مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


القمة التي عقدت مؤخرا في دمشق بين الزعيمين العربيين الملك السعودي عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد أتت بعد حصيلة سنوات من التوتر بين العاصمتين وصراع في مناطق المواجهات للحرب الباردة.

وكان أول بوادر هذا اللقاء كلمة الملك عبد الله في قمة الكويت التي أخذت مسارا مفاجئا لتوقعات المراقبين وبعض حلفاء الطرفين، حيث أتت دعوة العاهل السعودي للمصالحة العربية وتوجيهه تحية لمقاومة غزة خلافا لما كانت تعكسه بعض الأوساط للسياسة الخارجية السعودية والإعلام العربي المحسوب على المملكة والذي يبث في الغالب من خارجها, حيث كان هناك فريق يسعى إلى دمج مواقف الملك عبد الله التي كانت تختلف على الأقل في مضمون جوهرها وبعض تحركاته عن الموقف الصلب للتكتل العربي الذي ساند إسرائيل في حرب غزة وقبلها وبعدها بضغط وتواصل من سلطة الرئيس محمود عباس.

"
أبانت أحداث تأجيل مناقشة تقرير غولدستون والمعلومات التفصيلية التي نشرها الإسرائيليون عن مطالبة محمود عباس إسرائيل بمواصلة حربها على غزة، عن حجم التورط لذلك التحالف مع العدوان
"
وقد أبانت أحداث تأجيل مناقشة تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان والمعلومات التفصيلية التي نشرها الإسرائيليون عن مطالبة محمود عباس ومستشاريه الملحة لإسرائيل بمواصلة حربها على غزة ولو من خلال إبادة عشرات الآلاف من المدنيين، عن حجم التورط لذلك التحالف مع العدوان في حرب غزة.

بمعنى أنه من حسن الطالع لقمة البلدين أن يكون التقاؤهما بهذه الروح في دمشق في رمزية للتوجه المقابل لمشروع العدوان على غزة، ولذا فإن ما يُراهن عليه تطلع الشعب العربي لما بعد القمة أن يكون استخلاصا لتلك الحقبة المؤلمة التي لا تزال آثارها ماثلة وأن يتعزز التوجه بين العاصمتين في تحقيق المصالحة من خلال الأطراف الشريفة في فلسطين ودعم صمود حرب الإرادة التي قدمتها غزة بفدائية أسطورية التزمت دمشق إعلاميا وسياسيا بدعمها وتوافق خطاب الملك عبد الله في قمة الكويت على أصولها وإن لم يتبناه الإعلام السعودي مع الأسف الشديد.

المهم أن هذه القضية أي اتفاق القمة بين الزعيمين على دعم شعب فلسطين من خلال دعم غزة والعمل على تفكيك الحصار عنها، بغض النظر عن موقف سلطة رام الله، هو أساس في طموح الشعب العربي من القمة.

ولو لم يتحصل من هذه القمة فيما يتعلق بغزة إلاّ على تحييد تلك الضغوطات العربية والدعم الأميركي لتشديد الحصار على هذا الشعب المقاوم العظيم في تضحيته, لكان هذا التحييد كافيا ومهما لهذه المرحلة, التي تتطلب خطوات تغييرية رئيسية من الرياض لإعادة فتح الباب مجددا أمام أبرز ممثلي الشعب الفلسطيني، وهي حركة حماس، لخلق أجواء ثقة جديدة لطالما احترمتها حركة حماس وتجاوبت معها، وإن توحّد القيادتين في هذا المضمار من القرب من كل أطراف القضية فلسطينياً سيعزز الحضور العربي ويدشن دورا فعالا في دعم الضحية وحراسها المقاومين.

ولقد كان لأجواء التحريك والتواصل المتبادلة بين القيادتين التي بذلها أمير قطر دور حيوي رئيسي في اتجاه التقدم إلى المبادئ التي يطرحها الملك عبد الله ويُمسك بها الموقف العربي من الانهيار في علاقات أركانه، وهو ما سمح بمساحة مهمة من ديناميكية العلاقات التي تواصلت بين العواصم الثلاث ورفضت أن تكون رهن الإعلام العربي المتورط أصلاً لمصلحة المشروع الأميركي الإسرائيلي, وهذا التوازن الجديد لو استمر في برنامجه واقترب من قضايا الأمة والتطلعات الشعبية سيترتب عليه تكريس خطة عمل تحافظ على الحد الأدنى من العلاقات المُثمّرة للقضايا القومية الإسلامية وهي تعزز أيضا، وهذا مهم جدا للمملكة العربية السعودية، قطبيتها في المشرق العربي من خلال هذه المباشرة المقاربة لنبض الشارع العربي الذي طالما خاطبه الملك عبد الله في كلمات مؤثّرة وكان يَنتظر منه ولا يزال كزعيم كبير أن يدفع بهذا التضامن إلى موقع الأحداث بحسب المصلحة العربية الإسلامية العليا.

إن تنسيق العاصمتين في قضايا الخلاف الرئيسية سوف يُحقق استعادة للموقف العربي الجمعي وتوازناته للمصلحة القومية، وهو ما سيعطيهما ثقلاً جديدا يعوّض بعض الخسائر الفادحة حين تُركت الساحة العربية لعربدة المشروع الأميركي الإسرائيلي وتقاطعات الصراع والصفقة بينه وبين العهد الإيراني الجديد, وثبات التوجه إلى تبادل الزيارات بين دمشق والرياض والأجواء التي سعت لتحقيقها الدوحة من خلال زيارة الرئيس بشار الأخيرة وحضوره مشروع ثول (جامعة الملك عبد الله) وردّ الملك عبد الله بزيارة دمشق عزز هذا الجسر الجديد, في حين كانت هناك معارك تُشعل في برنامج الحرب الباردة في مواقع حساسة من خلال أطراف تحسب على العاصمتين أو في مدارهما مع إصرار الرياض ودمشق على التقدم إلى هذه الخطوة رغم الضغط الإيراني الكبير على مواقع هذه الحرب الباردة لإشعال المنطقة.

"
الثبات في الموقف يعكس إرادة الزعيمين عبد الله والأسد لتحقيق الاختراق في منظومة العمل الجماعي العربي التي نأمل أن تستمر في اتجاه المشروع العربي المستقل الذي وعد بسحب مبادرة السلام
"

هذا الثبات في موقف اللقاء يعكس إرادة الزعيمين لتحقيق هذا الاختراق في منظومة العمل الجماعي العربي التي نأمل أن تستمر في اتجاه المشروع العربي المستقل الذي وعد بسحب مبادرة السلام بعد أن ثبت أن تل أبيب مستمرة في استغلال مفرداتها لمشروع توسعها القومي العنصري ضد الإنسان والتاريخ العربي.

وخاصة أن هذه القمة تأتي متزامنة مع البرنامج التنفيذي للحركة الصهيونية العالمية وتقدمها نحو الزحف الشائن على المسجد الأقصى المبارك واقتطاع جزء منه للمواسم اليهودية المعتدية على حرمة الأرض المباركة، وما يعنيه ذلك من مسؤولية مباشرة للزعيمين والعاصمتين خاصةً في ظل ما يُلوح به أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة من أخبار عن اختراقهم الجديد لمساحة تطبيع جديدة في منطقة الخليج أو برنامج واشنطن في مفاوضاتها مع دمشق وما يعلنه الأميركيون من آمال في هذا الاتجاه, وهو ما يتطلب قرارا داعما لنضال المقدسيين في حماية الأقصى والرفع الفوري لحصار غزة الظالم وقطع برنامج التذرع الصهيوني لاختراق وتوظيف الصف العربي وخلافاته في هذه المرحلة التاريخية.

وهذا التقارب جاء في توقيت دقيق لما تعرضّت له دمشق من تكثيف في الهجوم وبعثرة أوراقها وتركيز الاتهامات عليها من الأحزاب التي أنشأتها طهران وأعدّت تنسيقها مع مشروع الحرب الأميركية والعملية السياسية التي أعقبتها، ومن غير المعقول لأي مراقب يعلم جيدا حجم الحضور الإيراني الاحتلالي القوي في عراق اليوم ورابطة الساسة القائمين على العملية السياسية في بغداد بطهران أن يُصدّق أن الأخيرة قد بذلت وساطة لمعالجة ملف المحكمة الدولية التي يتبناها نوري المالكي وقد رفض وساطتها!!

ففي الرصد البسيط يعرف المراقبون أنّ طهران في موضع إملاء المواقف والقرارات وليس في معرض المشورة، وهي قضية تأكدت بأحداث كبيرة لن يكون آخرها تصفية معسكر أشرف أو البرنامج الثقافي الطائفي الهائل الذي تدعمه إيران في الجنوب، إضافة إلى سلسلة من الأجهزة والقيادات والمليشيات الأمنية المتعددة وشبكة متوطّنة في أجهزة المخابرات العراقية, وانتهاء هذا المشهد الأخير إلى حراك يعطي مؤشرات على أن الحالة الطائفية وتفرقة الشعب على أسس مذهبية لم تعد هي الوحيدة في خطورتها على دمشق بل إنّ الحراك السياسي المضطرب والمتأثر بأجواء الصراع الداخلية في إيران وقراءة طهران لميدان التوافقات بينها وبين واشنطن ومن ثم تحريك ملفات المنطقة في اتجاه خلق فرص لتوازنها ودفع المخاطر الداخلية عن النظام الحاكم قد بدأت تتحرك حتى في اتجاه الحليف العربي.

مع الأخذ بالاعتبار تأكيد أوباما وقيادات أركانه والحكومة الإيرانية واتحادهم على مواصلة التحضير للحرب العالمية الكبرى على طالبان وما يعنيه هذا الملف من حجم الاستثمار الذي حققته إيران من بعض أركان التحالف ومن المثقفين العرب الذين حشدتهم للدفاع عن مشروعها في العراق والخليج وكيف انتهى ليتحول إلى داعم لوجستي لسيناريو الحرب المشتركة مع واشنطن على طالبان وبرنامج توازنات الصفقة الكبرى.

وما يعنينا هنا شعور دمشق على الأقل بأن الحالة الإيرانية المهيمنة على العراق والتي أتت بالتعاون مع واشنطن ليست ضامنا لاستقرار مصالح دمشق، وعليه فإن التوازن مع العمق العربي سواء في العراق أو مع توجه الملك عبد الله نحو المصالحة يخلق برنامجا مهما لعمقها القومي والأمني إذا كان متطابقا مع مصالح الأمة, والأهم أن تكون هذه المقابلة للمشروع الإيراني واختراقه ليس من خلال فكرة التحالف الحمقاء مع تل أبيب التي تدفع لها واشنطن وتسوقّها خاصة في الخليج فضلاً عن سقوطها مبدئيا في أخلاقيات الأمة وعقائدها, ولكن من خلال الاتحاد السوري السعودي كمصلحة قومية لبلديهما في دعم المشروع الوطني العراقي المانع للهيمنة الإيرانية على العراق والنابذ للطائفية ذي العمق العروبي والخالي من أي نزعات ثأرية أو اضطراب سابق في تموجّات الصراع في المنطقة، وهو هنا ممثلا بهيئة علماء المسلمين وقيادتها الشيخ حارث الضاري.

إنّ كلا العاصمتين باتتا تدركان أن ضمان القوة والتواجد مرتبط بالمحافظة على علاقة مع قوى النهوض الشعبية في المناطق المخترقة وأنه لا يمكن حماية الأمن القومي في حده الأدنى وردع ثقافة وحركات التفتيت الطائفية والعرقية ومساومات الصفقات إلاّ من خلال التعامل مع هذه القوى إن لم يكن مبدأً عربيا فهو مصلحة قومية للبلدين, واستضافة دمشق لشخصيات ومؤسسات من هيئة علماء المسلمين التي تلتف حولها فصائل المقاومة ذات المنهجية الراشدة في مقاومة الاحتلال وحفظ الدماء ووحدة العراق تأتي في هذا السياق.

"
مصلحة دمشق والرياض احتواء مناطق الصراع وتهدئة كل طرف متصل بهما كحزب الله والمستقبل لأن حرب لبنان الجديدة لن يسلم منها المحيط العربي, خاصة مع تطور الأوضاع وكثرة التصدعات بالمنطقة
"
وليس من المعهود في التاريخ الإنساني عموما أو العربي أن تتحد القوى الوطنية في جسم واحد، فاستمرار تعددها أمرٌ معروف في التاريخ ولكن الأقوى والأكثر انضباطا هو من يستمر ويقود المشروع المركزي ثم يَلحق به الآخرون, وكلمة الملك عبد الله قبل عامين حين استقباله الشيخ حارث الضاري (بكم تحفظ وحدة العراق وعروبته وإسلامه) تتطابق مع هذا المبدأ المهم، فتعاون دمشق والرياض لدعم المشروع الوطني العراقي سوف يُساهم في إنقاذ العراق وإيقاف الدوامة ويوقف الشظايا المتصاعدة حوله والتي تحرق من وراء الحدود باقي المجتمعات المحيطة.

ومن مصلحة العاصمتين احتواء مناطق الصراع وتهدئة كل طرف متصل بهما كحزب الله والمستقبل لأن حرب لبنان الجديدة لن يسلم منها المحيط العربي كما جرى في السابق, خاصة مع تطور الأوضاع وكثرة التصدعات الاجتماعية والفكرية والحقن الطائفي الذي أغرق المنطقة.

وهذا لا يعني أن تخرج كلا العاصمتين من علائقهما الأخرى فهذا أمرٌ ليس متوقعا وإنما تحقيق توازن لاختراق جديد.. ولماذا تنتظر دمشق والرياض الآخرين لعقد صفقاتهم على حساب العرب وقضاياهم الإسلامية ما دامت صفقة العرب تناصر القضية وتحمي المصالح القومية لبلديهما؟.. فهل يَتركون مصالحهم حتى يصل الحريق لأرضهم؟ لعلهم يتفكرون هذه المرة.

المصدر : الجزيرة