صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


لم تخترع الإدارة الجمهورية في عهد الرئيس بوش الابن، ثوابت الإستراتيجية الأميركية في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما، فكل ما فعلته هو أنها اختارت الوسيلة التي رأت أنها الأكثر نجاعة سواء في المحافظة أو في تحقيق المصالح الأميركية، حسبما هي محددة ومعرفة في قاموس هذه الإستراتيجية في هذه المنطقة.

ولعل إدارة الرئيس بوش قد اجتهدت في اعتماد القوة وسيلة أولى من وسائل السياسة الخارجية الأميركية نظرا لأن الولايات المتحدة بلغت في اللحظة التي استلم فيها الرئيس بوش الابن مقاليد الرئاسة، قمة من القوة والانفراد بالكون لم يسبق لأي إمبراطورية أخرى أن حققته طوال التاريخ البشري المكتوب.

"
واجه الرئيس السابق بوش إغراءا لا يقاوم باتجاه استخدام القوة في لحظة تاريخية فريدة قد لا تتكرر وقد لا تطول، من أجل إزالة كل مخلفات الثنائية القطبية التي كانت ما تزال تظهر كعوائق في فضاء الإستراتيجية الأميركية
"
ولهذا فقد كان هناك إغراء لا يقاوم يدفع في اتجاه استخدام القوة في لحظة تاريخية فريدة قد لا تتكرر وقد لا تطول، من أجل إزالة كل مخلفات الثنائية القطبية التي كانت ما تزال تظهر كعوائق في فضاء الإستراتيجية الأميركية، فالتعامل مع هذه المخلفات المزمنة بوسيلة أخرى غير القوة في نظر إدارة الرئيس بوش آنذاك يعد مضيعة للوقت وتراخيا لا مبرر له في زمن القوة الأميركية المطلقة.

غير أن التطرف في تفضيل وسيلة واحدة دون غيرها من وسائل السياسة الخارجية قاد إلى التورط في مستنقعات كان بإمكان الولايات المتحدة أن تحصل منها على معظم ما تريد دون أن تغوص فيها بأقدامها، ولهذا فإن تراكم الأخطاء في اختيار الوسائل وليس في اختيار الأهداف من قبل تلك الإدارة كان هو أحد الأسباب الأساسية التي سدت الطريق في حينها أمام الجمهوريين في انتخابات الرئاسة وفتحته أمام باراك أوباما الذي لم يجد من ينازله سوى العجوز جون ماكين الشرس الذي تعود على خسارة المعارك منذ أسره في فيتنام.

لاشك أن كل المعطيات في الداخل والخارج الأميركي كانت تدعو إلى التغيير ولا شك أيضا أن انتخاب باراك أوباما يعد دليلا ساطعا على تصميم غالبية المجتمع الأميركي على هذا التغيير، ولعل بعضنا قد استبشر به معتقدا أنه سيصيب المنطقة العربية والشرق الأوسط على وجه العموم، ولكن ما كشفت عنه حتى الآن الخطوات السياسية للإدارة الديمقراطية في اتجاه قضايا المنطقة، أظهرت الفارق الضئيل بين رؤيتها ورؤية الإدارة التي سبقتها في ما يخص الصراع العربي الإسرائيلي والمقاومة وحماس وحزب الله وسوريا وإيران وأفغانستان, وذلك لأن التغيير الذي يطرأ على السياسة الخارجية لأي دولة مثل الولايات المتحدة، لا يمكن أن يشمل في مرة واحدة مجمل عناصرها الثلاثة المتمثلة في العوامل والوسائل والأهداف.

بل ما يحدث من تغيير عادة ومبدئيا يكون على مستوى الوسائل باعتبارها متغير تابع مرن يمكن اللعب والتلاعب به لكي يسود الاعتقاد لدى الطرف المقابل –وهو اعتقاد كثيرا ما يكون خاطئا- بأن هذا التغير في طريقه لأن يشمل أيضا الأهداف التي هي أصلا لب أي سياسة خارجية وعقدة الصراع بين وحدات النظام الدولي.

إن ما يبدو حادثا حتى الآن في السياسة الخارجية الأميركية هو اللعب على متغير الوسائل من قبل قيادة جديدة، فالهامش الأكثر اتساعا والمتاح للقيادة في ظل إستراتيجية كونية كالإستراتيجية الأميركية هو هامش الحركة في اتجاه الوسائل، أي تقرير واختيار ما تراه مناسبا منها لتحقيق أهداف، ولا شك أن تغيرا على هذا المستوى عندما يحدث في السياسة الخارجية لإمبراطورية كونية كالولايات المتحدة يعطي إيحاء للأطراف الأخرى بأن نقلة نوعية قد حدثت أو في طريقها إلي الحدوث، وهذا ما يجعل أطرافا عربية كثيرة تضررت من وسائل السياسة الخارجية الأميركية التي استخدمتها الإدارة السابقة، تستبشر بحدوث التغيير على مستوى الوسائل، آملة أن يؤدي ذلك إلى مراجعة تشمل بعض الأهداف أيضا.

"
التغير في العنصر القيادي في أميركا بمجيء الرئيس أوباما، لا يوحي بتغير في الأهداف التي كانت تسعى إلى تحقيقها إدارة الرئيس بوش الابن ولا في مواقفها التي كانت معلنة تجاه الأطراف في المنطقة
"
غير أنه قد ينسى البعض منا بأن اللجوء إلى تغيير الوسائل لا يعني سوى التمسك والمحافظة على الأهداف والثوابت مع إعطاء الفرصة لوسائل أخرى بقصد الوصول إلى ذات الأهداف بأقل تكلفة، وهذا -على ما يبدو– هو عين ما يجري في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط والمنطقة العربية على إثر التغير في العنصر القيادي بمجيء الرئيس أوباما، غير أن ذلك لا يوحى بتغير في الأهداف التي كانت تسعى إلى تحقيقها إدارة الرئيس بوش الابن ولا في مواقفها التي كانت معلنة تجاه الأطراف في المنطقة.

فأحد أهداف السياسة الأميركية في المنطقة كان في عهد إدارة الرئيس بوش وما يزال في عهد الرئيس أوباما هو إرغام حماس وحزب الله وسوريا وإيران على تبديل مواقفهم من مفهوم المقاومة والسلام مع إسرائيل وامتلاك الطاقة النووية، مع فارق وحيد وهو أن إدارة الرئيس أوباما تريد تحقيق ذلك بوسيلة أقل تكلفة إذا ما أمكن ذلك مع تذكيرها الواضح والخالي من أي لبس بأن الدبلوماسية أو التفاوض ليست هي الخيار الإستراتيجي الوحيد "كما هو حال العرب مع إسرائيل".

وهذا ما أكدته مواقف الرئيس باراك أوباما بخصوص الحرب في أفغانستان وإصراره على استمرار الضربات الجوية ضد ما تعتبره الولايات المتحدة تجمعات للقاعدة وطالبان داخل الحدود الباكستانية، إلى جانب تقديم العون العسكري والمالي لحكومة باكستان للاستمرار في حملتها العسكرية على وادي سوات رغم نزوح ما يقارب من مليوني لاجئ حتى الآن.

وكذا الأمر بالنسبة للملف النووي الإيراني فإن الولايات المتحدة مستعدة أن تدخل مع إيران في محادثات مباشرة تتسم بسعة الصدر والتسامح والمجاملة مقابل أن تتخلى هذه الأخيرة عن ما تعتبره حقها المشروع في امتلاك الطاقة النووية مكتفية بما يمكن أن تقدمه إليها الولايات المتحدة وهو قطعا لن يتناسب مع الطموح الإيراني.

أما في حالة عدم جدوى المفاوضات فإن خيار القوة ليس مستبعدا لأن إخصاء المنطقة والمحافظة على الفحل الإسرائيلي الوحيد فيها، هو هدف ثابت في الإستراتيجية الأميركية، فحرمان المنطقة من أوراق القوة سواء أكانت اقتصادية أو عسكرية ليس هدفا أميركيا فقط بل تتبناه كل قوى الغرب الكبرى منذ القرن الثامن عشر.

كانت إدارة الرئيس بوش الابن تعطي الأولوية للتكنولوجيا العسكرية والمارينز في تحركها نحو أهداف السياسة الخارجية وهذا ما أعادت فيه إدارة الرئيس أوباما النظر مؤقتا، وجعلت من بدائل أخرى تأتي قبلها في أولوية التجريب، فإعلان الرئيس أوباما عن استعداده للحوار مع قادة كوريا الشمالية لا يعنى التخلي عن إمكانية استخدام القوة ولا سيما بعد إجراء بيونغ يانغ لتجربتها النووية الثانية وإطلاقها ثلاثة صواريخ متوسطة المدى.

"
تغير أهداف السياسة الخارجية لدولة من الدول لا يحدث إلا عندما يحصل تغير في عوامل هذه السياسة والمتمثلة في الاقتصاد والجغرافيا والرأي العام والعنصر القيادي وردة فعل الطرف المقابل
"
إن تغير أهداف السياسة الخارجية لدولة من الدول لا يحدث إلا عندما يحصل تغير في عوامل هذه السياسة والمتمثلة في الاقتصاد والجغرافيا والرأي العام والعنصر القيادي وردة فعل الطرف المقابل، وإذا ما نظرنا إلى هذه العوامل بالنسبة للسياسة الأميركية الخارجية فإننا لا نجد حتى الآن تغيرا ذا معنى يمكن أن يؤثر في الأهداف.

فالأزمة الاقتصادية رغم أنها خانقة إلا أنها لا تجعل من الولايات المتحدة دولة فقيرة وبالتالي فإن ما يمكن أن يحدث في هذه الحالة هو تغير على مستوى الوسائل فيصبح الميل أكثر إلى الابتعاد عن حروب طويلة مكلفة مع الإبقاء على خيار استخدام القوة عندما يصبح -حسب المفهوم الأميركي- أحد الأهداف الحيوية للإستراتيجية الأميركية في خطر، أما بخصوص الرأي العام بوصفه عاملا يلعب دورا مهما في توجهات صانع القرار، فإن الرأي العام الأميركي الذي ورث ثقافة الحرب عن أوروبا العريقة سريع القبول بخيار الحرب ولم يسبق للأغلبية الساحقة من الشعب الأميركي أن رفضت منذ البداية أية حرب من حروب بلادها الكثيرة.

فبالإمكان –على سبيل المثال– إعداد الرأي العام في ستة أشهر من الحملة الإعلامية لتوضيح حجم الخطر الإرهابي الذي تمثله تكنولوجيا إيران النووية بالنسبة للأمن القومي الأميركي، لكي تصل النسبة إلى ما لا يقل عن 80% من الرأي العام الذي تحث الرئيس أوباما إلى التعجيل بالضربة قبل وقوع الكارثة.

كذلك الأمر بالنسبة للعامل القيادي، فالرئيس أوباما وإدارته لا يحكمون بلدا عربيا حتى يعلنون الحرب عند المغرب ويدعون إلى التطبيع قبل منتصف الليل دون أن يسألهم أحد.

الرئيس الأميركي مهما كانت صلاحياته فهو حلقة في سلسلة صنع القرار وإن كان مخولا دستوريا بالإعلان عن إرادة الدولة على المسرح الدولي، إلا أنه ليس هو الصانع الوحيد لهذا الإرادة بل هناك مجموعة من المؤسسات الرسمية والمدنية التي تتقاسم معه مهمة تشكيل هذه الإرادة ولا يستطيع أن يتجاوزها.

"
البرنامج المعلن لزيارة الرئيس أوباما إلى المنطقة العربية يكفي دليلا على أنه لا شيء تغير في ثوابت الإستراتيجية الأميركية, فالرئيس الجديد جاء يقتفي آثار من سبقوه من القادة الأميركيين الذين جاسوا خلال مضارب الإحياء العربية
"
ولذا فإن تغير العنصر القيادي في مثل هذه الحالة ليس له أثر فعال على تغير الأهداف ما لم تحصل قناعة وإدراك بضرورة تغييرها لدى بقية حلقات صنع القرار وهو أمر لم يطرأ في المنطقة العربية ما يجعل إمكانية حدوثه ممكنة.

أما العامل المتعلق برد فعل الطرف المقابل، وهو في هذه الحالة الطرف العربي تحديدا، فإنه على وجه العموم يكاد يكون ثابتا أي أنه يتلقى الأفعال الأميركية ويستجيب لها منذ اتفاقية كامب ديفد، وهو أعجز من أن يصنع فعلا يؤثر في أولويات أهداف الإستراتيجية الأميركية، ولعل ما حدث أثناء العدوان على غزة من عجز وتواطؤ وتآمر علني ومن تهافت على الولايات المتحدة، لعل كل ذلك، لا يحمل أي شيء آخر سوى رسالة وحيدة مطمئنة إلي إدارة الرئيس أوباما تفيد بأن عليها أن تستبعد من حساباتها أي إمكانية لحدوث أي فعل عربي عندما تجري تقويما لمستقبل وسائل وأهداف السياسة الخارجية الأميركية في هذا الركن من العالم.

لعل البرنامج المعلن لزيارة الرئيس أوباما القريبة إلى المنطقة العربية يكفي دليلا على أنه لا شيء تغير في ثوابت الإستراتيجية الأميركية فالرئيس الجديد جاء يقتفي آثار من سبقوه من القادة الأميركيين الذين جاسوا خلال مضارب الإحياء العربية.

المصدر : الجزيرة