نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل

 

قوننة التهويد لترسيخ الفكرة
البعد السياسي والإستراتيجي للمصطلح
ماذا عن الهجرة اليهودية؟

اشترط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبوله لانطلاقة أية مفاوضات مع الفلسطينيين قبولهم الاعتراف بفكرة يهودية دولة إسرائيل. وقد رافق الحديثَ عن مفاوضات محتملة دعا إليها وزير الخارجية الأميركي جون كيري قبل عدة أسابيع نشاط استيطاني إسرائيلي محموم في الضفة الغربية وبشكل خاص في مدينة القدس، وكذلك في الأراضي المحتلة عام 1948 وعلى وجه الخصوص في منطقة النقب جنوب فلسطين المحتلة.

وتسعى المؤسسة الإسرائيلية من وراء ذلك إلى فرض يهودية الدولة على الأرض وإخراج الفكرة إلى حيز الوجود العملي. واللافت أن مصطلح يهودية الدولة الإسرائيلية برز إلى الأمام في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، وذلك رغم أنه ليس حديث العهد، بل ظهر في أدبيات المؤتمر الصهيوني الأول الذي أنهى أعماله نهاية أغسطس/آب 1897 في مدينة بازل السويسرية.

فكرة يهودية الدولة كانت دائما إحدى ركائز الفكر الصهيوني، وبغض النظر عن أن درجة هذه اليهودية وبعض مضامينها كانت مثار جدل بين تيارات معينة في الحركة الصهيونية، فإن هذا الزخم الكبير لهذه المقولة المتجددة ينطوي على أبعاد هامة سياسية وإستراتيجية في ذات الوقت.

في سبيل إثبات يهودية الدولة, طرح شارون فكرة إسكان أهالي الضفة الغربية وغزة في العراق وتجنيسهم بالجنسية العراقية, وأكد مرارا أن إسرائيل دولة يهودية نقية وهي لليهود في إسرائيل وكل العالم

قوننة التهويد لترسيخ الفكرة
ثمة قوانين إسرائيلية عديدة صدرت في السنوات الخمس الماضية, كان من أهمها القانون المتعلق بتهويد أسماء الأماكن والمعالم العربية التاريخية الإسلامية والمسيحية على حد سواء. وأصدر الكنيست الإسرائيلي يوم 16/7/2003 قرارا يقضي بضرورة ترسيخ فكرة يهودية الدولة، والعمل على تعميمها على دول العالم، ومحاولة انتزاع موقف فلسطيني إلى جانب القرار المذكور، وهذا ما يفسر اشتراط إسرائيل قبول المفاوض الفلسطيني بفكرة يهودية الدولة قبل انطلاق مفاوضات محتملة بين الطرفين.

وتضمن القرار إشارات إلى أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليست مناطق محتلة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا بموجب الاتفاقيات التي وقعتها "إسرائيل مع المفاوض الفلسطيني".

ودعا إلى مواصلة تعزيز المستوطنات الإسرائيلية وتطويرها، والتمسك بالخطوط الحمراء الصهيونية، وفي مقدمتها السيادة المطلقة على مدينة القدس بشقيها الغربي والشرقي المحتلين عامي 1948 و1967، والاحتفاظ كذلك بالمناطق الأمنية.

وفي قراءة متأنية للمصطلح المذكور يمكن الجزم بأنه يحمل في طياته توجها إسرائيليا لطرد أبناء فلسطين من وطنهم بزعم الحفاظ على نقاء الدولة اليهودية، ويستوي في ذلك فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1967 بمن فيهم العرب المقدسيون، وفلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948 الذين فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية، في الوقت الذي تسعى فيه المؤسسة الإسرائيلية إلى أسرلتهم وجعلهم هامشيين في كافة مناحي الحياة.

وقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق -الميّت سريريًّا- أرييل شارون ممن عمموا المصطلح القديم الجديد، وذهب إلى أبعد من ذلك حين أشار في أكثر من حديث صحفي ولقاء إلى أن حدود إسرائيل هي من البحر الأبيض المتوسط في الغرب إلى نهر الأردن في الشرق، ولن تكون إسرائيل -على حد قوله- إلا دولة يهودية نقية. وذهب شارون إلى أبعد من ذلك، فطرح أفكارا لإسكان أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة في العراق وتجنيسهم بالجنسية العراقية, وأكد مرارا أن إسرائيل دولة يهودية نقية وهي لليهود في "إسرائيل" وكل العالم أيضاً.

البعد السياسي والإستراتيجي للمصطلح
إضافة إلى ما تقدم، عملت المؤسسة الإسرائيلية في المدى البعيد على سن القوانين التي تؤمن لها عملية الإقصاء الدائمة والتهميش المستمر للأقلية العربية، وعقد مؤتمرات بمسميات عديدة لطرح أفكار حول الهاجس الديمغرافي الإسرائيلي جراء التزايد الطبيعي المرتفع بين العرب, وهذا ما حصل فعليا في مؤتمرات هرتسيليا السنوية التي عقدت بين عامي 2000 و2012.

وفي هذا الإطار بالذات تندرج الدعوات من قبل بعض القادة الإسرائيليين لمبادلة الأراضي الفلسطينية التي تقوم عليها الكتل الاستيطانية الكبيرة بالتجمعات الكبيرة داخل الخط الأخضر مع الدولة الفلسطينية القادمة. وتشمل تلك التجمعات منطقتي المثلث ووادي عارة.

ويلحظ المتابع للشأن الإسرائيلي بأن كافة الأطياف السياسية الإسرائيلية، وكذلك قادة إسرائيليين كثيرين، باتوا يتحدثون في السنوات الأخيرة عن يهودية دولة إسرائيل، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يقود دفة المؤسسة التنفيذية في إسرائيل.

أصبحت مقولة الدولة اليهودية بصورة غير مسبوقة ولا معهودة قاسما مشتركا بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل

وبات من المؤكد أن مصطلح يهودية الدولة يشكل جوهر ومضمون الغايات الأسمى والأهداف الكبرى السياسية والإستراتيجية لإسرائيل. وتبعاً لذلك أصبحت مقولة الدولة اليهودية بصورة غير مسبوقة ولا معهودة قاسما مشتركا بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل.

وسعت المؤسسة الإسرائيلية إلى محاولة تعميم شعار يهودية الدولة، على اعتبار أنه الشعار الأنجع لإنهاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وبالتالي تصفية وإزاحة الأساس القانوني لهذا الحق والحلم والأمل من أجندة الأمم المتحدة بدايةً لشطب الحق الفلسطيني، ونقصد هنا العمل على شطب القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 11/12/1948، والداعي إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين في أقرب فرصة ممكنة، والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم جراء اللجوء القسري إثر نكبة عام 1948.

ماذا عن الهجرة اليهودية؟
من الأهداف السياسية والإستراتيجية الأخرى التي تتضمنتها عملية تعميم فكرة يهودية إسرائيل وترسيخها، محاولة تهيئة الظروف لجذب مزيد من يهود العالم إلى إسرائيل، فالحركة الصهيونية وإسرائيل تعتبران اليهود في جهات الأرض الأربع بمثابة المادة البشرية لتحقيق أهداف إسرائيل التوسعية من جهة، وركيزة لاستمرار المشروع الصهيوني برمته في المنطقة العربية من جهة ثانية.

وفي هذا السياق يذكر أنه رغم مرور أكثر من 65 عاماً على إنشاء إسرائيل، لم تستطع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة جذب غالبية يهود العالم إلى فلسطين المحتلة، ولهذا يستغل قادة إسرائيل كافة المناسبات للتأكيد على أهمية جذب مزيد من اليهود إلى فلسطين المحتلة.

وثمة أسباب كامنة وراء نضوب الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة في السنوات القليلة الماضية واحتمالات تراجعها مستقبلا، وفي مقدمة تلك الأسباب تراجع عوامل الطرد لليهود من بلدانهم الأصلية. وتبعا ذلك تسعى المؤسسة الإسرائيلية بالتعاون مع الوكالة اليهودية إلى تمويل حملات كبيرة ومنظمة في المستقبل من أجل جذب نحو 220 ألف يهودي من الأرجنتين، وعدة آلاف من يهود الفلاشا من إثيوبيا، فضلا عن محاولات حثيثة لاجتذاب نحو 80 ألفا من يهود الهند وجنوب أفريقيا، هذا في وقت باتت فيه أبواب هجرة يهود أوروبا وأميركا الشمالية في حدودها الدنيا بسبب انعدام عوامل الطرد منها.

من أهم أهداف فكرة يهودية إسرائيل، تهيئة الظروف لشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وجعل حياة الأقلية العربية في أرضها هامشية بغية أسرلتها في نهاية المطاف

وتجدر الإشارة إلى أنه من بين نحو 13 مليون يهودي في العالم حسب إحصاءات 2013، يوجد 5.6 ملايين يهودي في الولايات المتحدة و6.04 ملايين في إسرائيل، و560 ألفا في فرنسا، و400 ألف في روسيا، و360 ألفا في كندا، و280 ألفا في أوكرانيا إحدى جمهوريا الاتحاد السوفياتي السابق، فضلاً عن 280 ألفا في بريطانيا، و220 ألفا في الأرجنتين.

وتشير الإحصاءات إلى أن نسب الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم في العالم بلغت في السنوات الأخيرة ما بين 50 و80%, وبشكل خاص في بعض المدن الأميركية، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع مجموع اليهود في نهاية المطاف إلى أقل عدد ممكن.

وتبقى الإشارة إلى أن لفكرة يهودية إسرائيل ومحاولة تعميمها أبعادا سياسية وإستراتيجية، تتقدمها تهيئة الظروف لشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الوحيد فلسطين، ناهيك عن جعل حياة الأقلية العربية في أرضها هامشية بغية أسرلتها في نهاية المطاف وطردها إن أمكن ذلك.

والأهم من ذلك أن رفع شعار يهودية إسرائيل قد يكون عاملاً جاذباً ليهود العالم باتجاه فلسطين المحتلة، بعد تراجع زخم الهجرة الكبير الذي حصل بداية تسعينيات القرن المنصرم.

المصدر : الجزيرة