محمد الأمين محمد الهادي

- جوهر الخلاف
- النقاط الإيجابية
- الجوانب السلبية
- ما الذي تحقق لكل الأطراف؟
- إمكانية التطبيق

بعد أيام من الترقب وحبس الأنفاس منذ بدأ الحديث عن مفاوضات تجري بين تحالف إعادة تحرير الصومال والحكومة الفدرالية، ظهرت نتيجة المفاوضات وليدا غير مكتمل المعالم، احتضنه البعض خائفين على حياته، وتجنبه الآخرون واستنكروه وكأنه من سفاح!

ومنذ بدأت المفاوضات بدا واضحا أن هناك خلافات حادة بين أعضاء التحالف بشأن هذه المحادثات، وظهرت الملاسنات العلنية التي كانت ساحتها وسائل الإعلام المختلفة، وانقسم الأعضاء بين مؤيد لجناح أسمرا ومساند لجناح جيبوتي ومترقب ينتظر ما ستؤول إليه الأمور.

وعبر الملاسنات ظهرت الخبايا وبدت الهشاشة التي كان ينطوي عليها التحالف، وبدا تأثير رغبات الدولة المستضيفة عليه وتأثير مصالحها.

وكان جناح أسمرا الذي يقوده الشيخ حسن طاهر أويس أكثر حدة وتجرؤا على اتهام الجانب الآخر، وبدا خطابه متناسقا مع وجهة نظر الحكومة المضيفة له، بينما بدا جناح جيبوتي أقل حديثا حول الخلاف ومقللا من شأنه.

"
من أهم الأمور بعد تحديد أجل للانسحاب الإثيوبي أن المقاومة لم تلتزم في هذه الاتفاقية بتسليم سلاحها لأي أحد، رغم موافقتها على إيقاف كل أعمال المواجهة المسلحة بعد ثلاثين يوما من التوقيع على الاتفاقية إيقافا يسري لمدة ٩٠ يوما قابلة للتجديد
"
جوهر الخلاف
يقول جناح أسمرا الذي يقوده الشيخ حسن طاهر أويس إن الوفد الذي ذهب للتفاوض إلى جيبوتي لم يستشر أطر التحالف ولم يتفق الجميع على خوض المفاوضات، ولذلك فهو مخالف للوائح ويعمل لأجندة خفية.

ويقول الجانب الآخر إن الحكومة الإريترية رفضت الاستجابة لطلب رئيس التحالف ورئيس المجلس المركزي باستضافة مؤتمر لجميع الأعضاء حتى يتمكنوا من مناقشة الموضوع، لأنها تعارض حدوث أي تفاوض. وعليه فقد تقرر عقد اجتماع حضره الموجودون داخل أسمرا، وقررت الأغلبية -ما عدا أربعة أشخاص- الذهاب إلى جيبوتي وفق أجندة متفق عليها.

وكذلك اجتمع أعضاء المجلس التنفيذي الموجودون في أسمرا واتفقوا جميعا على الذهاب إلى المفاوضات ما عدا عضوا واحدا. ولكن الشيخ أويس أراد أن لا يتم التفاوض إلا بعد تمكن اجتماع كل الأعضاء، ومن هنا كان هناك اختلاف في تفسير اللائحة فتمسك كل بموقفه.

وتقول بعض المصادر في التحالف إن الشيخ أويس لا يريد مخالفة الحكومة الإريترية ويرى احترام رغبتها في عدم خوض المفاوضات لأن ذلك يعتبر نكرانا للجميل.

ويرى الفريق الآخر أن إريتريا تريد أن تتحكم في قرار التحالف وتضع العراقيل في وجه من يخالف رأيها في الصراع الصومالي، ومن ذلك أنها قطعت جميع الاتصالات عن الشريفين (شريف المحاكم وشريف البرلمان) محاولة أن ترهن قرار التحالف في يدها وهذا ما لم يرضه الشيخ شريف.

ولكن الذي ظهر للجميع أن الصوماليين بإسلامييهم وعلمانييهم يحتاجون إلى تعلم أبجديات المؤسساتية واحترام الهرمية الإدارية، إذ إن رأسي التحالف -وأعني بهما رئيس المجلس المركزي شريف حسن آدم ورئيس المجلس التنفيذي رئيس التحالف الشيخ شريف شيخ أحمد- مع عدد كبير من أعضاء التحالف اختاروا أن يسيروا في طريق التفاوض بشروط حددها المجلسان.

فكان الأجدر أن لا ينقل عضو في المجلس المركزي الخلاف إلى وسائل الإعلام ويضع المجتمع الصومالي كله في حيص بيص، بل يلتزم بالمؤسساتية لحل خلافه مع الآخرين.

وأيا كان الأمر فقد استمرت المفاوضات في جيبوتي وسط هذا الخلاف والتلاسن الإعلامي، وكان أعضاء التحالف في جيبوتي يصرون على إنكار أن هناك مفاوضات تجري بينهم وبين الحكومة الانتقالية، ويقولون إن التفاوض يجري بينهم وبين الأمم المتحدة لإيجاد صيغة تخرج بها القوات الإثيوبية الواقعة في المستنقع من الصومال.

ولكن المراقبين كانوا يعلمون بأن هذه محاولة لإخفاء ما يجري وراء الكواليس عبر وسطاء المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

وقبل يوم من إعلان الاتفاقية أعلن فشل الفريقين المتفاوضين في التوصل إلى اتفاق، وكاد كل شيء يرجع إلى أصله لولا جهود مكثفة وضغوط مورست على الجانبين في الساعات الأخيرة ليوقعوا على اتفاقية تستجيب للحد الأدنى من مطالبهما.

وأعلِنت الاتفاقية، فما هي جوانبها السلبية والإيجابية؟ وما مدى إمكان تنفيذها؟

بنظرة عامة يبدو لقارئ الاتفاقية أنها صيغت بعناية تامة لتجنيب إثيوبيا أية مسؤولية فيما يحدث في الصومال، ولم يذكر الاحتلال من قريب أو بعيد، بل تم تصوير المشكلة والأزمة على أنها صراع صومالي داخلي منذ ١٨ عاما، وكأن الجانبين المتفقين كانا يتصارعان طوال هذه المدة، مع العلم بأنه لا الحكومة الفدرالية ولا تحالف إعادة تحرير الصومال المعنيين بالاتفاقية كان موجودا خلال سنوات الصراع الأهلي.

ورغم أن الاتفاقية تشير إلى معاناة الشعب الصومالي والخسائر البشرية الهائلة وانعدام الأمن, والدمار الواسع لبنيته التحتية ومرافقه الحيوية الأخرى، وأن هناك جيلا كاملا من الشباب تمت التضحية به بسبب هذه الحرب المدمرة، فإنها لم تذكر المتسبب في كل هذا!

حتى البند الذي يتحدث عن خروج القوات الإثيوبية خلال ١٢٠ يوما تمت صياغته بطريقة تراعي المشاعر المرهفة للحكومة الإثيوبية مراعاة شديدة إلى حد مبالغ فيه، إذ تقول إنه "في غضون ١٢٠ يوما من توقيع هذه الاتفاقية فإن على الحكومة الاتحادية الانتقالية أن تتحرك بما ينسجم مع القرار الذي اتخذته الحكومة الإثيوبية بسحب قواتها من الصومال إثر نشر عدد كاف من قوات الأمم المتحدة".

فالصياغة ليست مطالبة القوات الإثيوبية بمغادرة الأراضي الصومالية، بل تصوير القوات الإثيوبية وكأنها ستخرج وفق رغبتها الخاصة تنفيذا لقرار اتخذته بنفسها قبل هذه الاتفاقية، وأن على الحكومة أن تتحرك بما ينسجم مع القرار الإثيوبي.

"
أول المستفيدين من الاتفاقية الحكومة الفدرالية التي لم تكن لديها شرعية في الداخل وكانت متهمة بالعمالة من جانب الشعب الصومالي، بل وكان يستقر في ذهن الكثير من الدول -حتى المساندة لها- بأنها لا تستطيع كسب الشرعية في الداخل، فنالت الشرعية والمصداقية من أعدى أعدائها ومن أولئك الذين كانوا ينعتونها بالعمالة
"
النقاط الإيجابية
تعتبر مسألة تحديد زمن معين لخروج القوات الإثيوبية مهما كانت الصياغة ضعيفة أمرا إيجابيا، لأنه أصبح هناك إطار زمني محدد لوجود قوات الاحتلال، وأنها ستستكمل انسحابها خلال تلك المدة.

وهذا أكبر إنجاز حققته هذه الاتفاقية في نظري، فمن يعرف الأطماع الإثيوبية لا يتوقع أن ذلك من الممكن.

الأمر الثاني هو "التأكيد على كرامة وسيادة ووحدة الأراضي الصومالية"، وهو أمر من الأهمية بمكان في ظل وجود أجندات إقليمية ودولية تستهدف تقطيع أوصال هذا البلد بدأ تنفيذها وأصبحت أمرا واقعا ولم يبق إلا المصادقة عليها.

وأهم أمر بعد ذلك أن المقاومة لم تلتزم في هذه الاتفاقية بتسليم سلاحها لأي أحد، رغم موافقتها على إيقاف كل أعمال المواجهة المسلحة بعد ثلاثين يوما من التوقيع على الاتفاقية إيقافا يسري لمدة ٩٠ يوما قابلة للتجديد.

ومعنى ذلك أن المقاومة ستبقي أصابعها على الزناد انتظارا لتحقق خروج القوات الإثيوبية، وهو ما سيتحقق بعد تسعين يوما، وإن لم يتحقق ذلك فإنها لن تجدد التهدئة بل ستتخذ قرار استئناف المقاومة المسلحة.

أما المسائل السياسية فقد تركت للجنة ستشكل من الأمم المتحدة، تساعد الجانبين على مناقشة ما سيكون عليه الوضع السياسي بعد انسحاب القوات الإثيوبية وقدوم القوات الدولية "الصديقة".

الجوانب السلبية
اضطر أعضاء التحالف -كما قالوا- لاختيار أخف الضررين في مسألة القوات الدولية، لأن المجتمع الدولي يعتقد أن خروج القوات الإثيوبية سيخلق فراغا أمنيا وأن المقاومة ستتعشى بالحكومة الفدرالية، وليس هناك من يتحمل هذا الخطر!

لذا كان عليهم الاختيار بين بقاء القوات الإثيوبية إلى أجل غير مسمى واستمرار المقاومة المسلحة مع معاناة الأهالي وتعرضهم لجرائم القوات الإثيوبية المحتلة، وبين قبول القوات الدولية التي تأتي بتفويض من الأمم المتحدة لتكون لها مهمة محددة وليست لها أطماع ابتلاع الصومال.

وذكر أن هذه القوات ستكون من الدول الصديقة ومن غير دول الجوار، ولكن فات المقاومة أن تصر على أن تكون من الدول العربية والمسلمة حتى لا تثير حساسية الشعب الصومالي.

وليس هناك من يضمن أن تكون هذه القوات من غير أميركا وبريطانيا اللتين عاثتا فسادا في العراق، ومن يدري ربما سيفتح "أبو غريب" جديد في الصومال؟ هذه نقطة حساسة كان المفروض التأكيد عليها.

وفي البند المتعلق بخروج القوات الإثيوبية اشتراط بأن يحدث ذلك بعد قدوم قوات دولية "كافية" لحفظ الأمن، والكفاية غير محددة وقد يفسرها كل حسب رغبته، وهذه معضلة.

الأمر الثاني، هو التزام التحالف بإدانة كل أعمل العنف المسلح في الصومال عن طريق بيان عام، وأن ينأى بنفسه عن أي من الأفراد أو الجماعات المسلحة التي لا تلتزم بشروط هذه الاتفاقية.

ومعنى ذلك أن يصدر بيان استنكار كلما حدثت عملية مقاومة مسلحة من الجهات غير الموقعة على الاتفاقية، حتى وإن لم تكن من مسؤوليتها أو من عناصرها، وهذا في نظري سيحمل التحالف شططا وسينظر إليه شعبيا وكأنه يصطف ضد المقاومة.

ولم يأت في هذه الاتفاقية ذكر لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب التي اقترفت في الصومال على يد الاحتلال الإثيوبي.

ما الذي تحقق لكل الأطراف؟
هناك أطراف كثيرة حققت في هذه الاتفاقية بعض ما كانت ترجوه، وأول المستفيدين في رأيي الحكومة الفدرالية التي لم تكن لديها شرعية في الداخل، وكانت متهمة بالعمالة من جانب الشعب الصومالي، بل وكان يستقر في ذهن الكثير من الدول -حتى المساندة لها- بأنها لا تستطيع كسب الشرعية في الداخل.

لكن هذه الاتفاقية أعطتها الشرعية والمصداقية، ليس من الآخرين بل من أعدى أعدائها ومن أولئك الذين كانوا ينعتونها بالعمالة ويعلنون ليل نهار بأنهم لا يعترفون بها.

وضمنت بذلك بقاء مؤسساتها شرعية أمام الشعب حتى بعد رحيل القوات الإثيوبية دون أن يتجرأ أحد على اتهامها بالعمالة.

أما إثيوبيا فقد أبعدت عنها تهمة الاحتلال ضمنيا وتجنبت الخروج الإلزامي المذل أو الهزيمة التي تجبرها على الفرار، وضمنت خروجا مشرفا وكأنها جاءت لتؤدي مهمة -كما تدعي- للشعب الصومالي، وبعدما أنهت المهمة قررت الخروج بملء إرادتها.

أما أميركا والدول الغربية فقد حققت دمج القوى المعتدلة من المعارضين للحكومة والاحتلال في العملية السياسية حسب موازينها، دون أن تضطر إلى إعادة صياغة ما تم إنجازه في مباغاتي تحت رعاية إثيوبيا.

إلى جانب ذلك تحقق لها عزل وتهميش أو استئصال القوى التي تتهمها بالتطرف والتشدد والإرهاب، وتحقق تقسيم التحالف عمليا بين معتدلين يرحب بهم في العملية السياسية ومتشددين ينبغي عزلهم وتهميشهم.

أما تحالف مكافحة الإرهاب فهو أكبر الخاسرين إذ خرج من هذه الاتفاقية منقسما على نفسه متشرذما، ومع أنه تمكن من تحديد مدة وجود القوات الإثيوبية -وهي النقطة التي تحسب له- فإن ما عدا ذلك قد يكون في غير صالحه.

"
تحالف مكافحة الإرهاب أكبر الخاسرين في هذه الاتفاقية إذ خرج منه منقسما على نفسه متشرذما. ومع أنه تمكن من تحديد مدة وجود القوات الإثيوبية فإن ما عدا ذلك قد يكون في غير صالحه
"
إمكانية التطبيق
هناك سؤال يطرحه الكثيرون حول مدى إمكانية تطبيق هذه الاتفاقية على الأرض. ولا شك أن أي حديث عن مدى إمكانية نجاح أو فشل هذه الاتفاقية حديث مرجّم، إلا أن الكثير من المراقبين يرون صعوبة تطبيقها على الأرض بالنظر إلى الواقع الحالي.

ويشيرون إلى أن المدة المحددة لخروج القوات الإثيوبية غير واقعية ولا عملية لأنها قصيرة بالنسبة للشرط المتعلق بها وهو قدوم قوات دولية كافية، فهناك تجربة دارفور التي لم تستطع القوات الدولية أن تأتي إليها إلا بعد عام.

ثم إن الكثير من الدول تتردد في إرسال أبنائها إلى مناطق الصراع المشتعل، ولاسيما إذا علمنا أن هناك أطرافا من المقاومة ستواصل مواجهتها المسلحة.

وهناك مسألة تمويل هذه القوات وهي المسألة التي وقفت عائقا دون استكمال مجيء القوات الأفريقية حتى الآن.

والعائق الآخر الذي يواجه الاتفاقية أن التحالف منقسم عليها بين موافق ومعارض. ويُعتقد أن أغلبية المقاومة المسلحة على الأرض غير موافقة عليه وأنها تصر على مواصلة الجهاد رغم أن أكثرية الواجهة السياسية للتحالف يُعتقد أنها تدعمه.

وحتى وإن كان التحالف على قلب رجل واحد في هذه الاتفاقية فهناك القوى الأخرى الموجودة على الأرض مهما صغر حجمها، وعلى رأسها "حركة الشباب المجاهدين" و"الجبهة الإسلامية الصومالية" وكلتاهما ليست ضمن التحالف أصلا وقد أعلنتا معارضتهما للاتفاقية.

ولكن هناك أمور قد تجعل من الممكن تطبيق الاتفاقية وهي:
١- أن يبذل الجناح الموقع على الاتفاقية جهودا في إقناع بقية أعضاء التحالف بدعمه، وأن يحل الخلافات التي برزت للعيان بين قياداته ورموزه. ثم يسعى إلى إقناع الفصائل المقاومة الأخرى بجدوى ومصلحة هذه الاتفاقية.

وهذا أمر ليس هينا، لاسيما مع وجود طرف إقليمي يدعم هذا الجناح المتشدد، وإن لم يكن الأمر مستحيلا.

٢- التزام المجتمع الدولي ببنود الاتفاقية، والضغط على إثيوبيا والحكومة الفدرالية لعدم التعرض للمدنيين وعدم اقتراف ما يلهب المشاعر، وأن لا تستجيب لاستفزازات العناصر المقاومة التي من مصلحتها إفشال الاتفاقية، وتحقيق أمر خروج القوات الإثيوبية في حينه دون تلكؤ أو محاولة تبرير تأخير ذلك.

٣- احتضان الشعب للاتفاقية سيجعل من السهل تطبيقها، وهذا هو المتوقع من كثير من الفعاليات الشعبية إذا تحقق الأمر الثاني المذكور أعلاه.

وحسبما أبرزته استطلاعات للرأي فإن ٨٠٪ من الشعب يؤيد الاتفاقية. ومما سيزيد من هذا أن تعمل الحكومة والمجتمع الدولي على إعادة 1.5 مليون مشرد إلى بيوتهم داخل مقديشو وتوفير أسباب حياة آمنة لهم.

إذا حدث هذا فلن يجد الرافضون للاتفاقية محضنا شعبيا وسيتصدى الشعب لكل من يحاول عرقلتها لأنه عانى الأمرين ولم يعد يتحمل المزيد.

وبهذا يمكن إنقاذ هذه الاتفاقية من أن تكون حبرا على ورق أو أن تلحق بأخواتها العشرات التي سبقته خلال الحرب الأهلية.
__________________
كاتب صومالي

المصدر : الجزيرة