عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


 شواهد على عدم جدية الحوار
 تكتل فلسطيني إقليمي ضد حماس
 مشكلة الرئاسة ذريعة للحل الأمني

لم يعد سرا أن ما يجري التحضير له في القاهرة أبعد ما يكون عن مفردات الحوار والمصالحة والوفاق بين الفرقاء الفلسطينيين، ذلك أن هناك الكثير من الشواهد والمعطيات التي "زكمت رائحتها أنوف الفلسطينيين" وتركت بما لا يدع مجالا للشك أن "طبخة" ما تدبر، وأن هناك أيد كثيرة قد تكون مشاركة فيها، فلسطينية وعربية وإسرائيلية ودولية.

ولئن كان المقام هنا لا يتسع لتوزيع الاتهامات يمنة ويسرة، إلا أن وضع النقاط على الحروف، وتحمل المسؤوليات، أصبح محتما قبل فوات الميعاد، بعيدا عن عبارات الإطراء والمديح لحساب جهة، وكلمات التجريح والهجاء ضد جهة أخرى.

شواهد على عدم جدية الحوار
الكثير من الوقائع التي عاشتها الساحة الفلسطينية في الأيام والأسابيع الماضية، سواء أكانت في قطاع غزة أو الضفة الغربية، تعطي الكثير من الدلالات على أن الحوار الفلسطيني الداخلي، بعيد جدا أكثر من أي وقت مضى، قد تكون رغبة الكثيرين في هذين الإقليمين اللذين لا تتجاوز مساحتهما 22% من مساحة فلسطين التاريخية المحتلة تذهب باتجاه الحوار، لكن الأمنيات لا تكفي وحدها، وهذه بعض من الشواهد والمعطيات التي تفند هذه الأمنيات:

أولا: قطاع غزة
بعيدا عن تقييم خطوة حماس في سيطرتها العسكرية على قطاع غزة، فقد تلت هذه الخطوة الكثير من الإجراءات القانونية والأمنية التي لا تدع مجالا للشك بأن الحركة ماضية في سيطرتها على القطاع، وبالتالي فإن كل حديث حول الحوار لا تراه الحركة مناسبا إذا ما اقترب من هذا "المحرم الخطر"، المتمثل بتراجعها عن سيطرتها أو حسمها أو انقلابها، سمه ما شئت.

وبإمكان المرء أن ينظر بعين المراقب الموضوعي لسلسلة الخطوات التي انتهجتها الحكومة المقالة في غزة، وتشير جميعها إلى أن ما حصل في القطاع قبل أكثر من عام تقريبا هو قدر محتوم، لأن كل ما تلا سيطرتها من تطورات يؤكد هذا التصور، ويمكن أن يستدل على ما مضى بما يلي:

"
الكثير من الوقائع التي عاشتها الساحة الفلسطينية في الأيام والأسابيع الماضية، سواء أكانت في غزة أو الضفة الغربية، تعطي الكثير من الدلالات على أن الحوار الفلسطيني الداخلي بعيد جدا أكثر من أي وقت مضى
"
1- جملة التعيينات الإدارية التي قامت بها الحكومة، بحيث صبغت الوزارات والمؤسسات الرسمية باللون الأخضر الفاقع، ليس بالضرورة أن يكون ذلك ترجمة لدعوات بعض قيادات حماس المطالبة بـ"أسلمة المجتمع"، ولو من طرف خفي، لكن ما نلمسه ونراه في مقار المؤسسات الرسمية والحكومية يدعم هذا التوجه، الإداري وليس الفكري بالضرورة.

2- الحملات الأمنية التي قامت بها الشرطة ضد ما تسميه "المربعات الأمنية" التي لا تتفق بالمطلق مع مجتمعات القرن الحادي والعشرين، كما أن طريقة معالجة حماس لهذه الظواهر المرفوضة، لم تتناسب إطلاقا مع ما تنادي به من مبادئ سامية تحافظ على الإنسان كقيمة، واحترام حرماته وصون ممتلكاته.

ولئن كان الحديث يدور عن مربعات تتجاوز البعد الأمني الجنائي، وصولا إلى غايات سياسية تعتبرها سلطة رام الله منطلقا لها للانقضاض على القطاع مستقبلا، فقد كان بإمكان حركة حماس التي تسيطر حكومتها على غزة سيطرة شبه مطلقة، أن تلغي هذه الظاهرة بصورة أكثر عقلانية، وأقل سفكا للدماء، وأهم من كل شيء بعيدا عن تنفير الناس ممن وقعوا ضحية السلوك الدموي السابق للسلطة الفلسطينية.

3- التعامل الذي تبديه السلطة في غزة باعتبار هذا الإقليم الذي لا يمثل سوى 1% من مساحة فلسطين، وكأنه الرقعة الأكثر قداسة وأهمية وإستراتيجية لها من باقي المناطق المحتلة، وبالتالي فإن التراجع عنه يعتبر بنظر الكثيرين من قادة الحركة والناطقين باسمها تنازلا عن المقدسات وتفريطا بالثوابت، وهذا لعمري فهم قاصر وقراءة سطحية لوقائع الجغرافيا السياسية في الوطن المحتل السليب.

غزة الحبيبة على قلب كل فلسطيني استطاعت قهر المحتل الإسرائيلي طوال السنوات الماضية، ومثلت بالفعل "غزة في خاصرته" وتمنى "إسحاق رابين" ذات يوم أن يستيقظ ليجد أن البحر قد ابتلعها، لكنها مع كل ذلك فإنها لا تمثل ساحة الصراع الحقيقي والتاريخي معه، لأن الضفة الغربية المستباحة من الجيش الإسرائيلي هي نهاية الحل، وعليها تجري النقاشات والمفاوضات، وحولها تدور المباحثات السرية والعلنية.

لا يجوز بحال من الأحوال أن يتمسك الفلسطينيون بغزة، -وحق لهم أن يتمسكوا بها- وينسوا أو يتناسوا الضفة المحتلة، ويضعوها متأخرة على جدول أعمالهم.

ثانيا: الضفة الغربية
يختلف الباحثون في مدى حقيقة وصدق انزعاج السلطة الفلسطينية في رام الله من سيطرة حماس العسكرية على غزة، فهناك فريق لا بأس به يرى أن هذه السلطة وقع عليها نبأ الحسم أو الانقلاب، بردا وسلاما، ليتم إفساح المجال لإحكام سيطرتها على الضفة المحتلة.

وهنا بالإمكان إلقاء نظرة على أهم الإجراءات والخطوات التي تعيشها مدن الضفة وقراها ومخيماتها، وتشير كلها إلى أن الحوار الوطني غير مدرج أساسا على أجندة صناع القرار السياسي والأمني لدى ساسة المقاطعة في رام الله.

1- التغول غير المسبوق الذي تمارسه الأجهزة الأمنية هناك، وما أكثرها (أمن وقائي، مخابرات عامة، استخبارات عسكرية، شرطة مدنية) على حركة حماس وعناصرها ومؤسساتها، للدرجة التي ذكرت الجميع بإجراءات هذه الأجهزة عام 1996 ضد حركة حماس في غزة.

"
وصل الأمر ببعض مسؤولي السلطة الفلسطينية، للإعلان في الآونة الأخيرة -والقاهرة تعد العدة لاستقبال المتحاورين- أنهم لن يترددوا في استعادة القطاع بكل السبل والوسائل، حتى لو كان الثمن أن يغرق القطاع المحاصر بسيول من دماء الأشقاء الأعداء
"
فلا يكاد يوم يمر إلا ويعتقل فيه أفراد من حماس في أقبية تحقيق سجون الضفة، وهذه المرة على سمع وبصر وإشراف المنسق الأمني الأميركي سيء الصيت كيث دايتون، وبإمكان القراء أن يعودوا إلى محضر الاجتماع الذي عقده المسؤولون الأمنيون الفلسطينيون مع نظرائهم الإسرائيليين قبل أيام قليلة، ويرى حجم اللهفة التي يبديها هؤلاء للقضاء على حماس، ولسان حالهم يقول للإسرائيليين: عدو عدوي (حماس) صديقي.

2- السياسة المجافية لمبادئ الوطنية، فضلا عن الإنسانية، التي ما زالت تمارسها حكومة رام الله -في ذروة الحديث عن الحوار المزعوم- بحق عشرات آلاف الموظفين المقيمين في قطاع غزة، وهي تحرمهم من مصدر دخلهم الوحيد، لا لذنب اقترفوه سوى أنهم يؤدن أعمالهم، ويداومون في مكاتبهم، وهو ما تفسره تلك الحكومة على أنها دعم لحكومة الانقلاب كما تسميها.

فأي حوار يدعو إليه أبو مازن وحكومته تحارب الغزيين في أرزاقهم، وتمارس عليهم سياسة لم تمارسها حتى حكومات الاحتلال المتعاقبة؟

3- حالة التجييش التي تقوم بها قيادة حركة فتح التي لجأت إلى الضفة الغربية، لقواعدها التنظيمية في قطاع غزة، والإيحاء لهم بأنهم عائدون عائدون، سواء بصندوق الاقتراع أو صندوق الذخيرة، وهو أمر يتجلى في اكتشاف خلية هنا وشبكة هناك تسعى لزرع عبوات ناسفة وتفجير أماكن عامة في غزة.

بل لقد وصل الأمر ببعض مسؤولي السلطة الفلسطينية، سياسيين وأمنيين، للإعلان في الآونة الأخيرة، والقاهرة تعد العدة لاستقبال المتحاورين، أنهم لن يترددوا في استعادة القطاع بكل السبل والوسائل، حتى لو كان الثمن أن يغرق القطاع المحاصر بسيول من دماء الأشقاء الأعداء.

إيجاد تكتل فلسطيني إقليمي ضد حماس
هناك عيب بنيوي يطال الحوار المزمع في القاهرة، يتعلق بالرغبة التي لا تقبل الشك من قبل من يستضيف الحوار في إيجاد حالة من التكتل والاصطفاف من قبل جملة من "الفسائل" وليس الفصائل، لتشكيل حالة من الموقف السياسي المجمع عليه ضد حماس التي ستبدو خارجة عن الصف الوطني، ومن شقت عصا الطاعة.

وإلا بماذا يتم تفسير الدعوات المبكرة التي وجهتها القاهرة، لكل من هب ودب من القوى والمجموعات وأشباه الفصائل، وترتيب ما سيقال يوم انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، والاتفاق على بنود الرؤية المصرية التي سيتم تعريبها لاحقا، والتروي والانتظار بحيث أجلت الدعوة لحركة حماس صاحبة الشأن الأكبر والأهم في هذا الحوار إلى آخر المطاف. أليس وراء الأكمة ما وراءها؟

إذا كان مستضيفو الحوار جادين حقيقة في مساعدة الفلسطينيين للتخلص من حالة الانقسام المزري القائمة، فقد كان بإمكانهم الاكتفاء بدعوة الفصيلين الكبيرين، وكفى، إلى طاولة الحوار، لأن ما سيتفق عليه الأخوان الكبيران، ستلتزم به باقي أطراف العائلة الفلسطينية الكبيرة.

الأخطر من ذلك، أن حالة التكتل والاصطفاف وصلت الإقليم العربي بصورة أثارت استغراب المتابع لآليات الدول العربية في معالجة الملفات الشائكة، وكان آخرها ملف الأزمة اللبنانية الداخلية، وألا يبدو السؤال مشرعا ومشروعا في آن واحد: بأي منطق يهدد بعض العرب بفرض عقوبات صارمة على كل من يعطل الحوار الفلسطيني؟ وما هو المسوغ المنطقي الذي تنطلق منه بعض العواصم بشأن تشكيل محاكمات سياسية لمن يعرقل الوصول إلى توافق فلسطيني؟

"
إذا كان مستضيفو الحوار جادين حقيقة في مساعدة الفلسطينيين للتخلص من حالة الانقسام المزري القائمة، فقد كان بإمكانهم الاكتفاء بدعوة الفصيلين الكبيرين، وكفى، إلى طاولة الحوار، لأن ما سيتفق عليه الأخوان الكبيران، ستلتزم به باقي أطراف العائلة الفلسطينية الكبيرة
"
ليس هناك من شك في أن العمق العربي كان وما زال وسيبقى صاحب البعد الأكثر تأثيرا في إدارة الصراع مع الإسرائيليين، بغض النظر عن طبيعة الموقف الرسمي العربي من المعطيات السياسية القائمة، لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن يستحضر الموقف العربي حينا، بل وأن يتم الاستقواء به، والتلويح به من باب الابتزاز، إن تعلق الأمر بشركاء المسيرة والمصير، ويغيب ويهمش حينا آخر ويسار في القنوات الخلفية إذ تعلق الأمر بالشريك الإسرائيلي في عملية التسوية.

إن ما تمارسه قيادة السلطة الفلسطينية اليوم من حالة ارتماء "مؤقت" في أحضان عواصم الاعتدال العربي، ورضا وقبول بكل ما تقدمه من رؤى ومقترحات لوضع حد لحالة الانقسام الفلسطيني المؤسف، لا يتعدى كونه توظيفا رخيصا لحالة التشرذم العربي من جهة، ومن جهة أخرى ممارسة لعبة خطرة تتمثل في تخويف الجوار العربي من نقل تجربة الإسلام السياسي القائمة في غزة -اتفقنا معها أو اختلفنا- إلى عواصمها، عبر ربطها بالجماعات الإسلامية، الإخوانية منها والقاعدية.

مشكلة الرئاسة ذريعة للحل الأمني
بعيدا عن الجدل القانوني، والتراشق الدستوري، والمحاججات الفقهية، المتعلقة بانتهاء ولاية محمود عباس، وما أثير من إمكانية التمديد له عاما آخر، ورد حماس عليه بأنها لن تعترف به رئيسا بعد أشهر قليلة، أرى أن المشكلة الأساسية هي سياسية بامتياز، وليس البعد القانوني المثار سوى ذريعة واهية لإحراز نقطة لهذا الطرف على ذاك في المعضلة القائمة.

القانون الفلسطيني ضحية أخرى من ضحايا الفصام السياسي النكد القائم بين الخصمين الكبيرين، والطرفان بكل اقتدار يوظفان القانون والدستور لخدمة مواقفهما السياسية، ويدوسان عليه حين يعلن لهما خطيئتهما الوطنية.

السلطة برمتها، رئاسة وحكومة وبرلمانا وأجهزة، لا تساوي شيئا أمام المشروع الوطني الكبير الذي جمع الفلسطينيين عقودا من الزمن تحت رايته، وجاءت السلطة الهزيلة الألعوبة لتفرقهم وتشتت شملهم.

رغم أنني توقعت منذ أشهر أن الطرفين (فتح وحماس) سيدخلان نفقا جديدا من أنفاق الصراع الداخلي، وليس أنفاق المقاومة التي غادرها بعضهم منذ زمن، لكنني لم أتصور أن السجال سيدخل مرحلة ساخنة للدرجة التي نشهدها اليوم.

ولئن كانت السلطة في رام الله متشبثة بآخر مواقعها ومواقفها المتمثلة بكرسي الرئاسة المدعوم عربيا وإسرائيليا ودوليا، فإن الأمر غير المتفهم حقيقة أن تعلن أوساط في حماس أن مهزلة الرئاسة هي "أم المعارك" وأن كسبها لهذه المسألة سيكون الضربة القاضية لخصمها الذي بات يخسر نقاطه، نقطة بعد أخرى، وموقعا يتلوه موقع.

"
ما يجري التدبير له من حوار وطني فلسطيني لا يتعدى كونه استدراجا لحماس، الأمر الذي يستلزم من حماس محاولة تحسين مواقعها ومواقفها السياسية والشعبية، بعيدا عن مفردات الشرعية المزعومة "
حماس كما أظنها لا تشك لحظة واحدة في أن السلطة الفلسطينية، مشروع دولي أقيم لأداء دور وظيفي ليس أكثر خدمة للاحتلال، والأمر لا يتعلق بطبيعة القيادة التي تمسك بزمامها، سواء أكانت حماس أو فتح، حتى لو أن الأولى قد حسنت من ظروف هذا الكيان، وأجرت بعضا من عمليات التجميل على مهامها الإدارية والميدانية.

وبالتالي لم يكن من الداعي والضرورة أن يعلن خالد مشعل أنه لن يعترف بأي رئيس للسلطة بعد تاريخ (9 يناير، 9 كانون ثاني)، إلا بالانتخابات أو التوافق، لأن هذا التاريخ ليس علامة فارقة في الصراع مع المحتل الغاصب، وتجاوز هذا التاريخ ليس نهاية الدنيا، والمتابع للخلافات الفلسطينية الداخلية طوال عقود مضت من الزمن يرى عدم وجود تواريخ مقدسة، والتراجع عن أي تعهد هو سمة السياسة الفلسطينية، كما العربية.

وإن كانت حماس تأخذ اليوم على محمود عباس تمديد ولايته، متجاوزا بذلك القانون والدستور، فإن الفلسطينيين سيطالبون حماس بعد عام من الآن ألا تمدد لمجلسها التشريعي..فهل تراها فاعلة.

خلاصة القول: أن ما يجري التدبير له من حوار وطني فلسطيني لا يتعدى كونه استدراجا لحماس، بإرادتها وعدم أخذها الاحتياطات اللازمة، الآنية والبعيدة المدى، ورغما عنها عبر تحالف فلسطيني عربي دولي يرى فيها عدوا مشتركا، الأمر الذي يستلزم من حماس محاولة تحسين مواقعها ومواقفها، السياسية والشعبية، بعيدا عن مفردات الشرعية المزعومة.

المصدر : الجزيرة