مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

- رهانات فتح
- رهانات حماس
- أسباب التشاؤم والاستعصاء
- أسس الحل وأرضية الوفاق

قد يكون مبكرا رسم سيناريوهات نهائية لمستقبل الوضع الفلسطيني على إيقاع الحسم العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، إلا أن سيناريو الانفصال واستمرار القطيعة والانقسام يبدو الأكثر واقعية ورجحانا لتظليل المشهد الفلسطيني الداخلي على المدى المنظور في ضوء المؤشرات والتطورات الراهنة.

ولا ريب في أن تضارب الحسابات لدى طرفي الأزمة الفلسطينية فتح وحماس، وتلوث القرار الفلسطيني بمؤثرات وضغوط خارجية حادة، يباعد من شقة الخلاف بين الطرفين ويجعل إمكانات الحوار والوفاق أبعد مما كانت عليه في أي وقت مضى رغم جهود التقريب والوساطة التي تولاها أكثر من طرف عربي مؤخرا.

"
فتح تراهن في نزاعها مع حماس على حصار غزة وعزل حماس سياسيا وفشلها في إدارة القطاع وممارسة التحريض على العصيان الإداري والوظيفي في المؤسسات والإدارات الحكومية في غزة
"
رهانات فتح
تتأسس رهانات الرئيس محمود عباس وحركة فتح على مجموعة من الأوراق "الضاغطة" التي تراها "رابحة" وتعتقد بفاعليتها في كبح ما تسميه "الانقلاب الحمساوي" في غزة، وإرغام حماس على التراجع والانكفاء وإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها.

أولى هذه الأوراق تتمثل في تشديد الحصار الاقتصادي الخانق على قطاع غزة، ورفض فتح معبر رفح والمعابر التجارية الأخرى، وشلّ الحركة الاقتصادية والتجارية بشكل شبه كامل في تقاطع واضح مع مصلحة الاحتلال، وتوفير الحد الأدنى لإبقاء قطاع غزة على قيد الحياة وجعله رهينة المعونات الإغاثية الخارجية دون أي ركائز أو مقومات اقتصادية حقيقية.

وليس خافيا أن مواصلة الضغط والحصار الاقتصادي يستهدف تنغيص حياة مواطني غزة إلى أقصى الحدود، وحشرهم داخل سجن كبير ودفعهم إلى الثورة في وجه حركة حماس واتهامها بمفاقمة بؤسهم وزيادة معاناتهم.

ثانية تلك الأوراق تكمن في العزل السياسي لحماس انسجاما مع الموقف الإقليمي والدولي ضدها، والعمل على نزع الشرعية السياسية عنها مما يدفعها للانزواء داخل "غيتو" غزة، والأفول سياسيا بين جنباته الملتهبة من وجهة نظر فتح.

ولعل الأكثر غرابة هو أن الجهد المحموم الذي قاده الرئيس أبو مازن وحكومته لعزل حماس سياسيا توسّل بكثير من الوسائل القانونية التي تم بموجبها خرق الدستور الفلسطيني، ولم يجد بُدّا من الاستقواء بالموقفين الإسرائيلي والأميركي بغية إعادة الأوضاع إلى حالها القديم.

ثالثة تلك الأوراق التي تعتمد عليها فتح تتجسد في الرهان على فشل الإدارة التنظيمية الرسمية التي تقودها حماس في غزة وكثرة أخطائها بحكم حداثة تجربتها، مما يكرس أجواء من الإحباط والإرباك الداخلي الكفيل بتقليص مستوى التأييد الجماهيري الواسع الذي تتمتع به حماس، ويهيئ المناخ النفسي العام لتقبل عودة فتح لإدارة غزة من جديد.

وما يعزز هذه الورقة هو أن الأداء الرسمي لحكومة هنية المقالة قد شابه العديد من الأخطاء والتجاوزات التي مست مجالات حيوية كالعلاقة مع الفصائل الأخرى وقضايا الحريات والمعالجات الأمنية الميدانية بشكل عام، مما وفر فرصة ذهبية لخصوم حماس لتركيز خطاب سياسي وإعلامي حاد ضدها وفتح النار على أدائها وممارساتها المختلفة.

رابعة تلك الأوراق تعتمد على ممارسة التحريض على العصيان الإداري والوظيفي في المؤسسات والإدارات الحكومية في قطاع غزة، ومحاولة التحكم في أعمالها وشؤونها وقراراتها أو شلّ العمل فيها، وإصدار القرارات بإغلاقها ومنع الدوام فيها فضلا عن تكريس الفصل بين الموظفين من خلال فصل وحرمان الموظفين الموالين لحماس والمتعاونين مع حكومة هنية من رواتبهم بشكل غير قانوني بحجة عدم الالتزام بقرارات الشرعية.

"
حماس تراهن على استعدادها اللامتناهي في الصمود بوجه الحصار وتقديم نموذج نزيه في ممارسة الحكم الصالح، وقناعتها المطلقة باستحالة استمرار القطيعة إلى الأبد وحتمية عودة فتح للحوار
"
رهانات حماس
في المقابل تتأسس رهانات حماس على ثلاثة مقومات أساسية ترى فيها أساسا صلبا للصمود في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدفها، وعناوين بالغة الأهمية تعوّل عليها لتجاوز محنتها وتفكيك عُقَد وتشابكات الأزمة الفلسطينية الراهنة.

أولى هذه المقومات تكمن في الاستعداد اللامتناهي لدى حماس للصمود في وجه الحصار، ومجابهة كافة تداعياته وامتصاص آثاره مهما كانت الظروف وبلغت التضحيات.

فالواضح تماما أن تجربة حماس القصيرة في الحكم على مدار عام ونصف العام تقريبا تعطي مؤشرات دقيقة حول مدى قدرة الحركة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية على السواء، أيا كانت قسوتها ودرجة شدتها وحجم استعداداتها للثبات على مبادئها ومواقفها وتوجهاتها.

ومع استحضار مسيرة حماس في إطار تاريخها المقاوم وطبيعة العقبات والمشقات التي كابدتها وألوان القمع والحصار التي فرضت عليها، تعتبر حماس أن الحصار الراهن لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج للحصار القديم الذي اخترقته حماس بشكل جديد ومعطيات جديدة.

ثانية تلك المقومات تتمثل في رهان حماس على تقديم نموذج نزيه قادر على إقناع الفلسطينيين عموما وأهالي قطاع غزة خصوصا بأهليتها لممارسة الحكم الصالح، وجدارتها بسياسة شؤونهم العامة عقب أعوام عجاف من الفساد السياسي والإداري والفلتان الأمني الذي ميز حقبة سيطرة فتح عقب إبرام اتفاقات أوسلو.

ويتصدر العنصر الأمني أجندة حماس الراهنة، إذ تجهد الحركة من خلال جهازها العسكري والقوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية في بسط الأمن والاستقرار في عموم قطاع غزة، والقضاء على كافة أشكال الانفلات الأمني الذي قض مضاجع مواطني القطاع الأعوام الأخيرة.

ورغم الإنجازات الواضحة التي حققتها حماس على المستوى الأمني والميداني فإن محاولاتها الدؤوبة لتحقيق اختراقات مهمة في المجالات الأخرى لم يكتب لها النجاح، وبقيت تراوح في إطار مطاط بين النجاح النسبي والفشل الذي تشترك في إنتاجه عناصر ذاتية وموضوعية على السواء.

ثالثة تلك المقومات تتكز على قناعة حماس المطلقة باستحالة استمرار القطيعة إلى الأبد، وثقتها الكاملة بعودة فتح إلى طاولة الحوار الوطني ولو بعد حين انطلاقا من رؤيتها القائمة على حتمية فشل كافة تجليات الحراك السياسي الذي تدفع باتجاهه الإدارة الأميركية، وآخرها عزمها على تنظيم مؤتمر دولي للنظر في سبل حل القضية الفلسطينية الخريف المقبل.

وتستند حماس في تحليلها إلى أن البضاعة الإسرائيلية التي ستعرض في بازار التسوية الأميركي لن تكون مقبولة لدى الرئيس أبو مازن وسلطته بحال، وأن المؤتمر سيكون أشبه بحملة دعائية أميركية في إطار العلاقات العامة، مما سيحرج أبو مازن وحركته أمام الرأي العام الفلسطيني نهاية المطاف ويرده إلى جادة الحوار من جديد.

"
لم تقتصر القطيعة بين الطرفين على البعد السياسي والأمني فحسب بل أخذت أبعادا اجتماعية خطيرة وسادت فيها مظاهر وسلوكيات ونزعات عائلية تعبر عن شرخ اجتماعي متفاقم وسط غياب كامل لأية محاولة حقيقية للملمة الجراح
"

أسباب التشاؤم والاستعصاء
تبدو دواعي التشاؤم والاستعصاء مهيمنة على مبررات التفاؤل والانفراج استحضارا للأسباب التالية:

أولا، الضغط الأميركي والإسرائيلي: فقد بات واضحا حجم الضغوط الهائلة التي تصب على رأس أبو مازن إسرائيليا وأميركيا لحجزه عن أية محاولة للحوار أو الالتقاء مجددا مع حماس، وهي تقرن تطور علاقتها معه سياسيا وماليا بمدى ابتعاده عن حماس ومعاداته لها مما يرهن قرار أبو مازن للأجندة الإسرائيلية والأميركية إلى حد كبير.

ثانيا، الإجراءات الإدارية: فما اتخذه ويتخذه أبو مازن وحكومته يوميا من مراسيم وقرارات وإجراءات إدارية بدءا بالمراسيم المنقلبة على القانون الأساسي الفلسطيني "الدستور المؤقت" والمتجاوزة لدور المجلس التشريعي، والمراسيم التي تنكر المقاومة وتخرج فصائلها عن القانون وتتوعدهم بالعقاب مرورا بالقرارات الهادفة إلى شلّ وتعطيل المؤسسات الحكومية في غزة، والتحريض على العصيان الوظيفي والمدني وصولا إلى محاربة 31 ألف موظف فلسطيني في أرزاقهم وحرمانهم من رواتبهم وفصل الآلاف منهم تحت طائلة مخالفة الشرعية، كل ذلك وغيره يرسخ الأحقاد ويعمق الانفصال ويجعل بين الفلسطينيين وطاولة الحوار مفاوز بعيدة.

على الضفة الأخرى امتشقت حماس العديد من ردات الفعل على مراسيم وقرارات وإجراءات أبو مازن وحكومته، ولجأت إلى بعض التغييرات والخطوات الإدارية في الأجهزة والوزارات والمؤسسات في إطار من الندية الكاملة والتحدي الكبير، مما يؤكد نيتها فرض أمر واقع جديد لن يسهم في تقريب وجهات النظر المتناقضة بين الطرفين.

ثالثا، الخطاب الإعلامي المتفجر: شكل الإعلام الحزبي الذي يتوزع على فضائيات وصحف ومواقع إلكترونية مختلفة الصاعق الأكبر لتفجير المناخات الوطنية إبان الأشهر الأخيرة، وبثّ جرعات ضخمة من التوتير والاستعداء في ثنايا العلاقات المتبادلة بين فتح وحماس، وما زال يمارس دورا مسموما خطيرا ومتصاعدا في تعطيل عجلة الوفاق الوطني دون أي رادع وطني أو قيمي.

وما يثير القلق هو أن مفردات اللغة الإعلامية الحزبية قد ارتكست إلى درجة مخيفة، وأضحت مستودعا للأكاذيب والأباطيل وأداة لبث الفتنة العمياء القائمة على التشويه والتشهير بعيدا عن أي معيار مهني أو موضوعي أو وطني، حتى بلغ الأمر حد توظيف وسائل غير أخلاقية ولا وطنية ذات تبعات اجتماعية خطيرة في مضمار هذه الحرب غير النظيفة.

رابعا، سطوة المستشارين: فالواضح أن البطانة الرئاسية التي تحيط بالرئيس عباس ذات أثر فاعل في القرار والسلوك الرئاسي، بل يمكن القول إنها تشكل "مطبخ" القرارات والمراسيم والإجراءات التي يتخذها عباس.

ولا يتوقع أن يخطو عباس خطوة إيجابية نحو الوفاق قريبا في ظل هيمنة مستشاريه ذوي الآراء المتشددة.

خامسا، الاعتداءات والإجراءات الأمنية: فالضفة الغربية التي تحكمها فتح شهدت ملاحقات واعتداءات واسعة ضد عناصر وقيادات حماس، وإغلاقا وتخريبا وتدميرا لمؤسساتها أوجب إخراج جناحها العسكري عن القانون.

أما غزة التي تحكمها حماس فقد شهدت بعض المعالجات الأمنية الخاطئة التي تتعلق بعشوائية الاستدعاءات والاعتقالات لعناصر الأجهزة الأمنية، وبعض السلوكيات الأخرى التي لم تنضبط مع المعايير القانونية السليمة.

كل ذلك يفرض الوقائع على الأرض، ويزيد من عمق الاحتقان المتبادل وحالة عدم الثقة، ويطيل من أمد الأزمة بين الطرفين.

سادسا، التحرر من قيد حماس تفاوضيا: لن يجد أبو مازن فرصة مواتية لإنفاذ برنامجه السياسي المعروف إزاء التسوية مع الاحتلال كما هو الحال اليوم، فقد تحرر عمليا من القيود والكوابح التي زرعتها حماس في وجه مسيرته التفاوضية وبات مطلق اليدين في حركته السياسية والتفاوضية.

ولن يكون مأمولا أن يلتفت إلى الشأن الداخلي ومسار الوفاق إلا بعد انفضاض سامر مؤتمر "السلام" الأميركي المزمع عقده الخريف المقبل، والذي سيكون فارقا من حيث نتائجه سلبا أو إيجابا لجهة التماس أبو مازن خيوط الحوار من جديد أو تكريس الانقسام إلى أمد غير معلوم.

سابعا، الشرخ الاجتماعي: لم تقتصر القطيعة بين الطرفين على البعد السياسي والأمني فحسب بل أخذت أبعادا اجتماعية خطيرة، وسادت فيها مظاهر وسلوكيات ونزعات عائلية تعبر عن شرخ اجتماعي متفاقم وسط غياب كامل لأية محاولة حقيقية للملمة الجراح وللعمل على تحقيق المصالحة الوطنية في بعدها الاجتماعي.

"
من الشجاعة الاعتراف بضرورة مفاتحة حماس بعرض مبادرة وطنية لرأب الصدع وجسر الانقسام لكونها تتحمل مسؤولية خطوة الحسم العسكري نهاية المطاف، بموازاة مرونة كافية يجب أن تبديها فتح ورئاسة السلطة لقبول المبادرة
"
أسس الحل وأرضية الوفاق
من الشجاعة الاعتراف بأن الأزمة الفلسطينية الداخلية قطعت شوطا بعيدا، وأن هناك مسؤوليات ثقالا على كاهل الجميع وخاصة فتح وحماس، ومن الشجاعة أيضا الاعتراف بضرورة مفاتحة حماس بعرض مبادرة وطنية لرأب الصدع وجسر الانقسام لكونها تتحمل مسؤولية خطوة الحسم العسكري نهاية المطاف، بموازاة مرونة كافية يجب أن تبديها فتح ورئاسة السلطة لقبول مبادرة حماس والتعاطي معها بعيدا عن أية حساسيات خاصة أو أجندات خارجية.

وربما تشكل المبادرة التي يفترض أن تقدمها حماس الأساس المتين للحل الوطني والأرضية الصلبة لإنجاز الوفاق الداخلي:

أولا: تسليم حماس مقرات السلطة في غزة إلى طرف عربي ضامن كمصر مثلا لفترة زمنية محددة على أن يتعهد ويشرف على إعادة صياغة وتشكيل المؤسسة الأمنية الفلسطينية، وبناء العقيدة الأمنية للأجهزة الأمنية على أسس مهنية سليمة.

ثانيا: الشروع في حوار جدي يشمل كافة الفصائل الفلسطينية لإرساء قواعد وطنية تصون وحدة الشعب والوطن، وتتناول حسم كافة الملفات الشائكة وخاصة الملف الأمني الذي شكل صاعق التفجير للأزمة الفلسطينية الراهنة، وذلك على أساس اتفاق القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني واتفاق مكة، والعمل على تشكيل لجنة وطنية عامة تتولى الإشراف التفصيلي على إعادة صياغة الأجهزة الأمنية على أساس مهني ووطني.

ثالثا: الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية من المستقلين تتولى الوظيفة الإدارية للشأن الوطني الفلسطيني على أن يعقبها توافق وطني بشأن إجراء انتخابات عامة مبكرة رئاسية وتشريعية بعد عام من تشكيلها، بغية حسم ازدواجية البرنامج السياسي بين حماس وفتح على الساحة الفلسطينية شرط توفر ضمانات كاملة وحقيقية لنزاهتها.

رابعا: تفعيل ملف الشراكة السياسية الحقيقية والمباشرة بخطوات ملموسة لانخراط حماس في منظمة التحرير والعمل على إعادة تفعيلها، وإجراء انتخابات عامة للمجلس الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج في ذات توقيت إجراء الرئاسية والتشريعية.

خامسا: تراجع أبو مازن عن كافة المراسيم والقرارات والإجراءات التي اتخذها وحكومته عقب الحسم العسكري في غزة.

خلاصة
ليس صعبا الاستنتاج بأن نداءات الوفاق لن تجد صدى إيجابيا في آذان أصحاب القرار الفلسطيني على المدى القريب وربما المتوسط، وأن وقتا طويلا نسبيا قد يمر قبل أن يدرك الجميع استحالة تقبل الوضع الراهن بأزماته الخطيرة وتداعياته الأليمة، وحتمية العودة إلى طاولة الحوار وأجندة الوحدة والوفاق من جديد.

المصدر : الجزيرة