا حزبيا وسياسيا لدى نداء تونس وهو يرى اهتزاز "أسطورته المؤسسة"، وتحفزا سياسيا لدى الجبهة الشعبية (يسار) وحزب المشروع (منشق عن النداء) وحزب المبادرة (دستوري) ينذر بلقاء الأطراف المكونة لجبهة الإنقاذ. وارتفعت الدعوة إلى "اعتصام الرحيل2".هذا الاستنفار زال تماما، مع انطلاق جلسات الاستماع، ورأينا الأطراف المكونة لحركة 18 أكتوبر/تشرين الأول مجتمعة.

أثر جلسات الاستماع كان عميقا ومثل "صدمة" إيجابية للمشهد السياسي، وهو ما يعني أن الحقيقة وهي تعيد ترتيب المشهد هي بصدد تأسيس نفسها. ومن المهم الإشارة إلى أن الفرز على قاعدة ضحية /جلاد طال المنظومة القديمة من خلال حضور رئيس حزب المبادرة السيد كمال مرجان (كان وزير دفاع بن علي ولم يُعرف عنه تورط في حقوق الناس).

العدالة الانتقالية ليست مجرد سرد لمآسي الضحايا، كما أنها ليست إعادة كتابة باردة للتاريخ، العدالة الانتقالية رد للحقوق وتأسيس للمصالحة على قاعدة المحاسبة وفي إطار هيئة الحقيقة والكرامة وبمرجعية قانون العدالة الانتقالية. تأسيس المواطنة مشروط بتأسيس الحقيقة

تكلم الضحايا عن محنتهم فأبكوا الحضور، بكى حمة الهمامي الماركسي لمحنة سامي براهم الإسلامي، وبكت تونس ومعها أحرار العالم بدمع ساجم، كانت البداية مع أمهات الشهداء وزوجاتهم، وكان المبهر ألا أحد من الضحايا تقدم بمطلب خاص. كل ما طلبوه هو أن يأتي جلادوهم وقتلة أبنائهم ليفسروا كيف استطاعوا ارتكاب ما ارتكبوا ثم يطلبوا الصفح على الملأ.

كانت شهادة وريدة أم الشهيد الأقوى، وشهادة سامي براهم الأسمى، وشهادة جلبار نقاش الأعمق، وشهادة بسمة البلعي الأدمى، وشهادة البشير العبيدي الأشجى.

العدالة الانتقالية مسار قائم الذات، ويمثل مسار العدالة الانتقالية استعادة الثورة قدرتها على البناء رغم بطء نسقه. وتمثل إلى جانب الداخل المفقر خروجا من "الاحتجاج" إلى "البناء" (واحة جمنة نموذجا).

العدالة الانتقالية تمثل معطى سياسيا مهما في مسار الثورة التونسية. فمن الطبيعي أن يقوم هذا المعطى في مواجهة الدولة المختطفة من قبل نظام الاستبداد على مدى عقود. وما كان لعلاقة المواجهة هذه أن تتواصل بعد الثورة لولا عودة المنظومة القديمة مع انتخابات 2014 وتبنيها لتجربة الدولة بكل تفاصيلها في مرحلة الاستبداد، وسعيها إلى فرض مصالحات وظيفتها تقنين الإفلات من المحاسبة ومأسسة الفساد، وهو ما يعطي للعدالة الانتقالية مضمونا سياسيا وحلقة من حلقات التأسيس الشامل، وفي مقدمته تأسيس الحقيقة.

فالعدالة الانتقالية ليست مجرد سرد لمآسي الضحايا، كما أنها ليست إعادة كتابة باردة للتاريخ، العدالة الانتقالية رد للحقوق وتأسيس للمصالحة على قاعدة المحاسبة وفي إطار هيئة الحقيقة والكرامة وبمرجعية قانون العدالة الانتقالية. تأسيس المواطنة مشروط بتأسيس الحقيقة.

المصدر : الجزيرة