عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري

 
يبدو أن الصراع الذي بدأ خفيا بين المؤسسة العسكرية التركية وحزب العدالة والتنمية، منذ وصول هذا الحزب إلى الحكم في أواخر العام 2002، قد انتقل إلى العلن في الآونة الأخيرة، حيث شهدت تركيا سلسلة من التوقيفات والاستجوابات، طالت عددا من كبار ضباط وقادة الجيش، على خلفية اتهامهم بتحضير انقلاب عسكري ضد الحكومة المنتخبة.

واستدعى ذلك اجتماعا ثلاثيا عاجلا بين رئيس الجمهورية التركية ورئيس الوزراء ورئيس أركان الجيش، بغية الوصول إلى تهدئة الأوضاع، وإيجاد حل للخلافات المتراكمة بين قادة حزب العدالة والتنمية وقادة الجيش التركي.

مرحلة جديدة
اللافت هو تصريح رئيس الجمهورية في أعقاب انتهاء الاجتماع الثلاثي، الذي قال فيه "إن تركيا ستحل مشاكلها في إطار القانون والدستور"، كونه يتلاقى مع التصريح الشهير لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي أعلن فيه أن "لا أحد في تركيا فوق القانون"، فهذا التصريح يلخص التحول الذي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة، وأفضى إلى مرحلة جديدة، بما يعني انتهاء المرحلة التي كان فيها الجيش فوق كل مساءلة أو انتقاد، بوصفه الحاكم الفعلي للبلاد، والدخول في مرحلة جديدة باتت فيها الكلمة العليا للقانون، وبالتالي يمكن القول إن تركيا انتقلت من مرحلة حكم العسكر، ولو من خلف ستار أحيانا إلى مرحلة تشهد تثبيت الحكم المدني.

ولم يكن متوقعا -من قبل- أن يدخل حزب العدالة والتنمية في هذا التصعيد مع الجيش، لولا اكتسابه الثقة الكافية بقدراته وأوراقه، على خلفية التأييد الشعبي الذي يمتلكه في الشارع التركي، والنجاحات التي حققها في مختلف الميادين، السياسية والاقتصادية، حيث باتت تركيا اليوم قوة إقليمية لا يستهان بها، وتلعب دورا هاما في مختلف القضايا التي تخص المنطقة المحيطة بها.

"
يدرك قادة الجيش أن عهد الانقلابات العسكرية المباشرة قد انتهى، وأن الوضع الراهن لا يسمح لهم بإعادة الأمور إلى مرحلة ما قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وغير قادرين على دفع التكلفة التي تتطلبها مواجهة إرادة قطاعات واسعة من الأتراك
"
في المقابل يدرك قادة الجيش أن عهد الانقلابات العسكرية المباشرة قد انتهى، وأن الوضع الراهن لا يسمح لهم بإعادة الأمور إلى مرحلة ما قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وأنهم غير قادرين على دفع التكلفة التي تتطلبها مواجهة إرادة قطاعات واسعة من الأتراك.

ولا يرغب قادة حزب العدالة والتنمية في فتح باب صراع مفتوح مع الجيش التركي، لأنهم يدركون حجم قوته ونفوذه في المؤسسة القضائية وعلاقته القوية بما يعرف بالأحزاب العلمانية، بل يسعون إلى جعل الجيش مؤسسة في حجمها الطبيعي، لا تملك سلطة فوق الجميع، أي لا تقوم بدور المؤسسة المركزية أو الأولى، بل تخضع مثل غيرها من المؤسسات لسلطة القانون. إضافة إلى أن الحكومة التركية أمامها استحقاقات داخلية وخارجية عديدة، ولا تريد أن يشغلها أي صراع يستهلك طاقاتها، فهناك الاستقرار الاقتصادي والسعي الحثيث للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

حيثيات الصراع
يعد الجيش التركي نفسه وريث التقاليد الأتاتوركية وقيمها، والقوة القائدة للدولة والمجتمع، أي المسؤول عن حماية الدولة العلمانية التركية، والشريك الأساسي في تجربة التحديث التي قادها مصطفى كمال أتاتورك منذ العام 1923، والمساهم الأول في توفير المناخ للتنمية والممارسة العلمانية والديمقراطية، لكن حين كانت تسوء الأمور في الدولة أو يهدد أسسها أي خطر داخلي حسب وجهة نظر قادته لم يكن يتردد في اللجوء إلى الانقلاب العسكري المباشر أحيانا أو اللجوء إلى لغة الإنذار والتهديد أحيانا أخرى.

وقد أطاح الجيش التركي بأربع حكومات مدنية، منذ ستينيات القرن العشرين المنصرم وصولا إلى بلوغ حزب العدالة والتنمية الحكم التركي في العام 2002، لكنه في كل مرة كان يعود إلى ثكناته، بعد أن يترك حكومة على مقاسه، ويتحكم بالأمور من وراء الكواليس.

وكان الجيش حذرا ومتوجسا من شعارات وأطروحات حزب العدالة والتنمية، ويتهمه بإخفاء أهدافه الإسلامية، وأنه يعمل على "أسلمة" المجتمع التركي، ويمتلك قاعدة شعبية واسعة، تضم تيارا أصوليا، يسعى بكل جهده إلى تجسيد مشروعه بتحويل تركيا إلى دولة دينية، مع أن قادة حزب العدالة والتنمية صرحوا، في أكثر من مناسبة، بأن حزبهم ليس حزبا دينيا، ويقبل بالتاريخ الأتاتوركي، وبقواعد وتقاليد العلمانية التركية، لذلك يمكن القول إن جذور الصراع بين الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية تعود إلى لحظة وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع.

وبدأ قادة المؤسسة العسكرية التركية، ومعهم قضاة المحكمة الدستورية، وعدد من الأحزاب والمثقفين الأتراك، ينظرون بعين الريبة إلى هذا الحزب، ويرون فيه خطرا يهدد أسس العلمانية التركية، ويعمل على تقويض دور الجيش، وعلى قمع منتقديه، خاصة وسائل الإعلام المناوئة له.

وحاول قادة الجيش منع وصول عبد الله غل إلى رئاسة الجمهورية، حيث طعنت المحكمة الدستورية في قانونية الحزب الحاكم، وحاولت حظر النشاط السياسي لرئيس الوزراء ومجموعة من قادة حزب العدالة والتنمية، لكن المحاولة فشلت، بعد أن دعا رجب طيب أردوغان إلى انتخابات مبكرة، عززت نتائجها شعبية الحزب وقوته.

"
كانت نقطة النجاح الأولى لحزب العدالة والتنمية في صراعه مع المؤسسة العسكرية هي فشل الإنذار الذي وجهه الجيش في العام 2007، ووصول عبد الله غل إلى رئاسة الجمهورية التركية، الذي عد وصوله تحديا لإرادة قادة الجيش
"
وكانت نقطة النجاح الأولى لحزب العدالة والتنمية في صراعه مع المؤسسة العسكرية هي فشل الإنذار الذي وجهه الجيش التركي في العام 2007، ووصول عبد الله غل إلى رئاسة الجمهورية التركية، الذي عد وصوله تحديا لإرادة قادة الجيش.

وقد استند حزب العدالة والتنمية إلى نهج الاعتدال السياسي، وأثبتت سياساته الاقتصادية نجاعتها ونجاحها، بالاستناد إلى جملة من الإصلاحات الاقتصادية الفعالة، ونجح في بدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن التأييد الشعبي الكبير الذي يحظى به مقارنة بالأحزاب التركية الأخرى.

ويجد هذا الحزب قاعدة تأييده ليس في أوساط الإسلاميين فقط، بل لدى قطاعات رجال الأعمال والصناعيين، والمثقفين الليبراليين، وبعض منظمات المجتمع المدني.

فقدان الثقة
لقد عنى الصراع بين الجيش ومن يقف في صفه وحزب العدالة والتنمية وجمهوره صراعا بين فريقين، أحدهما علماني والآخر إسلامي، ولا يثق أحدهما بالآخر، لكن الأمور ليست بمثل هذا التبسيط، رغم الانقسام الذي تعيشه تركيا منذ سنوات، بين من يعدون الجيش أكبر عقبة في طريق ترسيخ الممارسة الديمقراطية في تركيا، وأولئك الذين يرون وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي نكسة للنظام العلماني الذي وضع أسسه مصطفى كمال أتاتورك وحماه الجيش لما يزيد عن ثمانين عاما خلت، حيث ترفض ما اصطلح على تسميتها "القوى العلمانية تغلغل حزب العدالة في مواقع ومفاصل الدولة التركية، ويعني ذلك رفضها واقع التحول أو التغيير الذي جرى في تركيا، حتى وإن أخذ الأمر منحى دستوريا معتمدا في الحياة الدستورية التركية، لكن ذلك لم يمنع أنصار الحزب من الولوج إلى مواقع حساسة في جسد الدولة التركية ومؤسساتها الحيوية، مثل قطاع التربية والجامعات والقضاء والأمن والدوائر المدنية.

غير أن أخذ الصراع بين الطرفين منحى تصعيديا بعد اتهام الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان ضباطا من الجيش التركي بالانتماء إلى منظمة سرية تدعى "أرغينيكون" تخطط وتحضر للانقلاب عليها، لكن قادة الجيش نفوا أي نية للتآمر على الحكومة المنتخبة، التي تتم ملاحقتهم بسببها، ولم تظهر بعد ثلاث سنوات من التحقيقات أي إثباتات كافية تسمح بإدانتهم.

ويبدو أن حكومة حزب العدالة والتنمية نجحت في وضع بعض قادة الجيش في قفص الاتهام، من خلال تحقيقها اختراقا للمؤسسة العسكرية، ونجاحها في ما سمي "حرب الوثائق"، التي كشفت عنها، وتدين بعض الضباط بالتآمر عليها، الأمر الذي أثر سلبا على سمعة المؤسسة العسكرية في الشارع التركي، التي كانت تحظى بتأييد الغالبية العظمى من الأتراك.

ومع ذلك يملك الجيش التركي أوراقا قوية في مختلف مفاصل الدولة، وليس من السهل تحمل التصعيد معه، ذلك أن الاستخفاف بقدرته قد يفضي إلى نتائج عكسية على الحكومة، كما أن فقدان الثقة به والتوجس منه يصعب وضعها ويقلل من قدرتها على التحرك الداخلي بحرية، خاصة أنه سيسعى إلى تعطيل قرارات وخطط الحكومة بقرارات دستورية، وذريعته جاهزة في هذا المجال، وتتمحور حول مقولة عدم تماشي قرارات الحكومة مع الوجهة العلمانية للدولة التركية، وربما يلجأ قادة الجيش إلى القضاء بهدف محاولة حظر نشاط الحزب الحاكم، حيث سبق لهم أن مارسوا نفس السيناريو مع نجم الدين أربكان.

مرحلة جديدة أم هدنة
يدرك قادة حزب العدالة والتنمية جيدا قوة ووضعية المؤسسة العسكرية، وطبيعة علاقتها القوية بالأحزاب القومية والعلمانية التركية، وسبق أن قدمت الحكومة التركية تنازلات أمام ضغط القوى المعارضة لها، خاصة في الجانب المتعلق بالقضية الكردية، حيث غيرت من برنامجها الذي كان يفضل التعامل السياسي مع أكراد تركيا، من خلال التعامل معهم من منظور تنمية مناطقهم المهملة وإدماجهم في المجتمع التركي، حتى وإن اقتضى ذلك الاعتراف ببعض الحقوق الثقافية والسياسية، لكنها اضطرت تحت ضغط الأحزاب القومية إلى التضييق على الأحزاب، التي تنظر إلى المسألة الكردية من منظور حقوق الإنسان، ورضخت تحت ضغط المؤسسة العسكرية إلى التعامل بالقوة والمواجهة الدامية مع مقاتلي وأنصار حزب العمال الكردستاني، وشن الجيش معارك عديدة ضدهم في شمال العراق وجنوب شرق تركيا.

"
يبدو أن تسوية ما أو هدنة تمخضت عن الاجتماع الثلاثي بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وقائد الجيش، لكن الصراع لم ينته بعد، حيث لن يقف قادة الجيش مكتوفي الأيدي، كما أن قادة حزب العدالة والتنمية يحضرون لهجوم استباقي يمهد لتعديلات دستورية
"
ويبدو أن تسوية ما أو هدنة تمخضت عن الاجتماع الثلاثي بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وقائد الجيش، لكن الصراع لم ينته بعد، حيث لن يقف قادة الجيش مكتوفي الأيدي، كما أن قادة حزب العدالة والتنمية يحضرون لهجوم استباقي من خلال إعداد مشروع، أعلن بعض ملامحه رجب طيب أردوغان، يمهد لتعديلات دستورية ويستوجب تحضير أكثرية الثلثين داخل البرلمان.

ويقضي المشروع بالقيام بتغيير عدد من المواد الدستورية والقوانين، بهدف إعادة تشكيل مجلس القضاة والمدعين العامين الأعلى من جديد، بشكل يتم فيه زيادة عدد أعضائه من أحد عشر عضوا إلى واحد وعشرين عضوا، من بينهم اثنا عشر عضوا يعينهم البرلمان، ويقضي كذلك بوضع شروط دستورية، تجعل من إمكانية حظر وإغلاق الأحزاب أمرا صعبا جدا، من خلال اشتراط حصول أكثرية استثنائية في البرلمان، إلى جانب موافقة ثلاثة أرباع أعضاء المحكمة الدستورية.

ويبدو أن الهدف من ذلك هو إضعاف التحالف القائم بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية. وعليه فإن الصراع ما زال مفتوحا على احتمالات عديدة، لكن ما يمكن تسجيله هو تراجع الجيش التركي وتحوله إلى مواقع الدفاع لصالح تثبيت دعائم الحكم المدني.

المصدر : الجزيرة