نواف الزرو

- رؤى جديدة للنظريات العسكرية
- تغيير المفاهيم العسكرية
- خطة هايتيك إسرائيلية
- الخلاصة المكثفة

دخلت المؤسسة السياسية العسكرية الأمنية الإعلامية والأكاديمية البحثية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الحرب على لبنان، وفي أعقاب الهزيمة الشاملة التي منيت بها "دولة إسرائيل العظمى" المدججة بأكبر وأعظم قوة، ورابع جيش في العالم، دخلت في حركة دوار داخلي صعبة قاسية.

إذ أخذ الجدل هناك يتصاعد على كل المستويات وأخذت لجان التحقيق المتعددة تتشكل للتحقيق في إخفاقات وتقصير المشرفين على الحرب إلى درجة أن الجيش الإسرائيلي أعلن مثلا عن تشكيل خمسين لجنة تحقيق داخلية تضم مئات الجنرالات للتحقيق في عوامل الهزيمة الحارقة كما وصفها الخبير العسكري زئيف شيف في إحدى مقالاته.

ولعل من أهم وأخطر تداعيات الهزيمة تلك التداعيات المتعلقة بالبنية الثقافية والنظرية العقدية للجيش الذي كان لا يهزم في ثقافتهم ومعتقداتهم.

فقد حطمت وأسقطت نتائج الحرب من ضمن ما حطمت وأسقطت جملة من النظريات والمفاهيم الحربية القتالية التي درج ذلك الجيش على تبنيها وتطبيقها على مختلف الجبهات العربية بمنتهى الغرور والبلطجة العسكرية الإجرامية على مدى العقود الماضية.

وعليه فإن جملة كبيرة من الأسئلة والتساؤلات الإستراتيجية المتعلقة بذلك الجيش ونظرياته الحربية القتالية وغيرها تطرح نفسها بقوة متصاعدة من يوم ليوم.

فما الذي حدث للعقيدة العسكرية الحربية الإسرائيلية المتعجرفة إذن في هذه الحرب العدوانية على لبنان وحزب الله، وما الذي حدث مع كل تلك المفاهيم والنظريات الحربية التي كرست وجود الدولة العبرية وحافظت عليه على مدى العقود الماضية؟

وأين النوع التسليحي الإسرائيلي وأين التكنولوجيا الحربية الإسرائيلية الأميركية المتفوقة في هذه المواجهة الحربية مع حزب الله، وأين الردع الإسرائيلي وما الذي جرى له؟

وماذا فعلت المساندة التي قدمتها الدولة الأميركية العظمى لإسرائيل في هذه الحرب، وهل أنقذتها من الهزيمة، ثم أين سلاح الجو الإسرائيلي الضارب الساحق الذي نجح في هزيمة الجيوش العربية في ساعات معدودة؟

لماذا فشل فشلا ماحقا في التفوق على أساليب حزب الله القتالية، ولماذا لم ينجح في تدمير بنيته التحية ومخزونه من الصواريخ العابرة للحدود الإسرائيلية، وأين الوحدات المظلية والإنزالية والمدرعة النخبوية المتميزة في الحرب، وما الذي جرى لها؟

والسؤال الكبير الشامل: أين الجيش الإسرائيلي الرابع في العالم الذي لا يهزم ولا يقهر؟

"
ثورة جوهرية تجري في الجيش الإسرائيلي بالنسبة للمخطط الهيكلي للحرب القادمة، كما يجري البحث في تطوير ومتابعة حقيقة النظرية العسكرية لإسرائيل
"
رؤى جديدة للنظريات العسكرية
في ضوء جملة من الحقائق الكبيرة المقلقة، وفي أعقاب الهزيمة أمام حزب الله، عكفت إسرائيل بكافة مؤسساتها العسكرية الأمنية الاستخبارية السياسية الأكاديمية البحثية على تقييم وتقويم مجريات الحرب وعوامل الهزيمة والقصور.

كما عكفت على استنتاج العبر والدروس اللازمة على مستوى إعادة دراسة النظريات والمفاهيم والمرتكزات والرؤى الحربية الإسرائيلية المعتمدة حتى الحرب الأخيرة والعمل على إعادة صياغتها من جديد، إضافة إلى العمل على تطويرها وتطوير الأدوات الحربية اللازمة معها.

وفي هذا الإطار الحربي التحديثي كانت الحكومة الإسرائيلية قد اتخذت قرارا مبكرا بتكليف دان مريدور بتشكيل لجنة تحت رئاسته بهدف تغيير النظريات العسكرية الحربية التي لم تتغير منذ عهد بن غوريون.

وقد بلورت اللجنة المريدورية مفهوما جديدا للأمن الإسرائيلي استنادا إلى المرتكزات التالية:
1- أن تهديد الحرب التقليدية من قبل العرب لم يعد يشكل التهديد المركزي لإسرائيل.
2- أنه يجب توظيف طاقات أكبر في مواجهة التهديد النووي الإيراني.
3- أن أساليب الردع القديمة لم تعد عملية في مواجهة مقاتلي العصابات.
4- أن هناك ضرورة للتزود بالمزيد من الطائرات بدون طيار من أجل حماية أجهزة الحواسيب الوطنية.

وفي حين أشار الخبير الإستراتيجي زئيف شيف إلى "أن ثورة جوهرية تجري في الجيش الإسرائيلي بالنسبة للمخطط الهيكلي للحرب القادمة"، تحدث الكاتب عوفر شيلح عن "أن تقرير مريدور تحدث عما لا يقل عن 14 اتجاها ومرفقا للتعاظم المستقبلي للجيش الإسرائيلي"، إذ بحث في تطوير ومتابعة حقيقة النظرية العسكرية لإسرائيل، كما بحثت اللجنة كل شيء من الطائرات بدون طيار إلى القدرات الاستخبارية.

وعلى نحو متكامل كتب إسحق بن إسرائيل في صحيفة يديعوت يقول "انقضى فصل الحرب وتوجد حاجة إلى البدء بالعمل لإعادة بناء الجيش".

وفي هذه المضامين والأبعاد أيضا تساءل المحلل والمعلق العسكري الإسرائيلي رؤوبن بدهتسور في هآرتس "هل يجب أن تتغير النظرية القتالية للجيش الإسرائيلي وبنية الجيش المشتقة منها كواحد من دروس الحرب في لبنان؟"

ويستحضر بدهتسور هنا مرتكزات العقيدة العسكرية الإسرائيلية في العقود الماضية قائلا "تذكر هذه الفترة بقدر كبير بالتصور الذي صيغ في الجيش الإسرائيلي بين 1967 و1973، حين اعتقدت القيادة الرفيعة آنذاك أن سلاح الجو الذي استطاع أن يخضع الجيوش العربية في ابتداء حرب يونيو/ حزيران 1967، سيستطيع أن يرد وحده تقريبا على كل تهديد جديد، ولكن النتيجة كانت غير ذلك حينما تم النظر بعجرفة إلى قدرة العدو العسكرية على أنها غير جدية".

ويرى هذا الكاتب أنه يجب على الجيش الإسرائيلي أن يفحص إمكانات مواجهة الصواريخ وصواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى، منبها إلى أنه ليس من الواضح ما إذا كان نظام "نيئوتيلوس" يستطيع الرد على المشكلة، مع أنه تجب العودة إلى فحص إمكانية إكمال تطويره.

ويقول إن سلاح الجو يجب أن يستمر في تطوير طرائق "صيد" منصات إطلاق الكاتيوشا، مع العلم بأنه قد يكون من غير الممكن مواجهة هذا التهديد من الجو، مضيفا أن هذه أفكار أولية، وأنه على الجيش الإسرائيلي أن يصرف الأشهر القريبة إلى مناقشات عميقة صائبة لدروس حرب لبنان ولتطوير نظرية قتالية جديدة".

تغيير المفاهيم العسكرية
في هذا الصدد أيضا اعتبر نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في مقالة نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية "أن على إسرائيل استخلاص الدروس من الحرب في لبنان وإعادة النظر في مقاربتها للمسائل العسكرية".

وقال بيريز "اختبرنا في لبنان شكلا جديدا من أشكال القتال"، مؤكدا أن على إسرائيل التركيز على التكنولوجيا الجديدة خاصة الإنسان الآلي المسير عن بعد الذي يعمل في ساحة المعركة, مع الاحتفاظ بقواتها الدفاعية التقليدية لمواجهة أي هجوم محتمل من جيش كلاسيكي.

ويبشر بيريز الإسرائيليين ويهود العالم بتطوير منظومة جديدة من الأسلحة الرادعة، مؤكدا أنه منذ اليوم يمكن القول إن في إسرائيل مجموعة من العلماء الممتازين القادرين على إنشاء منظومة أسلحة ووسائل دفاعية حديثة وجديدة "نانو تكنولوجي"، ما يمكن الجيش من الإصابة الفردية للعدو، وتوفير حماية شخصية لمن يدافع عن نفسه.

"
جهاز الشاباك يبحث عن أشخاص يقومون بتطوير برامج ممن لهم باع طويل في التجارب السابقة في العمل في أجهزة مماثلة له، وبتطوير برامج خاصة بالمراسلات الإلكترونية
"
وتبعا لما أشار إليه بيريز من تطوير أسلحة النانو تكنولوجي، فإن المؤسسة الحربية العسكرية الأمنية الإسرائيلية باشرت عمليا بتوظيف أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، واكتشفت أن في التكنولوجيا الصغرية (NANO TECHNOLOGY) الأداة المناسبة والرد الأنجع على تحديات أسلوب حزب الله القتالي.

وفي هذه الموضوع نشرت صحيفة معاريف تقريرا كاملا حول حرب "نانو تكنولوجي أو حرب الأنتربرايز" كما وصفتها.

فتحدثت على سبيل المثال عن تطوير تكنولوجيا تمكن من إخفاء الجنود والدبابات والطائرات، وعن سلاح "هايتيك" يمكن من كشف المسلحين وتفجيرهم بكبسة زر.

وكشفت عن روبوت شخصي يتبع الجنود ويجر وراءه الذخيرة والتموين، وكذلك عن غلاف دفاعي يشمل مواقع كاملة ويزودها بالرد المناسب الأوتوماتيكي في مواجهة أي تهديد، إضافة إلى عاكس يبين للجنود ما يجري خلف الجدران من الجانب الآخر.

في هذا السياق التطويري الحربي البديل أيضا أكدت صحيفة جيروزلم بوست أن وزارة الحرب الصهيونية طلبت من شركة لوكهيد مارتن الأميركية للصناعات العسكرية إجراء الاختبارات والتعديلات اللازمة على مدفع "سكاي شيلد/درع السماء" للدفاع الجوي لاعتراض صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى التي تعتقد أن حزب الله ما زال يمتلك منها ترسانة تقدر بعشرة آلاف صاروخ.

ويشار إلى أن نظام "درع السماء" من تصميم شركة "أويرليكون كونترافيس" السويسرية وتتولى "لوكهيد مارتن" إنتاجه، وقد جرى اختباره في يوليو/ تموز من العام 2004 في حقل الرماية العائد للجيش الأميركي في تشاينا لايك بكاليفورنيا وأثبت نجاحه.

خطة هايتيك إسرائيلية
وعلى نحو مكمل كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية الثلاثاء 5/9/2006 -عن خطة جديدة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي تقضي بتجنيد عناصر من رجال التكنولوجيا "الهايتيك" المؤهلين وذوي التجربة لتطوير برامج جديدة.

وأوضح المسؤول الإسرائيلي أن جهاز الشاباك يبحث عن أشخاص يقومون بتطوير برامج ممن لهم باع طويل في التجارب السابقة في العمل بأجهزة مماثلة، وبتطوير برامج خاصة بالمراسلات الإلكترونية.

وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت أيضا إنه ابتداء من تاريخه فإن خريجي الوحدات التكنولوجية في الجيش الإسرائيلي سيتلقون رسائل شخصية من رئيس جهاز "الشاباك"، يوفال ديسكن، يطلب فيها منهم الانضمام إلى "التحديات التكنولوجية والعملية لجهاز الأمن العام".

وتحت عنوان "تكنولوجيا تحت النار" كتب أرييه أغوزي في يديعوت أحرونوت يتساءل ما الذي جرى لأجهزتنا الدفاعية؟ مشيرا إلى أن هجوم الصواريخ من قبل حزب الله على إسرائيل كان من أضخم عمليات الهجوم التي شنت عبر التاريخ.

ويؤكد أن الثقة العمياء بالقدرات التكنولوجية الإسرائيلية أعمت عيون قادة الجيش في الحرب، وهذا السؤال سيكون بالتأكيد نصب أعين لجان التحقيق أيا كانت.

والمؤكد كما يضيف هو أن عمليات تطوير الهايتيك عملت على مدار الساعة في هذه المعارك، منبها إلى أن هذه الحرب كانت من جهة الجيش الإسرائيلي حرب "المزلطيم" أي الطائرات بدون طيار، إذ استخدم الجيش في الأجواء اللبنانية هذا النوع من الطائرات بصورة مكثفة جدا.

ولكن الكاتب يتناسى الإشارة هنا إلى فشل هذه الطائرات أيضا في إخضاع حزب الله!

"
هل سيغير هذا الانتصار التاريخي والإستراتيجي الذي حققه حزب الله على إسرائيل من إستراتيجيات الجيوش النظامية بشكل عام ومن إستراتيجيات الجيوش العربية على نحو حصري كما أثر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية وأسقط مرتكزاتها الإستراتيجية والتكتيكية
"
الخلاصة المكثفة

إن نتائج هذه الحرب الكارثية إسرائيليا التي لم تأت في كل حساباتهم على الإطلاق من شأنها كما هو واضح أن تعيد كل حسابات إسرائيل وتقييماتها المتعلقة بعقيدتها ونظرياتها الحربية التي اعتمدتها على مدار العقود الماضية.

كما أنه ما من شك في أن هذه الهزيمة الإستراتيجية والتاريخية التي ألحقها حزب الله بذلك الجيش الذي "لا يقهر" في هذه الحرب يوحى للعديد من الباحثين الأكاديميين وللأكاديميات العسكرية في العالم بأن تطرح الأسئلة الإستراتيجية وأن تفتح ملفات العقائد والنظريات الأمنية الكلاسيكية من جديد بجدية متناهية، وأن تبحث بالتالي عن سر هذا الانتصار التاريخي الذي حققه حزب الله في مواجهة رابع جيش في العالم.

فماذا كان يمكن أن يحدث لو أن حزب الله تسلح بصواريخ أخرى ضد الطائرات الإسرائيلية، أو بالطائرات مثلا؟

ونتساءل هل يا ترى سيغير هذا الانتصار التاريخي والإستراتيجي الذي حققه حزب الله على إسرائيل من إستراتيجيات الجيوش النظامية بشكل عام، ومن إستراتيجيات الجيوش العربية على نحو حصري، كما أثر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية وأسقط مرتكزاتها الإستراتيجية والتكتيكية على حد سواء.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة