عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


تقييم أولي للحدث
الأبعاد
التحديات والآفاق

انتفاضة فريدة تدخل التاريخ من بابه الواسع هي تلك التي شهدها الشارع التونسي على امتداد شهر كامل لتكلل بنجاح أول تمثل في إسقاط حكم الرئيس بن علي. فاجأ التحرك المراقبين والمتخصصين ودفعهم إلى مراجعة حساباتهم لفهم ما حدث وسرعة انقلاب الوضع.

فالموضوع لا يخلو من مواطن الجذب بالنسبة لكل مجهود معرفي وإخباري (صحفي)، لكننا سنقتصر في هذا الفضاء المحدود على معالجة سريعة لنقطتي أبعاد هذه الانتفاضة والتحديات التي تواجهها.

تقييم أولي للحدث
لماذا تونس؟ أطرح هذا السؤال لأن البحث عن فهم سبق الحالة التونسية في فتحها باب الاحتجاج والانتفاضة على الحكام، قد شغل العديد من المتتبعين ومن القراء في العالم العربي.

وسأكتفي في هذا الصدد باستعراض سريع لبعض النقاط التي قد تساعد على فهم جانب مما حدث. تتعلق النقطة الأولى بعلاقة الدولة بالمجتمع على مدى الحقبة التاريخية المعاصرة التي شهدت بروز المؤسسات الحديثة مثل الأحزاب والجمعيات والنقابات وغيرها.

فالثورة التونسية انطلقت على خلفية حالة عامة من الشعور بالظلم ومن الاضطهاد التي أخرجت الشباب إلى الشارع، لكن من المهم التذكير بدور المؤسسة النقابية والنخب المحلية سواء في تأطير التحركات أو في شد عزم الشباب المنتفض.

أنا لست من أنصار القائلين بأن الثورة عفوية قادها الشارع صدفة لأنها كانت في العمق نتيجة تراكمات احتجاجية، سواء فردية أو جماعية، سابقة. يعود هذا حسب رأيي إلى وجود مؤسسات مجتمعية شهدت النور من خارج أطر الدولة وحزبها الحاكم.

"
الثورة التونسية لم تكن عفوية قادها الشارع صدفة لأنها كانت في العمق نتيجة تراكمات احتجاجية، سواء فردية أو جماعية، سابقة, بسبب وجود مؤسسات مجتمعية شهدت النور من خارج أطر الدولة وحزبها الحاكم
"
فالعمل النقابي التونسي عريق وهو يعود إلى سنة 1922 عندما نشأت جامعة عموم العملة التونسيين بعيدا عن الحزب الحر الدستوري التونسي. كما ولد الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1947 خارج سياق هيمنة الحزب الحر الدستوري الجديد وزعيمه بورقيبة.

كما تواصلت استقلاليته طوال فترة الاستقلال. نضيف إلى ذلك هيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان وهيئات أخرى. لقد تمكنت هذه المؤسسات وعلى رأسها المركزية النقابية من لعب دور حيوي في تأطير الشباب وفي توفير فضاء للالتقاء تمثل في مقرات الاتحادات الجهوية والمحلية.

دور هذه المؤسسات الأعمق ربما تمثل في توفير أرضية للوعي بإمكانية الوجود والفعل والتغيير خارج إطار الدولة. مثل هذا الوعي ساهم في إعطاء نفس طويل للانتفاضة وعزما أكبر على مواجهة تسلط الدولة.

يقودنا الحديث عن دور هذه المؤسسات المجتمعية، المباشر أو غير المباشر، إلى دور ما يمكن تسميته بالنخب المحلية خاصة وأن الثورة اندلعت في مدن تونس الداخلية وهي مدن متوسطة وصغيرة. وأنا أميز هنا بين النخب في مفهومها الكلاسيكي، أي النخب ذات الإشعاع الوطني وحتى القومي، والنخب المحلية المتمثلة في الأساتذة والمعلمين والمحامين.

أعتقد أن هؤلاء لعبوا دورا مهما في توجيه الغضب الشعبي من حالة رد الفعل الظرفي والعفوي إلى حالة الفعل الواعي بضرورة التخلص من نظام الفساد. هذه الشريحة هي في الحقيقة إنتاج لخيارات سياسة دولة الاستقلال مع بورقيبة والتي ركزت على التعليم العام في كل مناطق البلاد.

العامل الثالث الذي جاء ليتمم هذين العنصرين يتمثل في طبيعة الوعي المتأتي من نوعية التعليم والثقافة العامة في تونس. فهو تعليم أخذت فيه العلوم الإنسانية والاجتماعية مكانة مهمة منذ الاستقلال، ولو كان ذلك في النهاية في سياق بناء دولة الاستقلال بقيادة زعامة القائد بورقيبة وحزبه الأوحد.

ساهمت برامج هذا التعليم في تفتح العقليات على إشكاليات فلسفية و"علم اجتماعية" لم يتمكن الشباب العاطل من ذوي الشهادات من توظيفها في الواقع الاجتماعي بسبب انحدار سلطة بن علي إلى مستوى غير مسبوق من الرداءة وتهميش قوى المجتمع.

حصلت إذن قطيعة اجتماعية وفكرية بين سلطة بن علي المشخصنة والمشوبة بالفساد وواقع قوى المجتمع من الشباب ومن الطبقة الوسطى في واقعها المحلي. قطيعة اكتملت مع تمكن الشباب من وسائل الاتصال الشبكية من فيسبوك وغيرها لتكتشف واقعها من خلال معلومة أنتجها أفراد منه حول واقعهم.

هذه إذن بعض الملاحظات الأولية التي يجب تدقيقها من خلال دراسة أكثر تعمقا واحترافية لا يسع مجالنا الحالي القيام بها.

الأبعاد
ما هي أبعاد هذه الانتفاضة؟ ركزت العديد من الكتابات التي طالعتها في الصحف العربية والأجنبية على الأبعاد السياسية المباشرة لانتفاضة الشعب التونسي ومدى قدرتها على الانتشار مغاربيا وعربيا. سوف لن أعود إلى هذه النقطة التي يبدو أنها استوفت مؤقتا كل شروط الجاذبية الإعلامية.

بالمقابل سأعود إلى بعض المسائل العميقة التي تحتاج إلى النظر والتحقيق. قد لا أبالغ إن قلت إن هذه الثورة تعد الأولى من نوعها في العصر العربي الحديث والمعاصر والتي قام بها المجتمع ضد ذاته لا ضد الآخر، استعمارا كان هذا الآخر أم إمبريالية. أعتقد أن حركة الشارع التونسي ستعيد ترتيب جدول الأولويات في خارطة الوعي العربي. حيث سيصبح التسلط الداخلي أولوية مقارنة مع المواجهة الخارجية التي هيمنت على هذا الوعي منذ الاستقلال لتتدعم مع الحربين الأولى والثانية ضد العراق.

لم يقتصر التجديد على هذا المستوى بل شمل كذلك محتوى موضوع الاحتجاج والثورة. فقد رفع الشارع التونسي وبشكل واضح شعارات الحرية والديمقراطية والكرامة كمطالب في وجه السلطة التي كانت قائمة.

وفي هذا قطع آني مع الإشكاليات التي هيمنت في الحقبة الأخيرة نتيجة سياسة جورج بوش الابن في المنطقة والتي أفرزت إشكاليات وهمية تدور أساسا حول المعطى الديني. مثل ذلك المواجهة السنية الشيعية أو فاعلية الإسلام في الجهاد ضد الآخر أو في سلسلة الفتاوي التي عادة ما تستغبي المؤمن أكثر مما تنير سبيله.

"
ستساهم ثورة الشارع التونسي دون شك في إعادة توجيه الوعي المطلبي للمواطن العربي باتجاه مسائل الحرية وكرامة المواطنة والعيش الكريم، أي باتجاه مطالب أكثر عقلانية
"
ستساهم ثورة الشارع التونسي دون شك في إعادة توجيه الوعي المطلبي للمواطن العربي باتجاه مسائل الحرية وكرامة المواطنة والعيش الكريم، أي باتجاه مطالب أكثر عقلانية قد تدفعها إلى رفع سقف مطالبها باتجاه تحقيق دولة المواطنة.

ربما نذهب أبعد من ذلك في دراسة أبعاد هذه الثورة لنصل إلى المستوى المعرفي الأكاديمي. فقد فندت ثورة الشارع التونسي، إلى حد الآن، مقولة عجز المجتمعات العربية على إفراز تغيير من داخل المجتمع طالما ظلت الدولة هي العامل الأساسي للتغيير الاجتماعي والسياسي سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي.

هذا ما استغله الليبراليون الجدد في الغرب للمناداة بتصدير الديمقراطية كما كان حال العراق وأفغانستان. وتعزو بعض الدراسات قصور الحراك المجتمعي المستقل إلى عوامل هيكلية من ضمنها هيمنة الهياكل التقليدية المنتظمة حول مبدأ القرابة الدمية وما تنشئه من روابط التعاضد الآلي الذي يعيق بلورة التعاضد العضوي المؤسس للوعي بالانتماء للمجموعة الوطنية.

كما يرى بعض الباحثين أن طبيعة المجتمعات العربية والإسلامية تجعل من الإسلام ومن الإسلام فقط العامل الفصل في عمليات التحول السياسي والاجتماعي سواء في اتجاه الجذب أو في اتجاه الدفع.

معنى ذلك القول إما أن الإسلام هو المشكل الذي يعيق تشكل الوعي بحقوق المواطنة التي تستبدل بحقوق الله أو القول عكس ذلك بأن الإسلام هو عامل التغيير الحاسم سواء من حيث قوى التغيير (الحركات الإسلامية) أو من حيث فضاء التحرك (المساجد) أو من حيث الشعار (الإسلام هو الحل).

لم نر شيئا من ذلك إلى حد الآن في الحالة التونسية. وأعتقد أن ذلك يستدعي مراجعة دور العوامل الخارجية في المحيط الإقليمي والعالمي في بلورة الوعي بالذات.

أعتقد كذلك أن تشكل الوعي السياسي والاجتماعي اليوم لم يعد رهين العوامل الداخلية والذاتية فقط، بل أصبح للثقافة المحيطة والعالمية دور مهم في تحديد وعي الأفراد والمجموعات وفي إثراء زادها من التجارب.

لقد بين استعمال فيسبوك في الحالة التونسية مدى الهوة بين شباب ابتعد إعلاميا عن سطوة دولة الاستقلال وبين سلطة كانت لا تزال تعتقد بأن إعلامها الرسمي قادر لوحده على التأطير.

التحديات والآفاق
على المستوى الآني في استقصاء التحديات التي تواجه ثورة الشارع التونسي لا بد من التوقف عند مسألة مصير النظام القديم. فمن الواضح أن الثورة قد قطعت شوطا كبيرا في القطع معه وهذا ما نلاحظه من خلال التمسك بمطلب حل الحزب القديم وبالمحاسبة.

لكن ظلاله ما زالت قائمة أولا من خلال الحكومة الانتقالية التي أعقبت فرار الرئيس السابق خاصة في ظل تمسك الوزير الأول محمد الغنوشي بمنصبه وبحكومته بشكل يبعث على الريبة.

ولا يستبعد أن يكون ذلك في سياق رهانات داخلية مرتبطة بالتصرف في تركة نظام بن علي أو كذلك خارجية تريد ضمان مصالحها من خلال نموذج ديمقراطي هش وطيع قد لا يرتقي إلى الإرادة الشعبية. ثم ثانيا من خلال هيمنة أعضاء التجمع على كل المناصب الإدارية الحساسة مما قد يعيق ترسيخ مفهوم دولة القانون وشرعية الشعب.

لا بد من أن ينتبه الشعب التونسي كذلك إلى أنه لا يكفي قلب نظام الاستبداد لطي صفحة التاريخ المرتبط به. ففي بعض الحالات يبدو التصرف في الحرية أصعب من افتكاكها.

كما أن حق الممارسة الانتخابية الحرة والنزيهة لا يحل المشكل ولنا في التاريخ العربي الحديث أمثلة معبرة عن ارتداد الحريات إلى استبداد متجدد. لقد أهدى سوار الذهب الحريات السياسية للسودانين على طبق لتنتهي السودان إلى المزايدة السياسية باسم الإسلام وإلى الحرب الأهلية والانقسام.

"
لا بد من أن ينتبه الشعب التونسي إلى أنه لا يكفي قلب نظام الاستبداد لطي صفحة التاريخ المرتبط به, ففي بعض الحالات يبدو التصرف في الحرية أصعب من افتكاكها
"
كما أن الحريات التي اقتلعها المواطن الجزائري في أكتوبر/تشرين الأول من سنة 1988 أدت إلى الحرب الأهلية وهو نفس ما حدث فيما بعد في العراق. لا بد من الانتباه إلى أن التصرف الاجتماعي في الحرية مسألة في غاية الحساسية نظرا للتحديات التي قد تطرحها الحرية على المجتمع.

فإلى حد الآن ما زلنا في مرحلة حصر الحريات في علاقة المجتمع بالسلطة، أي في بعدها السياسي، لكننا سنمر حتما بعد ذلك إلى مرحلة علاقة المجتمع بذاته أي بأفراده وبتنوعه. فكيف سيطرح دور الإسلام في الحياة العامة مثلا؟ وكيف يمكن معايشة الحريات الفردية مع المنظور المجتمعي للإسلام باعتباره منظومة جماعية؟ كيف سيعبر الأفراد عن خصوصياتهم وعن تنوعهم في ظل بقاء هياكل تقليدية للمجتمع وفي ظل غياب ثقافة الحوار؟

إن نجاح الثورات غير ضامن لنجاح المجتمع البديل. فالثورات تبقى بطبيعتها محافظة إذا لم تتمكن من القطع مع ثقافة الإقصاء والإجماع وإذا ما تمت استساغة التنوع المجتمعي في وعي المجموعة.

المصدر : الجزيرة