بقلم: محمد بن المختار الشنقيطي*

يتحدث العديد من رجال السياسة والرأي والإعلام الأميركيين الآن عن "بيرل هاربر" جديدة، وعن "أول حرب في القرن الواحد والعشرين"، وعن "يوم أسود في التاريخ الأميركي" وعن "الكارثة" و"الفاجعة" و"المأساة".. إلخ وكلما تكشَّف عمق الفجيعة واتساع مداها تبين أن كل هذه المصطلحات لا تعبر عن مستوى الصدمة. لذلك سرعان ما تخلى الأميركيون عن مصطلح "بيرل هاربر الجديدة" بعدما تبين أن "بيرل هاربر" ليست بشيء يذكر مقارنة مع عمليات يوم الثلاثاء الماضي.

لغة رقمية

إن بعض الأرقام قد تكون مفيدة، لفهم مثل هذه التصريحات والتعليقات، قبل أن نتأمل مدلول هذه الفاجعة على مستقبل السياسة الأميركية داخليا وخارجيا.

البرجان التوأمان
يتألف مركز التجارة العالمي -الذي استهدفته اثنتان من الطائرات المهاجمة- من عدة مبان أهمها ناطحتا سحاب معروفتان باسم "البرجين التوأمين". ويتألف كل من هذين البرجين من مائة وعشرة طوابق، ويؤويان مكاتب أربعمائة وثلاثين شركة ومؤسسة، ويعمل بهما ما بين خمسين إلى خمسة وخمسين ألف شخص، من ضمنهم ألفان وثمانمائة موظف فدرالي، وعدد أكثر على الأرجح من الموظفين المحليين. ويزور المركز يوميا حوالي المائة ألف شخص.
فليس من الصعب أن يتوقع الإنسان كارثة بشرية، حينما تتحول طائرتان من "نوع بوينغ 767" معبأتان بالوقود إلى قنبلتين هائلتين، ثم تنقضَّان على هذا المبنى.

البنتاغون

خارطة أميركا موضحاً عليها المدن التي تعرضت للهجوم
أما وزارة الدفاع الأميركية المشهورة باسم "البنتاغون" فهي لا تقارن بمبنى التجارة العالمي في الحجم، لكنها ليست مجرد "شقة" على أية حال. فعدد العاملين فيها يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف شخص من العسكريين والمدنيين المتعاقدين مع الجيش الأميركي، بمن فيهم وزير الدفاع ورؤساء الأركان، وقد قدرت بعض المصادر ضحايا الهجوم على وزارة الدفاع الأميركية بثمانمائة شخص، لكن الأرقام شبه الرسمية تشير الآن إلى حوالي مائتين فقط.

ضحايا التفجيرات
وتراوح تقديرات غير رسمية وغير نهائية بشأن الخسائر في الأرواح بمركز التجارة العالمي بين عشرة آلاف وعشرين ألف شخص، وتشير بعض المصادر الإعلامية الأميركية إلى احتمال أن يكون العدد أكبر. ومن القرائن على ذلك أن بلدية نيويورك طلبت من الحكومة المركزية الفدرالية صباح أمس 6000 نعش لجثث القتلى، ثم طلبت 11000 نعش، ثم ظهرت أخبارٌ اليوم
(14/9) بأن البلدية طلبت 30000 نعش.

قتلى من كل العالم
ومن الواضح أن أغلب القتلى من الأميركيين، لكن من بينهم عددا من حملة جنسيات أخرى، منهم – في إحصاءات غير رسمية – حوالي 500 بريطاني، و304 سويسريين، و78 أستراليا، وما بين 100 و 150 مكسيكيا، و102 ياباني، و27 كوريا جنوبيا، و18 صينيا، و4 ألمان .. وآخرون من جنسيات أخرى.
ومن المتوقع أن العديد من الإسرائيليين من بين القتلى أو المفقودين المحسوبين في عداد القتلى. وقد قدرت صحيفة إسرائيلية عدد المفقودين الإسرائيليين في نيويورك بحوالي 4500 مفقودا. ويبدو أن إسرائيل لا تريد الحديث عن قتلاها الآن أو عن قتلى اليهود الأميركيين المتمركزين في نيويورك، لأسباب إعلامية.


الخسائر الاقتصادية

شلل تام لحركة الطيران في أميركا
أما الخسائر الاقتصادية في هذه الهجمات فهي خيالية: إذ يقدر الخبراء الاقتصاديون خسائر الهجمات بعشرين مليار دولار، تضاف إليها الخسائر الناتجة عن تعطل حركة الطيران
(10000 رحلة يوميا) وإغلاق بورصات نيويورك لمدة أسبوع، وهو أمر لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية. ثم عشرون مليار دولار أخرى هي ميزانية الطوارئ التي وافق الكونغرس على صرفها، وعشرات المليارات من الدولارات التي ستحتاجها الإدارة الأميركية لإعادة بناء مركز التجارة العالمي، ووزارة الدفاع الأميركية، وإدخال إجراءات أمنية جديدة على المطارات وحركة الطيران، وتعويض الضحايا، وتغيير إجراءات الهجرة.

فإذا أضفنا إلى ذلك ما سيتطلبه تحسين الأداء في أجهزة الاستخبارات الأميركية، خصوصا في مجال المصادر البشرية –وهو أمر دعا إليه العديد من أعضاء الكونغرس– ثم نفقات أي عمليات عسكرية متوقعة.. فإن الخسائر ستبلغ مئات المليارات من الدولارات بدون ريب.

صدمة نفسية

الرئيس الأميركي جورج بوش
وصدمة لم تكن متوقعة
لكن أثر هذه الهجمات لا يتوقف عند الخسائر المادية، بل إن الجانب النفسي له أهمية كبيرة هنا، فهذه الهجمات أصابت قلب المجتمع الأميركي في العمق، وجرحت الكبرياء الأميركي في الصميم. فلم يكن من السهل على الخيال الأميركي أن يتصور أن وزارة الدفاع –وهي عرين الأسد– ستتعرض لهجوم في وضح النهار، أو أن مركز التجارة العالمي –رمز الطفرة الرأسمالية والليبرالية الاقتصادية– سينهار على من فيه أمام سمع وبصر العالم، وأن رئيس الولايات المتحدة ونائبه سيتم التفريق بينهما لأسباب أمنية (خوفا من قتلهما معا) وأن أعضاء الكونغرس الأميركي سيهربون -أمام عدسات الكاميرات- من مقر الكونغرس خوفا من قنبلة وهمية.. وهي كلها حوادث وقعت في الأيام الثلاثة الماضية.. هذه الأرقام والمعطيات تعين على فهم ردة الفعل الأميركية المرتقبة.

مَن وراء الهجمات؟

منذ اللحظات الأولى للإعلان عن الهجمات، بدأت وسائل الإعلام الأميركية تشير إلى احتمال أن يكون عرب ومسلمون من الشرق الأوسط وآسيا وراء الحادث. ومع ذلك فإن وسائل الإعلام كانت أكثر تحفظا في إطلاق التهم هذه المرة، وهو أمر يرجع أساسا إلى حادث تفجير مبنى البلدية في مدينة "أوكلاهوما سيتي" عام 1995، حيث تكشَّف آنذاك أن وراء الحادث أميركي من اليمين المسيحي، بعد إطلاق تهم ضد العرب والمسلمين ومضايقتهم لعدة أيام. وربما كان من أسباب التحفظ في البدء طبيعة العملية ودقة تخطيطها وتنفيذها، فلم يكن من السهل القبول –من وجهة نظر فنية– أن مختطفين عاديين يستطيعون السيطرة على الطائرات وتوجيهها بدقة متناهية إلى الأهداف. فثارت شكوك عن احتمال أن يكون طيارون أميركيون من اليمين المسيحي هم الذين نفذوا العملية لدوافع دينية. وقد دعا العديد من القادة الأميركيين إلى التحفظ وعدم التسرع في إطلاق التهم، خوفا من تكرار الخطأ الذي وقع عام 1995. ومن أهم هؤلاء رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس، الذي حذر من التعجل في الحكم، ورفض إطلاق التهم يوم الثلاثاء، رغم دفع الصحفيين له وإلحاحهم عليه.
لكن المعلومات بدأت تظهر بعد ذلك شيئا فشيئا، واتضح أن عربا مسلمين من الشرق الأوسط –وربما آخرون من آسيا– هم الذين نفذوا هذه العملية المركبة على الأرجح، فلم تعد المعلومات المستقاة من وسائل الإعلام الأميركية -رغم ما فيها من مغالاة وعدم دقة في بعض التفاصيل- مجرد دعاية، بل أصبحت معلومات مفصلة ومحددة بالاسم والزمان والمكان. وهو أمر مثير للأسى وللقلق في آن واحد، لأسباب نشرحها فيما بعد.

دوافع الهجمات


تعيش المنطقة العربية عموما ظروفا استثنائية تصادر فيها أكثر الحريات والحقوق السياسية والمدنية للإنسان العربي مما يقود إلى وجود رغبة بالانتقام من أميركا التي يراها كثيرون راعية لذلك الواقع
فما هي الدوافع التي تدفع أشخاصا مثل هؤلاء إلى ارتكاب فظائع من هذا النوع، يروح ضحيتها آلاف الأبرياء من كل الأديان والجنسيات والثقافات، ويخلفون وراءهم كل هذا الدمار؟ ليس هناك مسوغات يمكن قبولها من الناحية الأخلاقية لتبرير هذه الأعمال، لكن هناك أسبابا تعين على فهم خلفيات هذه الأحداث ومراميها لدى منفذيها:

أولاً: واقع اجتماعي محتقن يسود فيه الظلم السياسي والاجتماعي، حيث يقبع الآلاف في السجون أعواما مديدة، ويتعرضون للتعذيب والإهانة يوميا. وينظر العديد من ضحايا الاستبداد والعسف السياسي في الدول العربية إلى الولايات المتحدة -وبحق أحيانا- على أنها الحامي والظهير لأنظمة الاستبداد والفساد في المنطقة، والقاعدة الخلفية التي يستمدون منها أسباب البقاء.

ثانيا: نقص الحريات السياسية في البلدان العربية والإسلامية، وانعدام الشرعية السياسية، بفعل عوامل تاريخية واجتماعية وثقافية، لكن أيضا بفعل النفوذ الغربي في المنطقة، وهيمنة الدول الغربية على القرار السياسي، من خلال تحويل العديد من قادة تلك الدول إلى "زبائن" لها، يدينون لها بكل شيء، ويراعونها في قراراتهم أكثر مما يراعون مشاعر شعوبهم ومصالحها.

ثالثا: ظلم تاريخي حل بالشعب الفلسطيني، الذي تجاهلت أميركا وجوده على مر السنين، وساهمت بالمدد العسكري والاقتصادي، وبالغطاء السياسي والدبلوماسي، في استمرار محنته وتعميقها. ونسيت أمريكا -وهي تفعل ذلك- أنها تعمق الجفوة بينها وبين قلوب مئات الملايين من العرب والمسلمين، وأن هذا قد يقود أفرادا إلى الضلوع في أعمال جنونية، مثل ما وقع يوم الثلاثاء الماضي.

السيناريوهات المتوقعة

يمكن تصور العديد من السيناريوهات في تعامل الولايات المتحدة مع من يقفون وراء التفجيرات يوم الثلاثاء الماضي، والذين تشير أرجح الدلائل إلى أنهم عرب ومسلمون بكل أسف. وقد تتبنى أميركا هذا السيناريو وذاك بالتوازي، بحسب الرؤية الموجهة لردة الفعل:

السيناريو الأول:
أن تتعامل الولايات المتحدة مع الأمر تعاملا أمنيا محضا. وفي هذه الحالة ستسعى إلى اغتيال قادة بعض الجماعات التي تتهمها بهذه التفجيرات على المدى القريب، حفظا لماء الوجه أمام الرأي العام الأميركي. أما على المدى البعيد فستجري تحسينات على أداء أجهزتها الاستخبارية، وخصوصا في مجال "المصادر البشرية" التي عبر العديد من القادة العسكريين والأمنيين عن أنها تعاني من تراجع كبير، تعويلا على الخبرة التكنولوجية، ونتيجة طبيعية لتراجع أهمية تلك الأجهزة مع نهاية الحرب الباردة.


من المحتمل أن تتراجع حريات العرب والمسلمين الأميركيين من خلال تطبيق مبدأ خصخصة الأمن المطبق في بعض الدول العربية
وربما أنتج هذا السيناريو تراجعا في الحريات المدنية التي يتمتع بها العرب والمسلمون في أميركا، كما أنه سيؤدي إلى نوع من "خصخصة الأمن" في بعض الدول العربية والإسلامية التي تربط حكوماتها بأميركا روابط سياسية وتحالفات إستراتيجية. فلن تثق أميركا مستقبلا في غير مصادرها الخاصة، ولن ترضى بأقل من وجود أميركي مباشر في الأجهزة الأمنية بتلك الدول. وسيترتب على ذلك مزيد من القمع ومزيد من اتساع الفجوة بين الحكام والمحكومين، وكل ما يعنيه ذلك من احتمال الانفجار. ومن عيوب هذا الخيار أنه قد يعين أميركا على تفادي بعض العمليات المشابهة في المستقبل القريب، لكنه سيؤجج نار العداوة ضدها، بكل ما يترتب على ذلك من خسارة مستقبلية على المدى البعيد.

السيناريو الثاني:
أن تتعامل أميركا مع الأمر تعاملا إستراتيجيا، بعقلية الحرب الباردة، فتسعى تحت غطاء التعاطف العالمي مع فجيعتها الحالية إلى بناء تحالفات سياسية وأمنية جديدة، لا لردع الذين هاجموها في القلب يوم الثلاثاء الماضي، بل لتدمير آخرين تعتبرهم أعداء لها، وإيجاد ذريعة لفتح منافذ جديدة أمام نفوذها في مناطق كانت تطمح إلى إيجاد موطئ قدم فيها. وقد يتمثل هذا السيناريو في بناء تحالفات -بالترغيب والترهيب- مع باكستان وطاجيكستان مثلا، من أجل السماح لقواتها بالتمركز هناك مؤقتا لضرب قواعد "بن لادن" وهدم البنية التحتية لطالبان، كرد فعل أولي، ثم تستمر تلك القوات هناك، من أجل ضرب إيران والعراق. وسيحقق ذلك لأميركا حلما قديما هو الحضور الإستراتيجي في منطقة بحر قزوين ذات الثروة البترولية الهائلة، وانتزاع السيطرة من روسيا على تلك المنطقة تدريجيا.

وستكون إسرائيل من أكبر المستفدين من هذا السيناريو، لأنها ستجد ذريعة لوأد مشاريع التصنيع العسكري الإيراني التي تقض مضجعها حاليا. وقد عبر عن ذلك أحد الكاتب الإسرائيليين "جيل هوفمان" في مقال صادر بصحيفة "جيروسالم بوست" اليوم (14/9) فقال: "إن الفرق بين التحالف الذي بناه بوش الأب ضد العراق، والتحالف الذي يسعى بوش الابن إلى بنائه حاليا ضد الإرهاب هو أن إسرائيل ستكون عضوا كامل العضوية في هذا الأخير. وسيمكنها ذلك من ضرب العراق وإيران وأفغانستان".. [ولم لا باكستان وسوريا؟].

السيناريو الثالث:

هل ستلجأ أميركا إلى الخيار العسكري ضد منفذي الهجمات الأخيرة

أن تتعامل أميركا مع الأزمة تعاملا سياسيا، فتوقظها هذه الصدمة الموجعة، وتفتح عينيها على الجذور السياسية للمشكلة. ويتطب هذا الأمر أن يفكر الأميركيون بهدوء وتعقل، ويسألون أنفسهم: "لماذا اتجه أولئك المهاجمون بأرواحهم وطائراتهم إلى ناطحات السحاب بنيويورك، ولم يتجهوا بها إلى ناطحات سحاب في "هونغ كونغ" أو "كوالالمبور" أو "طوكيو"؟ ما الذي جعل أميركا هدفا مفضلا لهؤلاء؟ هل هو اختلاف الدين والقيم كما تقول بعض وسائل الإعلام الأميركية؟ فلم لا يقضي هؤلاء على غير المسلمين في بلدانهم أوَّلا؟ هل هو الحقد الأعمى؟ فلم لا يحقد هؤلاء على اليابانيين والصينيين والكوريين؟

إن إغفال الولايات المتحدة للبعد السياسي لهذه الأزمة سيكون كارثة عليها في المستقبل، وكارثة على بعض الدول والشعوب الإسلامية. وهو أمر محزن حقا للذين يدركون قيمة العدل والتسامح والتعايش والاعتراف بحق الاختلاف.
إذا كان لهذه الفجيعة من نفع فهو أنها قد تكون بداية صحوة في الضمير الأمريكي، فتجعله -تحت وطأة الألم الحالي- يحس بآلام الآخرين وآمالاهم، ويدرك أن دموع الثكالى في فلسطين يكفيها ذرفا، وأن آهات السجناء والمعذبين في السجون الإسرائيلية، وفي سجون بعض الدول "الصديقة" لأميركا في المنطقة لا يجوز أن تستمر.

كان إبراهام لنكولن يقول "لا أحد فوق القانون، ولا أحد تحت القانون" وقد طبق الأميركيون ذلك في بلدهم أكثر من أي أمة على وجه الأرض اليوم، ويبقى عليهم أن يدركوا أن العدل لايتجزأ، وأن الحرية لا تتجزأ، وأن آخرين كثيرين لايزالون "تحت القانون" بتواطؤ وتأييد من الولايات المتحدة. لكن بعض الجهات لاتزال تقف دون صحوة الضمير الأميركي، وقد عبر عن ذلك "جيدون روز" محرر مجلة "شؤون خارجية" في واشنطن، في شرحه لأثر الأزمة الحالية على السياسة الأميركية تجاه الفلسطينيين، فقال "إن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ستتنافس عليها من الآن فصاعدا مدرستان، مدرسة يقول أصحابها إن الجحيم الذي نعيشه سببه تدخلنا في الشرق الأوسط، ودعمنا لإسرائيل هو الذي جعل منا هدفا"، ومدرسة أخرى سيتخذ أصحابها هذه الحوادث ذريعة للدعوة إلى مزيد من الدعم لإسرائيل، والتغاضي عن اغتيالاتها للفلسطينيين".

البعد الداخلي للمشكلة

ليس سرا هنا أن العرب والمسلمين الأميركيين سيكونون من أول ضحايا هذه العملية على المدى القريب. وقد أشار عمدة نيويورك "جيوفاني" في مؤتمر صحفي منذ يومين (12/9) إلى وقوع حوادث عنصرية ضدهم، وحذر من مهاجمة مجموعات عرقية أو دينية، أو التعميم في الحكم عليها. ثم تحدث وزير العدل الأميركي "آشكروفت" يوم أمس (13/9) عن وصول تقارير إلى وزارته تشير إلى اعتداءات على مواطنين عرب ومسلمين وآسيويين. وحذر "آشكروفت" من ذلك، كما حذر منه بعد ذلك كل من الرئيس بوش الابن وأبوه والرئيس الأسبق كلينتون.. وآخرون.

تجمع إسلامي في أميركا
ورغم هذه التطمينات، فقد بدأت بالفعل ملامح مستقبل صعب يواجه العرب والمسلمين الأميركيين، منها هجومات على مساجد ومراكز إسلامية، في ولايتي تكساس وكاليفورنيا، ومضايقة مسلمات محجبات، وضرب سائق تاكسي من (السيخ) يضع عمامة على رأسه، ظنه المهاجمون مسلما على ما يبدو.. وحوادث أخرى كثيرة متفرقة. وربما لا يكمن الخطر في هذه الحوادث المعزولة، بل في المشاعر التي وراءها.

إن أصوات العداء والعنصرية هي التي تعلو الآن، تغذيها دعاية مركزة من زعماء الهصيونية في أميركا وفي إسرائيل، تحرص على التماهي بين إسرائيل وأميركا، ووضعهما في خندق واحد، واعتبارهما ضحيتين "للتعصب الإسلامي والتوحش العربي".. إلخ. وترفض هذه الدعاية أن تميز بين مقاومة احتلال يستحوذ على أرض الغير وينكر وجودهم، وهو أمر تقره كل القوانين الأرضية والشرائع السماوية، وبين الاعتداء على المدنيين الأبرياء، وهو أمر لا يقبل به شرع ولا منطق، مهما كان موقفنا من حكومتهم وسياساتها.

لكن لا يبدو أن الدعاية الصهيونية ستقبل أي تمييز بين الاثنين، لأن ذلك يعري ظلمها وعسفها، وقد أوردت صحيفة "جيروسالم بوست" اليوم (14/9) قصة ذات دلالة في هذا الشأن، وهي أن السفير الفرنسي في تل أبيب "جاك هنتزينجر" دعا إلى ضرورة التمييز بين ما يقوم به الفلسطينيون ضد إسرائيل، وما حدث ضد الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن "النزاع حول الأرض بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجعل الأمرين من طبيعة مختلفة". وأوضحت الصحيفة كيف أن تصريحات السفير الفرنسي أثارت حفيظة الإسرائيليين، فطالبوا بطرده. ووجهت وزارة الخارجية الإسرائيلية "استيضاحا" إلى الدبلوماسي الفرنسي عما قال، بدعوى أن "كل من يميز بين إرهاب وإرهاب يقدم مسوغات شرعية لمزيد من العنف"!!. ووصف عضو في الكنيست الإسرائيلي السفير الفرنسي بأنه "عنصري ومعاد للسامية"!!.

ومهما يكن من أمر، من مصلحة العرب والمسلمين أن يدفعوا أميركا إلى خيار التعامل السياسي مع هذه الفجيعة، ويعينوها على تفهم جذور المشكلة، خصوصا ما يتعلق منها بمحنة الفلسطينيين. ورغم أن ذلك أمر صعب في ظروف المشاعر المعادية والكبرياء الجريحة حاليا، فإن العقل الأميركي البراغماتي برهن دائما على أنه مرن بما فيه الكفاية لتغيير نفسه. وليس من الواضح ما إذا كانت إشارات "كولن باول" في اليومين الماضيين إلى ضرورة حل المشكلة الفلسطينية بداية وعي واعتراف بجذور المشكلة، أم أنها مجرد حملة علاقات عامة يتم تقديمها بين يدي التحالفات الجديدة.
_____________
* كاتب عربي مقيم في الولايات المتحدة


عودة إلى الصفحة الرئيسية لحرب الإرهاب

المصدر : غير معروف