منير شفيق

منير شفيق


عشرات الألوف، أو مئات الألوف من الرجال والنساء، من الشيب والشبان، ومن شيعة وسنة ودروز ومسيحيين، ومن أطياف علمانية ويسارية وليبرالية، كل هؤلاء شاركوا بحجم أو بآخر في جنازة العلامة والمفكر والفقيه المجتهد آية الله السيد محمد حسين فضل الله. الأمر الذي يعني أن مثلهم أو أكثر منهم شاركوا من بعيد عبر ما أفصحوا عنه للراحل الكبير من حزن ومديح مختلطيْن بخوف دفين مما يعنيه رحيله من خسارة وفقدان.

"
العبرة الأولى في مشهد جنازة السيد فضل الله النادر بحجمه وتنوّعه لم تكن إلاّ تأييدا أو قبولاً أو إعجابا لما، وبما، كان عليه الفقيد من مواقف وسيرة سواء أكان في مجال الفقه والفتاوى أم في مجال السياسة والقضايا المحليّة والكبرى
"
العبرة الأولى في هذا المشهد النادر بحجمه وتنوعه لم تكن إلا تأييداً أو قبولا أو إعجابا لما، وبما، كان عليه الفقيد من مواقف وسيرة سواء أكان في مجال الفقه والفتاوى أم في مجال السياسة والقضايا المحلية والكبرى. فالناس لا تقدّر العلم إلا إذا اقترن بالعمل. فالعلم في صدر صاحبه أو بين دفتيْ كتاب لا يصل إلى الناس، ولن يعرف أين يريد أن يذهب بمن يتبعه. ولكن الموقف والعمل والممارسة هي ما يعبّر عما في الصدور من علم وما في الكتب من تحقيق وفكر وتحليل، وهي ما يصل إلى الناس.

وبالطبع ليس من علم في الصدور أو في الكتب إلا ولصاحبه مواقف محددة ولو كان الموقف يتسّم بالصمت أو اللاموقف. ودعك مما قد يتسم به من شجاعة أو جبن، ومن استقامة أو نفاق، ومن انحياز للشعب والحق أو ممالأة للسلطان والدول الكبرى. فلا شيء يخفى مع مرور السنين والعقود، فالناس بعد الله هُم الذين يحكمون على العالِم، أو المفكر، والسياسي، والحاكم، والإنسان العادي أيضا.

وقلما أخطأ الناس في أحكامهم عندما يتعاملون مع من يتحلى قولا وعملا بالاستقامة والشجاعة والموقف الحق والرأي الصواب، وقد يخطئ الناس في أحكامهم على الحالات التي في المناطق الرمادية، أما الحالة الثالثة المضادة للأولى فقلما يخطئ الناس حين يكون المعنيّ من بطانة الحاكم ومن شهود الزور أو يكون منحازا للقوى الكبرى الأجنبية، فلن يمرّ، مهما تجلْبَبَ بالعلم، وتظاهر بالتقوى. المشكلة دائما في المنطقة الرمادية.

السيد محمد حسين فضل الله كان من الفئة الأولى. وقد برز، بصورة خاصة للجمهور، أو الجماهير، من جهة مواقفه في دعم المقاومة المسّلحة في لبنان وفلسطين، وفي فتاواه التي ردّت على كل فتوى أحجمت أو اعترضت على مقاومة الاحتلال والعدوان. وقد تحصّن بموقف مبدئيّ لم يتزحزح عن تحريم الاعتراف بالكيان الصهيوني أو التفريط بأيّ من الحقوق والثوابت في القضية الفلسطينية.

هذه القضية التي تشكل معيارا لا يُخطئ في تقويم المواقف منها، فكم من علماء قد رسموا علامة استفهام على علمهم واستقامتهم حين شجعوا سياسات الاعتراف بالكيان الصهيوني وعقد الاتفاقات معه وإدارة الظهر للمقاومة. وكم من مفكرين وسياسيين وضعوا علامة استفهام على فكرهم وسياساتهم ونظافتهم حين روّجوا للسياسات الأميركية والعولمة والتسوية التي يقف على رأسها الاعتراف بالكيان الصهيوني.

"
وقف السيد فضل الله كالطود الشامخ في مواجهة المنافقين والمعوّقين والمثبطين في عصرنا وعنوانهم الاعتراف بالكيان الصهيوني والخضوع لأميركا وقلب ظهر المجن للمقاومة وللحقوق والثوابت في القضية الفلسطينية
"
هنا وقف السيد فضل الله كالطود الشامخ في مواجهة المنافقين والمعوّقين والمثبطين في عصرنا وعنوانهم الاعتراف بالكيان الصهيوني والخضوع لأميركا وقلب ظهر المجن للمقاومة وللحقوق والثوابت في القضيّة الفلسطينية، وكلها من ثوابت الإسلام. فمن أجل هذا التاريخ المشرّف عن القضية الفلسطينية والمقاومة ودفاعاً عن الحقوق والثوابت، ورفضا صارما للسياسات الأميركية وكل سياسات دوليّة تدعم الكيان الصهيوني، تدافعت وكانت هذه الحشود وراء النعش المهيب. وكانت تلك المواقف الشعبية الواسعة من السيد محمد حسين فضل الله وتكريمه قد جاءا كما يليق به.

وإن من يتخذ موقفا حازما مبدئيا من قضيّة تحرير فلسطين ويخوض غمار دعم المقاومة ويتصدّى لأميركا الواقفة كلياً في جبهة الكيان الصهيوني لا بد له من أن يكون حريصا أشدّ الحرص على وحدة المسلمين وعلى وحدة العرب وعلى وحدة كل مكوّنات المجتمع، مثلاً في لبنان حريصا على وحدة المسيحيين والمسلمين، كما وحدة المسلمين. ولهذا كان السيد فضل الله متماسكا في فقهه وفي فكره وفي مواقفه السياسية حين أصبح عنوانا لوحدة الأمة الإسلامية ووحدة الأمة العربية ووحدة لبنان ووحدة الشيعة والسنة.

لأن الوقوف المبدئي ضد الكيان الصهيوني والهيمنة الخارجية يقتضيان الوحدة ودرء الفتن الداخلية على اختلاف عناوينها ومسميّاتها وذرائعها، فأنت لا تستطيع وأنت تحارب أولئك الأعداء أن تفتح بابا لفتنة داخلية. وإذا ذهبت، مهما كانت المسوّغات، إلى فتنة داخلية فلا مفرّ لك من المهادنة مع الخارج وأعوانه. ففي ظروف الصراع الذي تواجهه بلادنا العربية والإسلامية لا يستقيم أن تقاوم الكيان الصهيوني وتصالح أميركا، فلا هي ترضى بذلك ولا أنت تستطيع أن تقاوم أميركا وتصالحها في آن واحد. وذلك لسبب بسيط كوْن أميركا والكيان الصهيوني وجهين لعملة واحدة.

"
حَسمَ السيد فضل الله موقفه من أميركا سياسيا وحسمت هي موقفها منه وأدرجته على قائمتها السوداء. وكان لا بدّ لهذين الحسْمين من أن ينعكسا على فقهه وعلى مواقفه
"
فمن هنا حَسَمَ السيد محمد حسين فضل الله في موقفه من أميركا سياسياً وحسمت هي موقفها منه وأدرجته على قائمتها السوداء. وكان لا بدّ لهذين الحسْمين من أن ينعكسا على فقهه وعلى مواقفه وفي المقدّمة ما اتسّم به من روح وحدويّة داخلية على كل مستوى. وهذه سياسة، وفي الفقه سياسة أيضاً، هي التي حشدت كل ذلك التنوّع الذي عرفته الجنازة أو عكسته التعليقات على خبر رحيله من عالمنا.

على أن ثمة وجها آخر يمكن أن يُقرأ من خلال ما عرفته الجنازة من جماهير وتعدّد ألوان سياسية وفكرية ومذهبية ودينية فيها، وهو أن وعي غالبية الناس مؤسّس على مبدأ العداء للكيان الصهيوني والهيمنة الخارجية بسبب التجارب الطويلة معهما، وهو مؤسّس على مبادئ الإيمان والمقاومة والوحدة والانفتاح ووسطية الإسلام واعتداله. وهذا كله مخزون تاريخي في وعي الأمّة. فمن هنا التقى هذا الوعي مع الخط السياسي الذي تبنّاه السيد محمد حسين فضل الله فتبادَلا الجميل وتكاملا.

فرحمة الله عليه، وأسكنه فسيح جنانه.

المصدر : الجزيرة