محمد مورو

- المقاومة إفراز ثقافي
- تجارب التاريخ
- ضعف الحكومات وأثره على المقاومة
- تجربة حزب الله

إذا تتبعنا حركات المقاومة العربية والإسلامية في التاريخ المعاصر نكتشف حقيقة واضحة للعيان, هي أن الحكومات والدول والجيوش النظامية فشلت دائما في مواجهة الغزو الخارجي في حين نجحت المقاومة الشعبية في ظروف معينة.

وهذه الظروف تحديدا هي ما ينبغي معرفته ودراسته حتى ننجح في مواجهة التحدي الذي نعاني منه منذ قرنين على الأقل بصورة مستمرة.

"
السبب في فشل الجيوش النظامية والحكومات والدول ونجاح المقاومة الشعبية في ظروف معينة، هو أن المقاومة الشعبية ذات طبيعة خاصة، وذات ثقافة إسلامية، لن تتحرك هذه الأمة والجماهير إلا من خلالها
"
المقاومة إفراز ثقافي
والسبب في فشل الجيوش النظامية والحكومات والدول ونجاح المقاومة الشعبية في ظروف معينة، هو أولا أن المقاومة الشعبية ذات طبيعة خاصة، وأنها ثانياً ذات ثقافة معينة وهي الثقافة الإسلامية، ومن ثم فإن هذه الأمة والجماهير لن تتحرك إلا من خلال الوجدان الإسلامي.

وبما أن الحكومات والدول والجيوش لم تكن تنطلق في عملية المواجهة من خلال المنظومة الإسلامية بسبب قيام أنظمة حكم ودول تتبنى مرجعيات أخرى مخالفة أو ليست نقية تماما بالنسبة لهذا الوجدان الإسلامي، فإن الفشل هنا بديهي، إذ كيف نواجه منظومة حضارية تغزونا بجيوشها وبثقافتها وحضارتها بقيم وثقافات ومرجعيات مستمدة من نفس الأرضية الحضارية المعادية أو لا تخالفها تماما، مع علمنا بأن أي قدر من الميوعة وعدم الحسم في رفض المنظومة المعادية يعني مباشرة أننا نسجل هزيمتنا قبل أن تبدأ المعركة.

ولكن هذا بالطبع لا يكفي لتفسير الظاهرة، ولا بد من البحث عن أسباب أخرى لظاهرة نجاح عمليات المقاومة في ظروف معينة وفشل الحكومات والجيوش في مواجهة الغزو الأجنبي.

تجارب التاريخ
لدينا العديد من التجارب الناجحة في حركات المقاومة الشعبية، منها المقاومة المصرية ضد الحملتين الفرنسية بين 1798 و1801م والإنجليزية "حملة فريزر" 1807م، مع ملاحظة أنه على حين قاومت كل قرية ومدينة في مصر بما فيها القاهرة ضد الحملة الفرنسية من 1798 إلى 1801م، وكذا قاومت القوى الشعبية حملة فريزر بعد فشل المماليك في مواجهة الفرنسيين عام 1798 وهزيمتهم في معركة إمبابه، وغياب الحكومة (حكومة محمد علي) عن عملية المواجهة ضد حملة فريزر 1807 لأنه كان بالصعيد مع جيشه يطارد فلول المماليك المعارضين لحكمه، ولذا فعندما دخل الجيش الإنجليزي القاهرة عام 1882م لم تطلق عليه رصاصة واحدة بعد هزيمة جيش العرابيين في التل الكبير!

وهناك أيضا تجربة المقاومة الشعبية في الجزائر وتونس والمغرب وفلسطين وسوريا والشيشان وإندونيسيا وغيرها، وهناك المقاومة الشعبية المصرية في السويس بقيادة الشيخ حافظ سلامة سنة 1973م وكذا المقاومة الشعبية في لبنان (حزب الله) وتحقيقه انتصارين كبيرين على إسرائيل عامي 2000 و2006 وهناك حركات المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد وغيرها).

ضعف الحكومات وأثره علي المقاومة
وإذا درسنا البنية الاجتماعية التي أدت إلى ظهور ونجاح تلك الحركات نجدها تتلخص في عامل رئيسي هو ضعف الحكومات ووجود بنية اجتماعية أصلية أقوى من الدولة، مع وجود عوامل أخرى طبعا، ولعل العامل الرئيسي هنا هو موضوع بحثنا.

عندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر كانت هناك بنية سياسية واجتماعية واقتصادية معينة، كان هناك السلطان على رأس دولة الخلافة العثمانية، بينما الوالي يحكم عن طريق الديوان والمماليك.

ولكن هؤلاء جميعا كانوا في القلعة يديرون الأمور السياسية والعسكرية وجمع الضرائب، وفي المقابل كان هناك الأزهر وعلماؤه الكبار والمتوسطون والصغار، وهؤلاء كانوا يديرون الحياة الاجتماعية في المدن والقرى وفي كل مكان، وكان هناك ارتباط عضوي بينهم وبين الجماهير.

وكان الأزهر مستقلا في أموره الاقتصادية عن الدولة ومن ثم كان حرا في قراره ولم يكن مسلوب الإرادة تجاه السلطة، وكان هناك نظام الأوقاف الذي يديره العلماء والأهالي. ويمكن أن نقول إنه كانت هناك ميزانية مستقلة.

ومن ناحية ثانية كانت هناك الطوائف والحرف، ولكل حرفة شيخ أي نقابة ورئيس نقابة، نقابة العطارين والنحاسين والحدادين والنجارين، بل هناك طائفة الأشراف ونقيب الأشراف وكل هؤلاء يديرون أعمال الأهالي بصورة مستقلة أو فيها قدر كبير من الاستقلال عن الحكومة.

وكان هناك نمط من الاقتصاد شديد الاستقلال، فهناك الزراعة وهناك الحرف المرتبطة بالخامات المحلية والخبرات المحلية والاستهلاك المحلي، كصناعة الفخار والحصد والجريد والأخشاب.. إلخ

"
النجاح الجزئي في حرب رمضان لم يكن يرجع إلى قوة الدولة أو الجيش، ولا إلى القوة العسكرية المصرية، بل إلى نوع من الروح الإسلامية التي سمحت بها حكومة السادات في ذلك الوقت في إطار صراعها مع الناصريين والشيوعيين

 "

ومن ثم فإن سقوط حكومة المماليك بعد معركة إمبابه سنة 1798 لم يكن ليؤدي إلى انهيار المجتمع، لأن المجتمع كان أقوى من الحكومة ويستطيع أن يعيش معها أو بدونها، ومن ثم استمرت المقاومة الشعبية في مصر ضد الوجود الفرنسي، وشارك فيها كل الناس بقيادة علماء الأزهر.

نفس الأمر حدث عام 1807 حين كان محمد علي غائبا في الصعيد يطارد المماليك وقامت القوى الشعبية بتجهيز المقاومة والمتطوعين من الأهالي بقيادة السيد عمر مكرم، إذ ذهبت إلى رشيد والحماد وبمساعدة أهالي رشيد والحماد تم دحر حملة فريزر.

وفي عام 1881 اندلعت الثورة العرابية بفضل جهود كبيرة قام بها علماء الدين وخاصة عبد الله النديم، ورغم أنها كانت ثورة شعبية فإنها تحولت إلى ثورة حكومية برئاسة محمود سامي البارودي.

وكان عرابي وزيرا للحربية وقائدا للجيش، وبديهي أن معركة بين قوتين عسكريتين منظمتين، يكون الفوز فيها لصاحب الإمكانيات العسكرية الكبرى، ولأننا منذ عدة قرون أضعف من عدونا عسكريا وتكنولوجيا فإن استخدام الجيش والدولة في المواجهة يؤدي إلى نتيجة حتمية هي الهزيمة.

وقد حدث هذا دائما وآخر ما حدث منه كان مع جيش صدام حسين رغم كونه جيشا قويا يتمتع بقيادة حازمة، في حين نجحت المقاومة العراقية في تعطيل المشروع الأميركي وتكاد تنزل الهزيمة بالجيش الأميركي.

والذي حدث أنه بعد هزيمة الجيش المصري بقيادة عرابي في معركة التل الكبير عام 1882 تحركت القوات الإنجليزية إلى القاهرة ولم تحدث مقاومة شعبية كما حدث في مواجهة الحملتين الإنجليزية والفرنسية سابقا.

وهذا يرجع إلى أن محمد علي كان قد نجح في ضرب البنية الاجتماعية المتميزة التي تفرز المقاومة، وكان قد نجح في إقامة دولة عظيمة جدا وقوية جدا، بجيش كبير وأسطول ضخم وصناعات حربية وإستراتيجية، ولا بأس في كل ذلك ولكنه كان على حساب البنية الاجتماعية الأهلية المستقلة.

ولما انهزم مشروع محمد علي عام 1840، وما كان له إلا أن ينهزم لأن الدولة الغربية ستظل الأقوى عسكريا مهما فعل محمد علي ومن ثم سقط المشروع وضعف المجتمع، فلما جاءت القوات البريطانية عام 1882 لم يكن هناك مجتمع قادر على إفراز مقاومة قادرة على هزيمة الغزو.

وبدأت الحركة الوطنية المصرية تعيد بناء نفسها بقياده مصطفى كامل وتحاول ترميم المجتمع بإنشاء النقابات والتعاونيات (عمر لطفي رائد النقابات والتعاونيات) في بداية القرن العشرين، إلا أن ما تم ترميمه من المجتمع لم يسمح إلا بقدر يسير من النضال السياسي، ثم اندلعت ثورة 1919 التي فجرها الحزب الوطني وسرقها سعد زغلول والوفد.

وفي عام 1973 نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحرير جزء من سيناء، ولم يكن ذلك راجعا إلى القوة العسكرية المصرية بل إلى نوع من الروح الإسلامية التي سمحت بها حكومة السادات في ذلك الوقت في إطار صراعها مع الناصريين والشيوعيين، وكذلك إلى استخدام نمط الإنسان في مواجهة التكنولوجيا، كرد المشاة بسلاح مضاد للدبابات (نموذج عبد العاطي).

أي أن هذا النجاح الجزئي في حرب رمضان لم يكن يرجع إلى قوة الدولة أو الجيش، المهم أنه بعد عدة أيام من هذا النجاح قامت القوات الصهيونية بإحداث ثغرة في النقطة المفصلية بين الجيشين الثاني والثالث، هي ثغرة الدفر سوار، وتسللت منها إلى غرب قناة السويس واتجهت جنوبا إلى مدينة السويس بغية احتلالها.

ولو حدث هذا لا قدر الله لكان معناه إكمال حصار الجيش الثالث، والوصول أيضا إلى طريق السويس القاهرة، ليشكل مسدسا مصوبا إلى القاهرة.

وقد صدرت الأوامر بالفعل لمحافظ المدينة بتسليمها لأن الأوضاع العسكرية والتموينية حسب تقدير القيادة لم تكن تسمح بالصمود، ولكن المقاومة الشعبية اندلعت فورا بقياده الشيخ حافظ سلامة، وتم اعتبار مسجد الشهداء مركزا للقيادة، وتوجه متطوعون إلى مداخل السويس وحدثت عملية مقاومة رائعة انتهت بمنع الإسرائيليين من دخول المدينة.

"
حزب الله نشأ في ظروف غير مواتية إقليميا ودوليا، ولكن ضعف الدولة اللبنانية الشديد بعد الخروج من الحرب الأهلية، سمح له بالعمل خاصة أنه لقي بنية اجتماعية مواتية في بعض المناطق
"
وقد اعترف العدو والصديق بأهمية ذلك الدور الذي لعبته المقاومة الشعبية في السويس، وبأنه لولا تلك المقاومة لتغيرت نتيجة حرب رمضان 1973.

ما الذي جعل هذه المقاومة تأخذ القرار؟ وما الذي أعطى الشجاعة للشيخ حافظ سلامة بالتصدي لهذه المسؤولية الضخمة على عكس إرادة القيادة السياسية؟!

ذلك يرجع في رأيي إلى أن الفترة الواقعة بين 1971 و1973 تم فيها نوع من تقوية المجتمع والسماح بالتعبير عن الوجدان الإسلامي، وإعادة الاعتبار لعلماء الإسلام، وإحساس الناس بأن الدولة لم تعد مرعبة، وأنه من الممكن عمل مقاومة رغم أنفها.

وقبل ذلك كان قد سمح للجمعيات الأهلية بالعمل ومنها جمعية الهداية الإسلامية التي كان يقودها الشيخ حافظ سلامة، وكانت تقوم بعمل اجتماعي كبير في مدينة السويس، مما أدى إلى تقوية ارتباطها بالجماهير.

وكذلك كانت تقوم بتنظيم قوافل من علماء الأزهر قبل الحرب إلى كل الوحدات العسكرية المصرية لرفع الروح المعنوية للجنود، وتأكيد القيم الإسلامية والوجدان الإسلامي ولأن الدولة كانت ضعيفة أو غير متغولة فإنها لم تجد صعوبة في العمل.

تجربة حزب الله
إذا جئنا إلى حزب الله أو المقاومة اللبنانية مع أخذ عوامل أخرى في الاعتبار مثل وقوف دولة إيران وراء الحزب، وإن كان لا يكفي لتحقيق انتصارين كبيرين على أقوى جيش في المنطقة بل إنه يعد من أقوى جيوش العالم وهو الجيش الإسرائيلي.

إذا جئنا إلى هذا النموذج نجد أن الحزب نشأ في ظروف غير مواتية إقليميا ودوليا، ولكن كان هناك ضعف شديد في الدولة اللبنانية في بداية الثمانينيات بعد الخروج من الحرب الأهلية، مما سمح للحزب بالعمل، وكذا الضعف التقليدي لأي حكومة لبنانية فيما بعد بسبب التوازن الطائفي.

ومن ناحية أخرى فإن البنية الثقافية والدينية والاجتماعية في جنوب لبنان وبعلبك والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الغربي تسمح بأن يظل الحزب أقوى من الدولة، أي أن المجتمع الحاضن للمقاومة هنا أقوى من جهاز الدولة.

ومن ثم فإن تحقق هذا الشرط، شرط البنية الاجتماعية المواتية كان هو العامل الأساسي في تحقيق انتصارين كبيرين عامي 2000 و2006 مع عدم تجاهل عوامل أخرى بالطبع بالنسبة لتجربة حزب الله تحديدا.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة