توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


استوقفني مؤخرا سؤال وجه للدكتور محمد البرادعي حول موقفه إذا "لم يتجاوب النظام المصري مع مطالب الشعب", وإجابة البرادعي: "أخاف أن نصل لهذه الحالة وأرجو ألا نصل إليها".

وقبل أن نغوص في الحالة التي يتمنى البرادعي ألا تصل مصر إليها, نتوقف أولا عند السؤال الذي يقر بصورة عفوية, وبحكم واقع كاسح يتجاوز الرقيب الرسمي والرقيب الذاتي, بأن الشعب المصري بملايينه الثمانين بات في جانب و"نظام الحكم" في جانب آخر، وأن الجانب الثاني يملك أن يتجاوب أو لا يتجاوب مع الجانب الأول!!

"
الشعب المصري بملايينه الثمانين بات في جانب و"نظام الحكم" في جانب آخر, والجانب الثاني يملك أن يتجاوب أو لا يتجاوب مع الجانب الأول!!
"
مثل هذا السؤال حمّال المعاني الذي كان مطروحا شعبيا, هو ما وظفه الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن في سيناريو فيلم "ناصر 56", وعلى لسان رجل من العامة دوره أقرب للكومبارس, ولكن أهمية السؤال استلزمت أن يقوم بالدور الفنان حسن حسني. ففي الفيلم يزاحم حسن حسني, ابن السويس العاطل عن العمل, الجموع الشعبية التي أحاطت بجمال عبد الناصر أثناء زيارة له لمنطقة القناة, ليوصل للرئيس مظلمته المتلخصة في رفض شركة القناة استخدامه. ويرد عبد الناصر: تعال عندنا نشغلك في مصر. وعندها يطرح المواطن البسيط تساؤله المنطقي البدهي على نفسه أولا وهو يضيع ثانية وسط الجموع المتدافعة: "هو إحنا هنا مش في مصر؟!"، بهذا السؤال أو التساؤل البدهي يؤشر الكاتب المبدع على ولادة فكرة تأميم القناة في نفس عبد الناصر.

والآن, يطرح الواقع المتفاقم بأكثر مما كانت حالة السويس سؤالا بذات البداهة والعفوية وحسن النية, ومثقلا بذات القدر من سخرية الأقدار, مما تلزمه وقفة مطولة. فالسؤال لا يقتصر على مصر, بل هو يستدعي كامل المشهد العربي الذي وحده يمكن أن يعني فيه تعبير "الأنظمة الحاكمة" فردا أو بضعة أفراد أو دوائر ضيقة في أسرة, أو حزبا الغالب أنه تشكل من مجموعة منتفعين تتجمع حول هؤلاء لاحقا, أكثر منه حزبا يوصل هؤلاء ولو لمرة لا تتكرر.

ولكن القاسم العربي المشترك الأكبر بين هذه الخيارات المحدودة والمحددة أنها تستثني الشعوب بملايينها وعشرات ملايينها بما حيّد, أو كاد, أثر ثلث مليار من البشر حتى في مجريات الأحداث على أرضهم وبما يمس حياتهم اليومية كما تاريخهم ومستقبلهم.. لهذا وجدتني, رغم إلحاح المواضيع وسط سخونة الأحداث الجارية, أكتب عن "الأنظمة العربية", في محاولة لإخضاع حالة "سريالية" لبحث علمي واقعي.

بداية نتوقف عند كلمة "نظام" التي توصف بها الأنظمة العربية بخاصة, والتي هي تعبير قانوني لزاما, حتى في علوم السياسة وأدبياتها. فالحديث عن الحكم لا يجوز دون الحديث عن القانون, كون الحكم لا يتم إلا بقانون. وعقود الحكم التي تحدد "أنظمته" تسمى "دستورا" أو "قانونا أساسيا" أو -في غياب الاثنين- هي تتشكل من مجموع الجسم القانوني للدولة والتي تتضمن قوانين عدة تنص على حقوق الشعب وتحدد صلاحيات ومسؤوليات الحاكم.. أي أنه حتى غياب "الدستور" لا يعني أن هنالك رخصة مفتوحة للحكام. وحتى في العهود المغرقة في القدم, كما العهد الفرعوني في مصر, لم يكن بالإمكان أن يفعل الحاكم ما يشاء ما لم يزعم أنه "إله" أو ابن إله أو مندوب عن الإله أو الآلهة.

فمجمل هذه القوانين, بنصوصها "الآمرة" (بما فيها الدستور حيث وجد) والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبها (المشترط لشرعيتها ألا تناقض لا الدستور ولا القانون) والمعتقدات الأساسية للمجتمع, تشكل ما يسمى بـ"النظام العام". هذا النظام العام واجب التطبيق إلى حد أنه في القضايا الجزائية, حيث من حق الخصوم وحدهم أن يثيروا ما يعتقدون أنه يخدم قضيتهم من القوانين والأنظمة المعمول بها دون غيرها وعلى المحكمة أن تقف محايدة وتتعامل مع ما أثير من دفوعات فقط.. يحق للقاضي في حالة وجود مخالفة "للنظام العام"، وكانت المخالفة ذات أثر, أن يثير البنود المتعلقة بهذه المخالفة. و"الأثر" هنا يترك تقدير ضرره للقاضي فيقرر إثارته من عدمه.

"
النصوص الدستورية كلها آمرة على الحكومة إلا ما خيرت فيه بصريح النص الدستوري, وغير آمرة للمواطنين لأنها تنص على حقوق لهم بإمكانهم أن يفعّلوها أو يهملوها
"
ومن المهم بيان أن النصوص الدستورية كلها آمرة على الحكومة, إلا ما خيرت فيه بصريح النص الدستوري, وغير آمرة للمواطنين لأنها تنص على حقوق لهم بإمكانهم أن يفعّلوها أو يهملوها. فالفكرة من الدستور أنه عقد حكم يبرمه الشعب مع حكامه وينظم فيه سلطات الحكم. ومن هنا يحصر التشريع, في كل ديمقراطيات العالم, في ممثلي الشعب المنتخبين وتسمى مجالس الشعب النيابية المنتخبة لتمثيله سياسيا بـ"السلطة التشريعية".. وهذا نقيض الحالة العربية التي كرس حكامها قاعدة "أنا النظام والنظام أنا"!!

النظام المصري يخدم هنا كنموذج أمثل على "الأنظمة العربية": ثورة شعبية صادقة على المستعمر وأعوانه, يرثها من لا فضل له في الثورة, أو تحال قيادتها إليه باستفتاء يجري عليه منفردا لا منافس له في الأغلب, وبعلم أو بشك في وجود مؤامرات أنتجت تصفية قادة الثورة الأصليين. والأغلب أن يكون هذا الوريث حليفا للمستعمر, أو يتحول لذراع له لتحصين نفسه في مواجهة الشعب.

وتتشكل حول هذا الوريث طحالب يضمن هو لها الوصول للسلطات الثلاث ولكافة الشريانات الاقتصادية, وتضمن هي له مرورا سهلا عبر الاستفتاء الذي قد يتكرر, ولكنه في النهاية يبحث عن شكل أكثر قبولا دوليا, فيجري زعم تشكل حزب من رجال الحاكم يولد "حزبا حاكما". ثم يجري التمهيد للانتخابات بكل العبث اللازم بالدساتير إن وجدت, أو تفصّل دساتير حسب المقاس الرسمي لا تلبث أن تعدل بما يناسب اختلاف مقاس الحكم المتضخم. وتحل الانتخابات محل الاستفتاء في توفير ذات الفوز الساحق لحاكم منصّب طويلا منذ ما قبل الانتخابات ولما بعدها بحدود نهاية عمره "الزمني", وليس العمر "الافتراضي" الذي تمليه متطلبات ومهام المنصب.

والفارق الرئيسي بين الاستفتاء والانتخابات يكون في وجود من يترشح في تلك الانتخابات لدور "المحلّل" مقابل أجر يعوضه عن كرامته بأكثر من ثمنها الحقيقي. وإذا تجرأ أحد على التقدم للشعب لخطب وده بجد يعاقب بما يجعله عبرة لمن يعتبر.. "فيلم عربي" هزلي بكل ما يحمله التعبير من سفه نص وسوء إخراج وتمثيل يستهتر بعقول الجمهور. ولكن المأساة أن الفيلم يروي قصة حياة شعوب بملايينها تساق هكذا منذ بداية زعم استقلالها.

"النظام" هو طريقة مفصلة لتطبيق القانون بصورة موحدة وليس لصالح وحسب رغبات أشخاص تتبدل فيتبدل معها. ففي الفقه القانوني "شخصنة" القانون أو النظام تسقط شرعيته تلقائيا. وتعريف "النظام" القانوني والسياسي وحتى اللغوي يحتم ألا تكون هنالك صعوبة في توقع الآتي عبر آلياته, ليس فقط لدى المختصين (وهم السياسيون والقانونيون فيما يعني مقالتنا هذه), بل ولدى رجل الشارع الحصيف الذي يعرف المدخلات ومسارها الموحد في النظام, فيمكنه توقع المخرجات بدرجة من الدقة تتفاوت حسب دقة معرفته هو, وليس لخلل في عمل النظام.

فالخلل في النظام, إن ظهر مرة, يستوجب تعديله بحيث يعود لحالة القاعدة الموحدة. أما حين يصبح هذا المسمى "نظاما" آلة صدئة لا تتجاوب مع الوظيفة المطلوبه منه, فلا يتوقع أن يتوقف سير حياة الملايين عنده بانتظار كلمة السر ينطقها في الأغلب كهل على شفا قبره, أو مطامع شاب أرعن فيما يظن أنه ميراثه.

وهذا تحديدا ما توقفت عنده مصر التي قدرها أن تمثل الحالة العربية وتقودها صعودا أو هبوطا, وهي ليست الحالة الوحيدة حتى بتفاصيلها. فمثلها كثير قائم ومعلق على الحالة الصحية لكهل ممنوع مجرد الحديث عن صحته تلك, أو هو حُسم بتكريس القديم بتوريثه لمن هو أقل خبرة وحصافة.

"
تقييم الشارع العربي للمنحنى الهابط لمسار التوريث يتجلى في غياب تسميات لحكام كان مجمعا عليها من مثل "زعيم العرب" و"حكيم العرب", وهي صفات لقيادات صحيح أنها لم تأت عبر الانتخاب, ولكن كان يمكن أن تتكرر لو أتيح للشعوب انتخاب حكامهم
"
وتقييم الشارع العربي للمنحنى الهابط لمسار التوريث يتجلى في غياب تسميات لحكام كان مجمعا عليها من مثل "زعيم العرب" و"حكيم العرب", وهي صفات لقيادات صحيح أنها لم تأت عبر الانتخاب, ولكن كان يمكن أن تتكرر لو أتيح للشعوب انتخاب حكامهم. وللموضوعية, لا بد من الإشارة إلى وجود استثناءات قليلة جدا تمثلت في درجة من انقلاب "النظام الحاكم" على ذاته بما يتيح له أن يختط نهجا تنويريا منفتحا, أو قدرا من الدمقرطة تعطيه من الليونة ما يحول دون كسره عند أول منعطف إصلاح أو تغيير مما يفرضه عالم متغير بسرعة هائلة.

ووجود "نظام" حقيقي يمثل عقد حكم توافقي هو في الحقيقة ضمانة ألا يكسر هذا النظام بفعل جهة معينة تريد احتكار الحكم في عملية إحلالية تتغطى بزعم الإصلاح. والأهم أنه يشكل حصانة في وجه اختراق قوى خارجية للدولة, أو حتى اجتياح واحتلال وطن قائم من قبل تلك القوى بما يزيل دولة عن الخارطة أو يغير من هويتها كليا حسب رغبات المتدخلين أو المحتلين.

وهذا التدخل يتكثف في دول الوسط العربي الحيوي المتمثل تاريخيا في العراق وسوريا الطبيعية ومصر (أضيفت لها السعودية بعد اكتشاف النفط), ويقل في الأطراف بما أتاح لدول كالصومال وموريتانيا (الأقل تطورا في أكثر من معيار تنموي) أن تخرج إلى حد بعيد عن القاعدة العامة التي نتحدث عنها وتبدأ بتطوير "نظم حكم" خاصة بها أكثر تطورا سياسيا من مجمل نظم العالم العربي. بينما دولة على الأطراف جغرافيا كاليمن تظل جزءا من الوسط المستهدف تاريخيا (لموقعها على أهم مدخل بحري يشكل امتدادا للمتوسط نحو آسيا) وتصبح حالة مصغرة من مصر في أوج الازدهار الحضاري لـ"عدن" كما في تفاصيل حالها السياسي المتأزم بذات درجة تأزم الوضع السياسي في مصر الآن .

وخير مثال على مزايا وجود أي "نظام" حقيقي للحكم -ودون اشتراط كماله- باعتباره معقلا للدولة, هو "النظام اللبناني". فهذا النظام, رغم عيوبه التي لا نجادل فيها, يظل "نظاما" بالمفهوم اللغوي والقانوني لكونه عقد حكم سياسي توافقي.

لهذا, وعلى الرغم من التدخل الخارجي المكثف والمتعدد الذي أشعل حربا أهلية لأكثر من عقد ونصف, جرى أثناءها احتلال إسرائيل للبنان وصولا للعاصمة بيروت, مما كان سيعني سقوط الدولة كلها لو جرى هذا لأي بلد عربي آخر.. إلا أنه لا المتدخلين سرا ولا المحتلين علنا تمكنوا من هدم أركان الدولة اللبنانية أو إزالتها, على حداثتها.

والأهم اللافت للنظر أنهم لم يتمكنوا من تغيير "نظامها" الطائفي بآخر يحسم الحكم لصالح طائفة دون أخرى أو يلغي الطائفية (مع أن الأخير لم يكن واردا في مخططات المتدخلين والمحتلين). وهذا يشير إلى سلامة "النظام" بحد ذاته كآلية توافقية تؤدي المطلوب منها, وإلى أن العيب الحقيقي هو في الطائفية الباقية في زمن الحرب كما في زمن السلم. ولهذا ظلت تلك الطائفية, وستظل, تنكعس على كل نظم الحكم اللبنانية كضرورة لأمنه ولاستقراره المنظور على الأقل (كما جرى في اتفاق الطائف ذاته الذي أنهى الحرب الأهلية), حتى يتسنى للشعب اللبناني الوصول لصيغة أخرى كالمواطنة اللبنانية دونما طائفية. والأخيرة هي الصيغة الأمثل بلا جدال, ولكنها الصيغة التي يعترف كل قادة لبنان بعمومه العابرين للطوائف بشخوصهم المعتبرة, وفيما هم يعملون على تحقيقها, أنها ما زالت بعيدة.

"
إذا مر التغيير في مصر سلما من باب الإصلاح الدستوري فإن الفرصة للإصلاح, دونما حاجة للتغير في الأغلب, تزداد بشكل كبير في بقية العالم العربي, أما إن لم يستجب بضعة أنفار لشعب بأكمله فإن كل الخيارات تصبح مفتوحة
"
ما يجري في مصر وعلام يرسو وكيف، سيحكم الكثير من نتائج الحالة العربية, وذلك لأهمية دور مصر التاريخي والثقافي وأهمية موقعها على الخارطة الجغرافية السياسية في هذه اللحظة الحبلى بالتغيرات الجذرية في الأقليم كله. فإن مر التغيير سلما من باب الإصلاح الدستوري, فإن الفرصة للإصلاح, دونما حاجة للتغير في الأغلب, تزداد بشكل كبير في بقية العالم العربي. أما إن لم يستجب بضعة أنفار، أو بضع عشرات أو مئات على أكثر تقدير, لشعب بأكمله فإن كل الخيارات تصبح مفتوحة.. وهذا هو معنى إجابة البرادعي.

الخوف الذي عبر عنه البرادعي ليس تلويحا بوسائل قوة مادية, فقوة البرادعي ومن معه معنوية صرفة. وأول ذكر للقوة بمعنى "العنف" جاء على لسان أحد أقطاب إعلام الحكم, والذي اتسمت دفاعاته لحينه بدرجة عالية من الاسترخاء في الدعوة للمنافسة سلما, مستندا لبقاء الخيارات على حالها الذي أوصلها إليه دستور سيئ جرى العبث به بحيث لم يعد "نظاما" عاما, بل أصبح ثوبا على مقاس واحد. وإصرار البرادعي ومن معه على إعادة تعديل الدستور ليتسع لكل من يريد الترشح هو الذي وتر ذلك المدافع حد أن يصرخ هذه المرة بأن طلب المعارضة للتغيير هو تهديد "بانقلاب على نظام الحكم بالقوة".. فالتعديلات الدستورية في تجربة ذلك الإعلامي, كما لدى الشارع المصري وللمتابعين عبر الفضائيات, كان الحكم فيها "للقوة" ممثلة بترسانات أمنية تملأ شوارع مصر علنا.. وهنالك "قوة مفرطة" تمارس يوميا داخل مراكز الأمن حيث المواطن تحديدا بلا قوة نهائيا, وهي لا تمارس بالسر.

فجثة خالد سعيد الذي أخذه رجال الأمن بالقوة من مقهى إنترنت جرى إلقاؤها في الشارع. وسائق التوك توك الذي أوصل رجلي الأمن جرى إلقاؤه من نافذة بالطابق الثالث لمركز الأمن.. فهل هي الخشية من امتحان قوة متبادل سيفرضه إصرار طرف على مزايا وامتيازات القوة؟

هنا تتبدى مزايا "النظام" الحقيقي لكافة الأطراف, ربما لأول مرة بهذا الحجم.

المصدر : الجزيرة