طلال عتريسي

رفسنجاني بين الداخل والغرب
الشخصيات المنافسة
ما يريده الشعب الإيراني

أخيرا حسم الرئيس رفسنجاني تساؤلات الجميع داخل إيران وخارجها وأعلن ترشيحه للرئاسة بعدما تبين له -وفقا للدراسات والاستطلاعات التي تلقاها- أن الغالبية من الصفوة والشعب تريد منه خوض السباق.

 

وبهذا الترشيح ينوي العودة مجددا إلى موقع الرئاسة الإيرانية الذي شغله ثماني سنوات متواصلة منذ وفاة الإمام الخميني عام 1989 حتى 1997.


وإذا كانت رئاسة رفسنجاني السابقة قد حصلت في ظروف صعبة ومعقدة بعد غياب قائد الثورة وبعد توقف الحرب مع العراق وانتقال إيران إلى ما أطلق عليه رفسنجاني أولوية الإعمار وإعادة البناء، فإن الظروف التي ينوي فيها "الشيخ الرئيس" كما يطلق عليه مؤيدوه، العودة مجددا إلى هذا الموقع التنفيذي في قيادة البلاد، ربما لا تقل صعوبة وتعقيدا عن تلك التي أتى فيها إليه في المرحلة السابقة.

 

رفسنجاني بين الداخل والغرب

"
أهمية الشيخ رفسنجاني وتمايزه عن الآخرين تكمن في أنه لا يخفي ميوله الإصلاحية خاصة في المجالات الاقتصادية، ولا يرفض الحوار مع الغرب أو الانفتاح عليه
"
ما يزيد من أهمية إعلان رفسنجاني عن ترشحه للرئاسة، أنه يأتي على الصعيد الداخلي بعد ثماني سنوات من تجربة الرئيس خاتمي والحركة الإصلاحية في الحكم، والمأزق الذي وصلت إليه هذه الحركة بعد عجزها عن تنفيذ الوعود التي قطعتها للشباب والطلاب الذين وقفوا إلى جانبها.

 

كما أنه يأتي بعد الانقسام الواضح والحاد بين الإصلاحيين والمحافظين، وعلى الصعيد الخارجي في ظل ضغوط وتهديدات أميركية لإيران بعد احتلال العراق، تارة بالعقوبات في مجلس الآمن، وتارة بالتلويح بالضربة العسكرية المباشرة لمنع التهديد النووي الإيراني.

 

ويصعب في ظل المشهد الإيراني الداخلي واستقطاباته الحادة بين الإصلاحيين والمحافظين، تصنيف الشيخ رفسنجاني ببساطة في هذا المعسكر أو ذاك.

 

فهو أول من أطلقت عليه صفة "البراغماتية" داخليا وخارجيا بعدما تحول من شعارات الحرب والثورة، إلى إعادة الإعمار والبناء بعد توقف الحرب مع العراق.

 

وهو الذي فتح أبواب الدعوة إلى عودة الرساميل الإيرانية الموجودة في الخارج، وإلى تحسين العلاقة مع الغرب وقبول الاستثمارات الأجنبية في البلاد.

 

وهو الذي أنشأ ما عرف بحركة "كوادر البناء" انسجاما مع أولوية الإعمار التي وضعها لإيران، وهؤلاء "الكوادر" هم من المثقفين والطبقة الوسطى وموظفي الدولة ومن "التكنوقراط" الذين يدعون إلى الاقتصاد الحر.

 

و"كوادر البناء" حركة إصلاحية تحالفت مع الرئيس خاتمي في انتخابات الرئاسة عام 1997، وهو الذي تعرض إلى حملة قاسية ومنظمة من التيار الإصلاحي في الانتخابات البرلمانية السابقة 2000 جعلته في أسفل قائمة الفائزين، ودفعته إلى الانسحاب.

 

وأهمية الشيخ رفسنجاني وتمايزه عن الآخرين، وربما أمكن القول نقاط قوته أنه لا يخفي ميوله الإصلاحية خاصة في المجالات الاقتصادية، ولا يرفض الحوار مع الغرب أو الانفتاح عليه، ولكنه في الوقت نفسه يحتفظ بخطاب الثورة ضد الولايات المتحدة  إذا كانت لا تريد أن تكف عن تهديد إيران.

 

كما أنه قريب من المرشد، وليس لديه أوهام حول تغيير صلاحياته كما كان يطمح إلى ذلك الإصلاحيون في ولاية خاتمي الأولى، لكنه لا يشعر بتبعيته له، كما يفعل كثيرون في التيار المحافظ.

 

ولديه من قوة الشخصية ومن التجربة والحنكة السياسية ما يجعله بين يمين الحركة الإصلاحية وبين يسار المحافظين.

 

ولعل هذا الموقع الوسطي بعد سنوات الانقسام والاستقطاب الحاد في الداخل الإيراني سيكون في مصلحة ترشيح رفسنجاني للرئاسة، في ظل أكثر من تقدير يقول برغبة الإيرانيين في تغيير هذا الواقع الذي استمر ثماني سنوات متواصلة.

 

الشخصيات المنافسة

"
يدخل رفسنجاني إلى حلبة المنافسة الرئاسية في ظل معادلة غير مريحة، فبعد انتهاء ولاية خاتمي الثانية لم يجد التيار الإصلاحي من يخلف هذه الشخصية التي تركت أثرا محييا في الداخل وتقديرا عاليا في الخارج 
"
يدخل الشيخ رفسنجاني إلى حلبة المنافسة الرئاسية في ظل معادلة غير مريحة بالنسبة إلى الإصلاحيين والمحافظين على حد سواء.

 

فبعد انتهاء ولاية خاتمي الثانية لم يجد التيار الإصلاحي من يخلف هذه الشخصية التي تركت أثرا محييا في الداخل وتقديرا عاليا في الخارج.

 

وليس لدى هذه الحركة أي رصيد على صعيد الإنجازات التي حققتها بالنسبة إلى الشعب، ولهذا السبب حاول الإصلاحيون إقناع مير حسين موسوي رئيس الحكومة الأسبق أثناء الحرب مع العراق، بالترشح للرئاسة وهو ممن عرفوا بميولهم اليسارية وبتواضعهم وقربهم من الناس، إلا أنه رفض.

 

كما أن عطاء الله مهاجراني الشخصية الإصلاحية الأخرى -وهو أصلا من كوادر البناء- ليس بمقدوره الترشح بسبب بعض الملفات الشخصية التي يحتفظ بها القضاء لإبرازها عند الحاجة.

 

ويخوض الإصلاحيون حتى اليوم معركتهم بأكثر من مرشح وليس بمرشح واحد، وهذا حال المحافظين أيضا من وزير التعليم السابق مصطفى معين عضو حزب جبهة المشاركة الإسلامية الإصلاحية، إلى مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى السابق وهو من الاتجاه المعتدل في التيار الإصلاحي الذي يتقاطع مع المحافظين في أكثر من مسألة ثقافية وسياسية.

 

أما غلام حسين كرباستشي الشخصية الشهيرة ورئيس بلدية طهران الأسبق الذي كانت كل التوقعات تتجه نحوه للترشح، فبات خارج الحلبة بعدما أدين بتهمة التلاعب بالمال العام في البلدية لمصلحة المرشحين الإصلاحيين في الانتخابات النيابية عام 2000، وعلى جبهة المحافظين وتيارهم تتعدد أسماء المرشحين.   

 

ومن أمثلة ذلك علي لاريجاني رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون السابق الذي عينه المرشد من ضمن مستشاريه بعدما انتهت ولايته من تلك الهيئة مطلع العام الحالي.

 

كما سبق أن التقت مجموعة من القوى والمنظمات والهيئات الإسلامية التي تنضوي تحت التيار المحافظ، وقدمت لاريجاني مرشحا باسمها إلى الرئاسة الأولى.

 

وقام محسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري والأمين العام الحالي لمجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يرأسه الشيخ رفسنجاني، بالترشح أيضا، ومن المعلوم أن منصب قائد الحرس يتم بالتعيين من جانب مرشد الثورة مباشرة.

ويحاول رضائي أن يقدم نفسه منذ أكثر من سنة بصورة الشخصية المعتدلة التي لا تنتمي إلى هذا التيار أو ذاك، ولا تتعامل مع القضايا المطروحة بطريقة الاستقطاب الحادة التي تشهدها الساحة الإيرانية.

 

كما حاول في مناسبات عدة أن يبرز وجها محاورا في العلاقة مع الغرب، من دون أن يعني ذلك أنه بات خارج التيار المحافظ، بل يمكن القول إنه يسعى إلى موقع وسط بين التيارين.

 

أما علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الأسبق ومستشار المرشد للشؤون الدولية، فكان بدوره من المرشحين المحتملين ممن كان لهم نصيب كبير في الفوز نظرا لخبرته الدولية الواسعة ولقربه من مرشد الثورة، لكن ترشيح رفسنجاني أضعف فرصه وجعله يعزف عن الترشح نهائيا.


ما يريده الشعب الإيراني

"
يرى معظم الإيرانيين أن الشيخ رفسنجاني هو الأقدر على مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية التي يتعرضون لها، حيث إن خبرته السابقة في هذا المجال سوف تساعده كثيرا على إدارة البلاد داخليا وخارجيا
"
يعتبر الإيرانيون أن الظروف التي تمر بها إيران خصوصا على الصعيد الخارجي بعد احتلال العراق وبعد التهديدات الأميركية المباشرة، إلى الضغوط الدولية التي تتعرض لها بسبب ملفها النووي وانعكاس ذلك على أمنها الإقليمي وعلى استقرارها الداخلي، تفرض عليهم اختيار رئيس قوي يستطيع مواجهة التغيرات المحيطة بإيران.

 

رئيس يستطيع التعامل مع الواقع الدولي الجديد، والمحافظة في الوقت نفسه على المصالح القومية التي يلتقي عندها كلا التيارين الإصلاحي والمحافظ، خاصة ما يتعلق بحق إيران في إنتاج الطاقة النووية واستخدامها للأغراض السلمية.

 

ويرى معظم الإيرانيين أن الشيخ رفسنجاني هو الأقدر على مواجهة تلك التهديدات الإقليمية والدولية، حيث إن خبرته السابقة في هذا المجال سوف تساعده كثيرا على إدارة البلاد داخليا وخارجيا، في حين أن المرشحين الآخرين مهما كانت انتماءاتهم أو كفاءتهم فإنهم لا يمتلكون الخبرة الكافية التي تحتاج إليها إيران في هذه الظروف.

 

وهذا يعني أن رفسنجاني هو صاحب الحظ الأوفر في النجاح في انتخابات الرئاسة المقبلة، وما يساعد على هذا الاعتقاد أن ترشيح رفسنجاني نفسه لا يمكن أن يحصل من دون التشاور مع المرشد الذي لن يمانع في عودة هذا الأخير إلى منصب الرئاسة، طالما أنه ليس جزءا من التيار الإصلاحي الذي لم يتوافق مع المرشد وجعل صلاحياته وموقعه محل شك واعتراض.

 

ويعتبر رفسنجاني من الشخصيات القوية في النظام الايراني، وبإمكانه أن يمنح تلك القوة إلى المنصب الذي يشغله، وهو على قدر عال من الجرأة في طرح الأفكار السياسية.

 

فهو على سبيل المثال من كان خلف الاتصالات السرية مع الولايات المتحدة للتزود بقطع الغيار أثناء الحرب مع العراق، وأول من دعا إلى عودة الخبرات الإيرانية التي تعيش في الخارج.

 

وهو من الذين يتحدثون بلغة المصالح، ومن أول الداعين إلى فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية، ولهذا لا يربط العلاقة مع الغرب بالبعد الثقافي كما يفعل كثير من المحافظين.

 

لكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن الهجوم الحاد والعنيف على الغرب عندما يشعر بالضغوط التي تمارس على إيران.

 

ولا عن توجيه الرسائل المباشرة إلى الولايات المتحدة من أجل التعاون في العراق، أو من أجل الحد من التطرف في المنطقة كما يقول رفسنجاني نفسه.

 

ومن المتوقع أن يعلن برنامجه في الأيام القليلة المقبلة، وسيتناول هذا البرنامج على الأرجح القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي أهملها التيار الإصلاحي في الفترة السابقة.

 

وقد قام رفسنجاني في السنوات الماضية بإعداد الدراسات الشاملة حول الأوضاع في إيران، وسوف يستفيد من تلك الدراسات في البرنامج الذي سيعلنه.

 

أما بشأن رؤيته تجاه الولايات المتحدة خصوصا والغرب عموما، فلن تخرج عن البراغماتية التي يشتهر بها الشيخ رفسنجاني.

 

وهو ما يعني أنه سيترك الأبواب مفتوحة من أجل التعاون الإقليمي، ومن أجل التفاوض بشأن برنامج إيران النووي.

 

ويجب ألا ننسى أن رفسنجاني كان المبادر في مطلع التسعينيات إلى تحسين العلاقات مع العرب وفي مقدمتها دول الخليج، لكن ذلك لن يعني أنه لن ينتقل إلى الخطاب المتشدد إذا شعر أن توازنات القوى الداخلية تفرض عليه ذلك أو أن مصالح إيران القومية تتعرض للتهديد.
ــــــــــــــــــ
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة