بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


برغم تنوع المتغيرات والاعتبارات التي تنسج خيوط العلاقات المصرية الأميركية وتؤثر في مسيرتها إيجابا أو سلبا، بدءا من قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر، مرورا بالدور الإقليمي للقاهرة، إضافة إلى التوجه الاستقلالي واعتبارات السيادة الوطنية التي يتشبث بها النظام المصري في مواجهة الإملاءات الأميركية، وما يتصل بذلك من أمور أخرى كالمعونة الأميركية السنوية المقدمة لمصر وغيرها، يبرز المتغير الإسرائيلي بوصفه أحد أهم تلك المتغيرات والاعتبارات وأشدها تأثيرا في تطور العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر.

فإذا كانت تلك العلاقات التي اتخذت طابعا رسميا وتمثيليا مع فتح أول قنصلية للولايات المتحدة بالإسكندرية في يناير/كانون الثاني 1830، قد عمدت إلى تعظيم الطرفين لمصالحهما ومكاسبهما الفردية والمشتركة في آن مستفيدين من مكانة كل منهما الإقليمية والدولية، فقد اقتضت خصوصية البيئة التي تطورت فيها تلك العلاقات لاحقا أن تغدو الدولة العبرية -وبغير مبالغة- شريكا مباشرا ومهما فيها يحول دون بلوغها مبتغاها الذي من أجله دشنت.

فمنذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948 ظلت العلاقات المصرية الأميركية مرتهنة بها صعودا وهبوطا، سواء من حيث وجود تلك الدولة في المنطقة وما يستتبعه ذلك من انحياز أميركي مطلق لمصلحتها، بحكم تلاقي الوشائج الحضارية واتفاق المصالح الإستراتيجية بينهما، على نحو يفاقم من الحرج المصري ويفرض تحديات وقيودا جساما أمام حرية حركة القاهرة محليا وإقليميا ودوليا، أو لأن عودة الدفء إلى العلاقات المصرية الأميركية بدءا من العام 1976 قد ارتبط أيضا بالدولة العبرية، إذ جاء تتويجا لإنهاء مصر حالة الحرب معها وفتح الطريق أمام تسوية سلمية معها برعاية أميركية، اتسعت فيما بعد لتستوعب أطرافا عربية أخرى.

"
اكتسبت العلاقات المصرية الأميركية دفعة نوعية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بمجرد تقلد القاهرة قطار السلام مع تل أبيب, وفي تسعينياته مثلت مصر حجر الزاوية في تلك العملية التي تمهد السبيل لولوج الدولة العبرية إلى العالم العربي
"
ومنذ ذلك التوقيت، ظل التصور الأميركي للدور الإقليمي المصري الذي يعد محور الارتكاز للاهتمام الأميركي بمصر، قرينا بإسرائيل، فخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي اكتسبت العلاقات المصرية الأميركية دفعة نوعية بمجرد تقلد القاهرة قطار السلام مع تل أبيب وفتح الأبواب لتطبيع العلاقات معها، وفي تسعينياته مثلت مصر حجر الزاوية في تلك العملية التي تمهد السبيل لولوج الدولة العبرية إلى العالم العربي وإنهاء القطيعة المزمنة معها، وذلك بعدما تأست دول عربية أخرى بالنهج المصري في تذويب بعض جبال الجليد مع تل أبيب عبر إبرام اتفاقات سلام معها على غرار ما فعلت القاهرة من قبل عام 1979.

وبدوره لعب اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة دورا حيويا في تكريس الحضور الإسرائيلي المؤثر في العلاقة بين القاهرة وواشنطن عبر توجيه السياسة الأميركية صوب ممالأة إسرائيل وغض الطرف عن انتهاكاتها وخروقاتها في المنطقة إن لم يكن دعمها في أحيان كثيرة، ما أثر بالسلب على صدقية الولايات المتحدة ونال من سمعتها وشعبيتها في العالم العربي، كما أضر بعلاقاتها مع القاهرة. وليس أدل على ذلك من أن بلوغ التوتر في علاقات البلدين ذروته كان عام 1967 حينما اتخذت مصر قراراً بقطع العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة إثر تواطؤها مع العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا في يونيو/حزيران من العام ذاته.

وبمرور الوقت، مضت إسرائيل تمثل عاملا مهما من عوامل التوتر الحاصل بين مصر وأميركا، ليس فقط بسبب تصادم المصالح والأدوار الإقليمية بين القاهرة وتل أبيب، وإنما بجريرة الصراع العربي الإسرائيلي الذي آثرت واشنطن الانحياز في التعاطي معه إلى الجانب الإسرائيلي، إلى الحد الذي دفع بوزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى اتهام تل أبيب علانية بإفساد العلاقات المصرية الأميركية وتحري السبل الكفيلة بإحراج القاهرة مع واشنطن.

واستشهد الوزير المصري بادعاءات إسرائيل المتواصلة خلال الآونة الأخيرة بتراخي القاهرة في مناهضة تهريب الأسلحة إلى الأراضي الفلسطينية عبر الحدود المصرية وبتكثيف اللوبي الصهيوني ضغوطه على الإدارة الأميركية لحملها على التصعيد ضد القاهرة إلى حد ربط استمرار المساعدات الأميركية السنوية المقدمة إليها بغير نقصان بمضاعفتها جهودها في هذا المضمار.

ولم يقتصر الأمر على سعي تل أبيب واللوبي اليهودي في واشنطن للمساس والعبث بالمعونة الأميركية السنوية لمصر، وإنما امتد ليطال العلاقات الاقتصادية والتجارية بين القاهرة وواشنطن إن عبر عرقلة وتقويض جهود التوصل إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين، أو من خلال الضغط على واشنطن لحمل الدول العربية -وفي صدارتها مصر- على التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل عبر إقحام تلك الأخيرة في علاقات التبادل التجاري بين واشنطن والقاهرة على غرار ما جرى في "اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة" المعروفة إعلاميا باسم "اتفاقية الكويز" التي وقعت عليها كل من مصر وإسرائيل والولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2004، والتي تشترط خلالها واشنطن مساهمة المكون الإسرائيلي بنسبة 12% في أي منتج مصري تتطلع القاهرة إلى أن يحظى بمزايا جمركية وضريبية تصل إلى حد الإعفاء الكامل داخل الأسواق الأميركية.

وفي سياق مواز، وفي مسعى منها لإجهاض الجهود المصرية الرامية إلى إحياء المشروع النووي المصري، عمدت تل أبيب بدعم من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية إلى ممارسة الضغوط على مجموعة الموردين النوويين، وهي مجموعة دول نووية -منها الولايات المتحدة- لديها تقنية نووية متقدمة لا تمانع في تصديرها إلى مختلف دول العالم الموقعة فقط على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

"
في مسعى منها لإجهاض الجهود المصرية الرامية إلى إحياء المشروع النووي المصري، عمدت تل أبيب بدعم من اللوبي اليهودي في أميركا وأوروبا إلى ممارسة الضغوط على مجموعة الموردين النوويين لمنع تقديم مساعدات نووية لمصر
"
وهذه المجموعة ليست منظمة أو عضوا في منظمة، لكنها مجرد كيان لمنتجي التقنية النووية وتحكمها قواعد استرشادية، غير أن تل أبيب واللوبي اليهودي لم يتورعوا عن العمل من أجل تغيير القواعد المعمول بها داخل المجموعة، والهادفة إلى مساعدة الدول غير النووية الأعضاء في معاهدة حظر الانتشار النووي على الاستفادة من التقنية النووية السلمية، بحيث تحول دون استفادة مصر من دعم هذه المجموعة في هذا المجال عبر ترويج روايات مفتعلة ومغرضة تتضمن اتهامات للقاهرة بالسعي لتوظيف تلك الاستفادة النووية السلمية في تطوير قدرات نووية عسكرية، وهو الأمر الذي استاءت منه القاهرة كثيرا إلى الحد الذي دفع وزير الخارجية المصري أبو الغيط لمطالبة تل أبيب بالكف عن هذه الممارسات العدوانية ومناشدة دول المجموعة عدم الإصغاء لأية ادعاءات مضللة من هذا النوع.

ويحفل تاريخ التفاعلات بين إسرائيل ومصر بخبرات وتجارب مريرة مع تل أبيب في هذا المضمار، لاسيما بعدما ترسخت لدى القاهرة قناعة بأن المسعى الإسرائيلي الحثيث والدؤوب لإفساد العلاقات بينها وبين واشنطن أو ما سواها من القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، إنما يعد ركنا ركينا للإستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة منذ مرحلة مبكرة تسبق حتى إعلان قيام الدولة العبرية وحتى اليوم.

وربما كانت عملية "سوزانا" التخريبية الفاشلة في صيف العام 1954 والتي عرفت إعلاميا بفضيحة "لافون" نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بنحاس لافون خير برهان على صدق تلك القناعة، فلقد جاءت تلك العملية السرية بعدما أخفقت الطرق الدبلوماسية والوسائل الدعائية الإسرائيلية المتعددة في إفساد العلاقات المصرية الأميركية، في وقت بات فيه وضع إسرائيل دوليا يتجه نحو المزيد من التعقيد بعدما غدا الاتحاد السوفياتي دولة عظمى مشكوكا في نواياها، بينما أضحت بريطانيا على وشك سحب قواتها المرابطة في منطقة قناة السويس، وبدأت الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس إيزنهاور تتنكر جزئيا لإسرائيل مغازلة النظام المصري بقيادة جمال عبد الناصر.

وانطلاقا من ذلك الوضع المعقد، هرع رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينها ديفد بن غوريون لاستخدام الإرهاب من أجل الحيلولة دون اتخاذ الجانبين المصري والأميركي خطوات فعلية وجادة على طريق التقارب، فكانت عملية سوزانا الرامية إلى إعطاء انطباع لدى واشنطن ولندن بأن المصريين وراء عمليات تفجيرية كان من المقرر أن تنفذها عناصر صهيونية ضد أهداف مصرية وأميركية وبريطانية داخل مصر كسيارات الدبلوماسيين الإنجليز والأميركيين ومكاتب الاستعلامات الأميركية في القاهرة والإسكندرية، فضلا عن بعض المسارح ودور السينما وعدد آخر من المنشآت المملوكة لمؤسسات أميركية، وذلك بغرض إفساد العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وإجهاض خطا التقارب والانفتاح التي انطلقت بين عبد الناصر والقوى الكبرى، وحمل بريطانيا على التراجع عن إجلاء قواتها من منطقة قناة السويس.

غير أن العملية فشلت بعدما نجحت المخابرات المصرية في اختراق الشبكة اليهودية واعتقال معظم أفرادها. والمثير أن الولايات المتحدة وبريطانيا تدخلتا وطالبتا الحكومة المصرية بإطلاق سراح أفراد الشبكة الذين تعمدوا الاعتداء على مواطنين وأهداف أميركية وبريطانية في مصر، حيث بعث الرئيس الأمريكي إيزنهاور برسالة شخصية إلى الرئيس عبد الناصر يطلب الإفراج عن المحتجزين "لدوافع إنسانية"، وكذلك فعل أنتوني إيدن وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ومسؤولون فرنسيون.

ورغم ذلك، لم تتورع الحكومة الإسرائيلية مؤخرا عن إصدار قرار مستفز بتكريم تسعة من الإرهابيين الإسرائيليين المتورطين في "عملية سوزانا"، حيث أقامت لهم حفلا بحضور ثلاثة من أعضاء الشبكة ما زالوا على قيد الحياة إلى جانب عائلات الباقين، وذلك في تحد سافر وصريح للحلفاء والخصوم في آن واحد.

ولم تكن عملية سوزانا سوى حلقة في مسلسل ممتدة حلقاته من المساعي الإسرائيلية الهادفة إلى إفساد وتخريب العلاقات المصرية الأميركية من خلال الإرهاب المدعوم بآلة دعائية مغرضة وجبارة في ذات الوقت تتفنن في توظيفه لتأليب الرأي العام الأميركي والعالمي ضد القاهرة التي ما برحت علاقاتها مع واشنطن ترزح في أغلال التدخل الإسرائيلي، الذي لا سبيل أمام تلك العلاقات للعروج إلى النضج والاستقرار والعمل لتحقيق مصالح طرفين يعتلي أحدهما قمة العالم فيما يمثل الآخر قلبه النابض، إلا بتحرير تلك العلاقات من إسار ذلك القيد الإسرائيلي الذي طالما سعى إلى إفسادها توخيا لمصلحته هو وحده وإن على حساب القاهرة وواشنطن.

"
تشي معطيات الداخل الأميركي الراهن بأن المناخ السياسي الأميركي لم يزل يفتقر إلى الاستعداد والجاهزية اللذين بمقدورهما أن يخولاه الإفاقة من غمة التأثير الصهيوني ويعيناه على اتخاذ خطوة عملية وإيجابية من أجل إعادة الأمور إلى نصابها
"
وبدورها، تشي معطيات الداخل الأميركي الراهن بأن المناخ السياسي الأميركي لم يزل يفتقر إلى الاستعداد والجاهزية اللذين بمقدورهما أن يخولاه الإفاقة من غمة التأثير الصهيوني ويعيناه على اتخاذ خطوة عملية وإيجابية من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، فها هي الدوائر الموالية لإسرائيل داخل واشنطن تستبق زيارة مبارك بتحريض معلن وخفي للإدارة الأميركية لحملها على رهن أي تطور في العلاقات المصرية الأميركية باتخاذ القاهرة خطوات فيما يخص التطبيع مع إسرائيل وتصفية عملية السلام وفقا للتصورات الإسرائيلية الرامية إلى تمييع قضايا الوضع النهائي وتقويض فكرة الدولة الفلسطينية وكسر شوكة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وهى المطالب التي تحاول التستر في ادعاءات أخرى تتصل بتحسين سجل القاهرة فيما يخص الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات العرقية والدينية فضلا عن معاداة السامية.

وثمة تفهم داخل أروقة صنع القرار الأميركي لمثل هذا الحصار الإسرائيلي للعلاقات الأميركية المصرية، خصوصا بعد وجود شخصية كالرئيس باراك أوباما وإدارته على رأس السلطة في واشنطن، إذ حرص الرجل على ترميم علاقات بلاده مع القاهرة وإعادة الدفء إليها عبر الزيارات المتبادلة على كافة المستويات والتي تكللت بزيارة أوباما للقاهرة يوم 4 يونيو/حزيران الماضي ومخاطبته العالم العربي والإسلامي من أعرق جامعاتها، ثم بزيارة الرئيس مبارك هذه الأيام لواشنطن وسط تأكيدات من الدوائر السياسية الأميركية على أهمية التنسيق والتقارب بين القاهرة وواشنطن ليس فقط لمصلحة الطرفين ولكن من أجل استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها..

وهو الأمر الذي فاقم توقعات الكثيرين بشأن إرادة الرئيس أوباما وقدرته على ترويض الجموح العدواني الإسرائيلي والتحكم في مدى تأثيره على مسيرة التفاعلات الأميركية المصرية بما يساعد على إحداث قدر ولو معقول من التوازن في العلاقات والمصالح بين بلاده وتل أبيب من جانب وبلاده والقاهرة على الجانب الآخر.

المصدر : الجزيرة