حامد الدباس

تعاني مدينة القدس من التهويد المستمر والمبرمج ضمن خطة إسرائيلية صهيونية إستراتيجية، منذ أن تم احتلال المدينة عام 1948 في قسمها الغربي وعام 1967 بصورة كاملة، مع تركيز صهيوني لا يتراجع أو يتوانى عن تحقيق الأهداف المرسومة في المخيال والأهداف الصهيونية منذ أن كانت الدولة اليهودية ذاتها فكرة تداعب بعض العقول الصهيونية في القرن التاسع عشر.

وذلك بسبب الصورة الرمزية التي تحتلها المدينة في الميراث اليهودي الذي عاشوا عليه وأضافوا إليه خلال ما يقارب ثلاثة آلاف عام، وخاصة بسبب الاضطهادات التي عانوها في العالم وعلى وجه الخصوص في أوروبا، حيث نشأ هذا الفكر الصهيوني وترعرع.

"
منذ احتلال القدس وسياسات التغيير الصهيونية لم تتوقف سعيًّا لتحقيق هدفين: أولهما تغيير طابع المدينة ليصبح أقرب إلى الفكر الصهيوني, والثاني مسح الطابع الإسلامي والعربي للمدينة، وهو الطابع الذي كان قبل عام 1948 يشكل الصورة الشاملة للمدينة
"
ومنذ احتلال المدينة وسياسات التغيير الصهيونية لم تتوقف سعيًّا لتحقيق هدفين: أولهما تغيير طابع المدينة ليصبح أقرب إلى الفكر الصهيوني بكل وجوهه الفكرية والعمرانية والثقافية والتاريخية وما يتعلق بها من أساطير، وفي هذا الإطار يدخل السعي الصهيوني المحموم لبناء الهيكل المزعوم على أرض الحرم القدسي في المقام الأول، وإحاطة المدينة بمدن استيطانية هائلة.

أما الهدف الثاني، فهو مسح الطابع الإسلامي والعربي للمدينة، وهو الطابع الذي كان قبل عام 1948 يشكل الصورة الشاملة للمدينة. فإذا أدركنا أهمية سعي الصهاينة لمسح الذاكرة العربية الإسلامية وإحلال الصورة الصهيونية المستندة إلى الأساطير اليهودية مكانها أدركنا عمق المأساة التي تتعرض لها المدينة العربية المقدسة.

ومما يعزز هذا السعي الصهيوني الخطط المنظمة منذ احتلال المدينة والمبنية أولا على تفريغها من سكانها العرب لأنهم العقبة الكأداء أمام المشاريع الصهيونية وإحلال السكان اليهود مكانهم، وقد كان هذا قد بدأ بصورة كبيرة من خلال طرد السكان العرب من أرضهم عام 1948 سواء من المدينة ذاتها أو من القرى والبلدات التي حولها عبر وسائل إرهابية من بينها ارتكاب المذابح.

وبعد عام 1967 تبنت إسرائيل خطة التغيير الديمغرافي للمدينة القديمة خاصة من خلال طرد السكان العرب من بيوتهم وإحلال اليهود مكانهم بصورة رسمية، مستندة إلى فرض قوانين وإجراءات على الواقع، وتمثلت بصورة أساسية في فصل المدينة عن عمقها الإسلامي العربي عمومًا وعن عمقها المحلي القريب سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

فلا أحد يستطيع دخول المدينة إلا بتصريح من السلطات المحتلة مما يعني أن أكثر من 90% لا يحصلون عليه مهما كانت الأسباب، فهم ممنوعون من دخول المدينة حتى لأداء الصلاة في الأقصى، ومن يفعل ذلك ويتم إلقاء القبض عليه يتم سجنه أو تغريمه بغرامة مالية كبيرة تصل إلى مئات أو آلاف الشواقل، بل يعاقب بهما معًا في غالب الأحيان.

هذا بالإضافة إلى الطوق الأمني المفروض على المدينة بصورة دائمة حتى تحولت إلى ثكنة عسكرية، وعزز ذلك الإغلاق الشديد أيضًا الجدار العنصري الذي مزق الأرض الفلسطينية وأصبح حاجزًا لا يتمكن المواطن الفلسطيني العادي من تجاوزه بسبب ارتفاعه ناهيك عن استحالة الوصول إلى أي مكان خلفه مهما كان قريبًا.

إن هذه الإجراءات التي ازدادت واستمرت مدة تزيد على خمسين عامًا، بدأت تؤثر في المدينة بصورة جادة وأصبحت تشكل خطرًا على هوية المدينة العربية الإسلامية التي عهدناها بصورتها المعروفة من الأحياء الإسلامية المتوارثة منذ مئات السنين، والتي لم يكن يسكنها أحد إلا أصحابها الشرعيين، وباتت نتائج السياسة الإسرائيلية المدعومة من المتطرفين اليهود، الذين أدمنوا مهاجمة السكان العرب والقيام بطردهم من بيوتهم، والإقامة فيها، مع تغطية قانونية إسرائيلية رسمية ترى أن الإقامة في بيت مدة عام تعطي الحق للمقيم في تملك البيت دون النظر إلى الطريقة غير الشرعية وغير القانونية التي تمت السيطرة بها على المنزل، ولذا أصبح سكان المدينة وبخاصة المدينة القديمة يعانون الحرب المعلنة عليهم من السلطات الإسرائيلية ومن المتطرفين اليهود الذي يستعجلون الاستيلاء على المدينة المقدسة لبناء الهيكل المزعوم.

ومما ساعد على التهويد السريع للمدينة، إضافة إلى ازدياد أعداد المستوطنين المحتلين لمنازل العرب، أن السلطات الإسرائيلية تمنع أولئك العرب من بناء البيوت الجديدة أو ترميم بيوتهم القائمة أو إصلاح ما تهدم منها، وإذا تجرأ أحد على فعل ذلك بلا إذن فسلطات الاحتلال تقوم بهدم البناء بمجمله، وقد رأينا مئات البيوت التي هدمت أمام أنظار أصحابها.

"
سكان الأحياء داخل مدينة القدس خاصة وخارجها عامة بحاجة إلى دعم مادي عاجل ومستمر، ليكون الحد الأدنى الضروري لهم في معركتهم المقدسة في المقاومة والدفاع عن المدينة، وإلا فقد يضعفون مع الزمن
"
ولا يقتصر الأمر على ما تقدم، بل تقوم إسرائيل بفرض الضرائب العالية على السكان العرب تحت أعذار وذرائع واهية القصد منها خلق الإحباط في نفوسهم ليغادروا منازلهم لتصبح لقمة سائغة للمستوطنين اليهود، وغالبا ما يتم اللجوء كذلك إلى الوجه الآخر، أي الإغراء المالي الذي يأتي بعد تضييق كبير يمس أسس الحياة المادية للناس ليصبح الإغراء بعدها كأنه طوق النجاة الذي قد يلجأ إليه الملاك إما ببيع منازلهم وإما بتأجيرها لأجل طويل، ومن يرفض -وكلهم يرفضون- توضع المزيد من العراقيل أمامهم، بدءا من صعوبة الوصول العادي والطبيعي إلى بيوتهم ومحالهم بسبب الأسوار العالية أو الأسلاك الشائكة المتناثرة في كل مداخل الشوارع والأزقة والأبواب، مرورا بالإرهاب اليومي من المستوطنين، مما يجعل هؤلاء السكان في حالة حرب حقيقية لحماية وجودهم وهويتهم، بحيث أصبحوا خط الدفاع الأخير للحفاظ على المدينة أمام الطمس أو الاندثار.

إن سكان الأحياء داخل مدينة القدس خاصة وخارجها عامة بحاجة إلى دعم مادي عاجل ومستمر، ليكون الحد الأدنى الضروري لهم في معركتهم المقدسة في المقاومة والدفاع عن المدينة، وإلا فقد يضعفون مع الزمن. إنهم بحاجة إلى الدعم المادي ليستمروا في العيش وإلى الأثر المعنوي الذي يحدثه الدعم المادي ليواصلوا مقاومتهم.

أضف إلى ذلك أن هذا الدعم، إن حدث، سيعزز إحساسهم بأن عمقهم العربي الإسلامي يقف إلى جانبهم ومن ثم يصبح لمقاومتهم وجه آخر أكثر قوة وصلابة.

لقد أضحت قبة الصخرة بشكلها البديع والمسجد الأقصى بهيبته المعهودة في وسط دائرة الخطر الحقيقي، فبعد كل هذه السنوات من الفعل اليهودي المثابر على تغيير معالم المدينة وتهويدها، وبخاصة عبر الحفريات المخيفة التي نخرت أساس المسجد الأقصى، بات الخطر حقيقيا يؤذن بالخراب ويستدعي الفعل الجاد، فطوال خمسين عامًا ونحن نشعر بالحسرة والأسف وقد نستنكر أو نرسل المذكرات إلى جهات غافلة أو متآمرة على ما يجري للقدس من تغيير وما يعانيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة من إجراءات تكاد تطوح بهما إلى الدمار, كل ذلك أضحى الآن لا فائدة فيه، لقد كنا فيما مضى نتمترس خلف عواطفنا تجاه القدس ومقدساتها، بسبب أنها مدينة مقدسة، وقد نشعر بالغضب العاصف إزاء ما يجري ثم تهدأ النفوس وتنسى ما جرى.

وكأن الأمر قد اعتدل حاله واستقام اعوجاجه، مع العلم بأن الأمر قد يكون مضى في مسار أسوأ وأخطر، لأننا نكون قد انشغلنا بمصيبة أخرى جديدة قد حلت، وهذه سياسة إسرائيلية أثبتت فاعليتها مع عواطفنا السريعة النسيان على مدار العقود الماضية وخاصة بعد انتفاضة عام 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000.

إن واقع الفعل الذي مارسناه في دعم المدينة بقي حبيس هذه العواطف من الحب والخوف والخشية على المدينة وقد يتعداه إلى الرفض والكراهية للجانب الآخر، ولكن العواطف الحبيسة التي لا تتحول إلى فعل مادي يناسب حجم هذا الحب تصبح عواطف ميتة أو على الأقل بليدة لا تساوي التسمية التي تطلق عليها، قد تضر أكثر مما تفيد في مثل هذه المواقف، إن العاطفة الطبيعية الصحية تحتاج إلى فعل يعادلها ويساويها في القوة والشدة، وإلا تحولت إلى عاطفة سلبية ضارة، تؤدي إلى تزيين عدم الفعل وإقناع الذات بأن صاحبها قد قام بالواجب الذي ينبغي القيام به.

إن هذا الإشباع العاطفي في دعم قضية تعاني من ممارسات واقعية بشعة، نوع من خداع الذات ودفن الرؤوس في الرمال على ما يجري لهذا المدينة المقدسة التي تمثل في حدها الأدنى قضية إنسانية حيث يُطرد سكانها الأصليون منها بكل قبح وظلم، ناهيك عن مكانتها المقدسة التي تصل حد الدخول في العقيدة الإسلامية ذاتها، فقد كانت القبلة الأولى للمسلمين وعلى رأسهم الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) مدة ستة عشر شهرا، وكانت محط إسراء الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومعراجه إلى السموات، ولا يزال المسجد الأقصى ثالث المساجد المقدسة في الإسلام التي تُشد الرحال إليها بأمر من الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، والصلاة فيه بخمسمائة صلاة، فهل يستقيم إيمان مؤمن وهو يرى ما يجري للمسجد الأقصى والمدينة التي تضمه ولا يفعل شيئًا يبرئ ذمته أمام الله تعالى؟

"
مدينة القدس ومقدساتها تحتاج إلى محبين عاملين فاعلين وعشاق مخلصين، يدركون واجبهم الذي يصل حد العبادة، وإلا فسيستمر اليهود ومن يساندهم في تغيير تاريخ المدينة إمعانا في تهويدها معتمدين على انقيادنا وراء عواطفنا التي تستوي مع عدم القيام بأي فعل
"
وعلى النقيض من العواطف الانفعالية الساذجة في تقديم الدعم لمدينة القدس يتبدى التراجع المهين في القيام بالواجب المادي تجاه المدينة المقدسة ومقدساتها، فالدعم بكل مستوياته للمدينة لا يعادل واحدًا في المائة مما يقدمه أثرياء اليهود ومؤسساتهم وجمعياتهم، الأمر الذي له أكبر الأثر في الحث والإسراع في تهويد المدينة، فالمؤسسات العربية ضعيفة وعاجزة ولا تقوم بواجبها الذي أعلنت عنه إلا ما رحم الله.

وهذه موازين غريبة، إذ كيف نبخل نحن أمام حقوقنا المستباحة المقدسة، ويغدق اليهود الأموال الطائلة بلا حدود لتعزيز أباطيلهم التي يصرون عليها، فنحن نسمع بين الفينة والأخرى عن ثري يهودي من أستراليا أو أميركا قد تبرع بما يزيد على مائة مليون دولار من أجل تهويد المدينة، وربما لا يكون قد زارها أو رآها أو عرف عنها أكثر من الصورة التي روجوها لها، ولكنه الالتزام بالمبدأ الذي شرعوه لأنفسهم وتفانوا في تطبيقه.

إن مدينة القدس ومقدساتها تحتاج إلى محبين عاملين فاعلين وعشاق مخلصين، يدركون واجبهم الذي يصل حد العبادة، وإلا فسيستمر اليهود ومن يساندهم في تغيير تاريخ المدينة إمعانا في تهويدها معتمدين على انقيادنا وراء عواطفنا التي تستوي مع عدم القيام بأي فعل إيجابي تجاه المدينة يوقف نزيفها الدامي.

إنني أخشى أن نصحو يومًا ونجد أن الأمر قد فات على أي فعل، ونقع في الندم حين لا ينفع الندم، ونجد أن الأقصى وقبة الصخرة والمدينة المقدسة بكاملها قد أصبحت صورة من الماضي نحِنُّ إليها كما نحِنُّ إلى قصر الحمراء ومساجد بخارى وترمذ وسمرقند وغيرها مما أصبحت ذكراه أو مرآه يثير العواطف ويستدعي الحزن لمن يهتم بأمر هذا الأمة ويسعى لرفعتها.

فإذا كنا لا نستطيع أن نحارب من أجل استردادها، فلنفعل الأسهل ولنتبرع بأقل القليل، وليكن فلسًا في اليوم، وسنجد أن هذا المبلغ الزهيد مضروبًا في أعداد المواطنين العرب والمسلمين سيزيد على 150 مليون دولار في العام، وليكن فعلنا هذا إرضاءً للدين وتزكية للمال وإبراءً للذمة، فالكل سيحاسب على تقصيره ونحن لا يعوزنا المال، وكفى ما نسمعه من البورصات العربية دليلاً.
ـــــــ
كاتب عربي

المصدر : الجزيرة