الثغرات والأسماء وخلفيات الاتجار بالجنسية.. النص الكامل لتحقيق أوراق قبرص

(الجزيرة)
(الجزيرة)

كان صباحا باردا جدا من شهر ديسمبر/كانون الأول، كما هو مألوف في العاصمة الفيتنامية. احتشدت كتيبة من الصحفيين خارج محكمة الشعب المهيبة في هانوي، ذلك المبنى الضخم الأبيض ذو الأعمدة، حيث عقدت محاكمات مسؤولين كبار في الحزب الشيوعي اتهموا بالإخلال بوظيفتهم، وكانت وقائع المحاكمات تنقل عبر التلفاز.

بدا كما لو أن وزير الإعلام السابق نغوين باك سون سيصبح آخر من تناله حملة الحكومة الشاملة ضد الفساد، وكانت وسائل الإعلام تتابع الحدث في وقت كانت فيه عائلته تدخله إلى المحكمة.

كان سون شخصية قوية في الحكومة الفيتنامية من عام 2011 إلى عام 2016. وفي وقت متأخر من العام الماضي، بعد محاكمة استمرت أسبوعين، حكم عليه بالسجن مدى الحياة لتلقيه رشوة بقيمة 3 ملايين دولار في صفقة لها علاقة بشركة الاتصالات الهاتفية "موبي فون" (MobiFone) المملوكة للدولة وشركة تلفزيونية خاصة اسمها "أوديو فيجوال غلوبال جي إس سي" (Audio Visual Global JSC). نجا من عقوبة الإعدام فقط لأن عائلته أعادت المبلغ إلى الدولة.

قبل ذلك، دخل القاعة دون ضجيج كثير الرجلُ الذي دفع الرشوة، وهو رئيس الشركة التلفزيونية واسمه فام نهات فو. أطل على الحضور بنظارته وصلعته، وتناول مكبر الصوت ليتحدث باهتمام كبير كما لو كان يقرأ من نص مكتوب. قال الادعاء إن فو تعاون بفعالية مع السلطات في التحقيق، وأكد على نحو وافٍ أنه فعلا دفع 3 ملايين دولار لسون.

بدا فو داخل المحكمة شخصا عاديا، ولم يبد كما لو كان جزءا من نخبة عالمية أو كشخص بإمكانه، لو لم يُحبس، أن يسافر ويستقر في المكان الذي يختاره.

ولكن لدى فو داعمون أقوياء. فشقيقه فام نهات فوونغ أغنى رجل في فيتنام، ووجهت رسائل تلتمس العفو والرحمة لفو من قبل أقوى هيئة بوذية في فيتنام، ومن قبل الصليب الأحمر الفيتنامي، ومن قبل السفير الروسي. لم يُحكم إلا بثلاث سنوات سجنا.

لفت فو انتباه وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة لسبب مختلف تماما. فقبيل مثوله أمام المحكمة حصل على جواز سفر من جمهورية قبرص.

 

(الجزيرة)

جواز ذهبي
كان فام نهات فو واحدا من الآلاف الذين دفعوا مالاً مقابل الحصول على الجنسية القبرصية بموجب برنامج الجنسية عبر الاستثمار، ويظهر اسمه ضمن قائمة بأسماء أولئك الذين كشفت عنهم أوراق قبرص، الرزمة الضخمة من الوثائق الرسمية المسربة، التي حصلت عليها وحدة التحقيقات.

لطالما اعتبرت الحكومة القبرصية ما هو معروف اليوم باسم برنامج الاستثمار في قبرص مصدرًا مهما من مصادر الدخل، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه عاد على الحكومة حتى الآن بحوالي 8 مليارات دولار. ولذا، ليس مفاجئا أن يكون هذا البرنامج قد ولد في عام 2013 بعد أسوأ أزمة مالية تضرب هذا البلد، الواقع في البحر المتوسط، في تاريخه.

بالنسبة لمن يملكون فائضا من المال، يعود عليهم جواز سفر قبرص الذهبي بفوائد جمة، فهو يمنحهم القدرة على إيداع أموالهم في حسابات بنكية أوروبية، كما يتيح لهم فرصة العيش والعمل والتنقل بحرية ليس فقط في قبرص وإنما أيضا في 27 بلدا داخل الاتحاد الأوروبي، ويمكّنهم من السفر دون حاجة إلى تأشيرة دخول إلى 176 بلدا، وكل ذلك مقابل ثمن "معقول"، وهو عبارة عن استثمار لا يقل في حده الأدنى عن 2.5 مليون دولار، شريطة أن ينفق معظمها على العقارات.

أوراق قبرص
بحثت وحدة التحقيقات عن ما يقرب من 2500 شخص وردت أسماؤهم في أوراق قبرص حيث تظهر في أكثر من 1400 طلب جنسية إما كمتقدم رئيس، وإما كواحد من أفراد عائلته. يتم الإفصاح عن اسم الأفراد فقط إذا توفر دليل جلي على ضلوع الشخص في ممارسات غير سوية، أو فيما لو كان مسؤولاً حكوميا لم يعد مؤهلاً للحصول على الجنسية بموجب مجموعة جديدة من القواعد التي وضعتها قبرص في عام 2019.

أكبر عدد من المتقدمين للحصول على الجنسية القبرصية -ما يقرب من ألف شخص- هم من مواطني روسيا، يليهم ما يقرب من ألف مواطن صيني، ثم ما يزيد قليلا عن مئة شخص من أوكرانيا. أما عدد مواطني الدول الشرق أوسطية فبلغ 350.

يتوزع هؤلاء على مختلف الأعمار والمهن، ولكن المشترك بينهم جميعا هو حصولهم على ثروات ضخمة، وفي بعض الأحيان عبر طريقة مريبة.

 

 

ما كان مثيرا للانتباه في التحقيق هو أن فام نهات فو هو واحد من عشرات الأشخاص الذين تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية القبرصية، وما كان لطلباتهم أن تقبل لو أنهم تقدموا بها اليوم ولو أن طلباتهم خضعت لعملية تدقيق سليمة.

بدأ تطبيق "برنامج الجنسية عبر الاستثمار" في 2016، وبذلك حل محل برنامج سابق كان يمنح الجنسية من خلال الاستثمار. تضمن البرنامج الجديد تحديد مواصفات مالية فيمن يرغبون في الحصول على الجنسية، ومن ذلك خفض مبلغ الاستثمار المطلوب بأكثر من مليون دولار. ومثله مثل سابقه، اشترط هذا البرنامج أن يكون المتقدمون أصحاب "سجلات جنائية نظيفة"، ولكنه أخفق في تعريف ماذا يعني ذلك.

ظهر أنه لا يستثني أولئك الذين هم قيد إجراءات جنائية أو رهن التحقيق، وكثير من أصحاب الطلبات الذين تظهر أسماؤهم في أوراق قبرص تقدموا بطلباتهم عندما كانوا على وشك أن يدانوا بجرائم.

مطلوب من الحكومة القبرصية بموجب القواعد التي وضعتها لنفسها أن تجري تحريات من خلال البحث في قواعد بيانات الشرطة الأوروبية "يوروبول" (Europol) والشرطة الدولية "إنتربول" (Interpol). ولكن من الناحية العملية يُترك الأمر لأصحاب الطلبات أنفسهم حتى يقدموا معلومات عن خلفياتهم يحصلون عليها من السلطات الموجودة في بلدانهم الأصلية. والمدهش أن معدل الرفض كان منخفضا جدا، لم يتجاوز 2% من الطلبات المقدمة ما بين 2013 و2018.

تم تصنيف أحد الأفراد، رغم إدانته بالابتزاز قبل 16 عاما، على أنه يحمل "سجلا جنائيا نظيفا". ويثير هذا سؤالاً حول ما إذا كان السجل الجنائي لرجل هو الآن من علية القوم في روسيا قد تم تجاهله، أو ما إذا كان قد اعتبر مشطوبا.

رجال أعمال وسياسيون وأصحاب مليارات
في أمسية باردة من أمسيات شهر ديسمبر/كانون الأول 2015، تجمعت نخبة من علية القوم في سانت بطرسبرغ في إحدى الحفلات. وكان من بين الضيوف اللامعين مقدم البرامج التلفزيونية الشهير إيفان أورغانت والوجيهة كسينيا سوبتشاك، ابنة أول عمدة للمدينة تم انتخابه ديمقراطيا وزوجته، والتي كانت عضوة في مجلس الشيوخ الروسي.

جاؤوا جميعا للاحتفال بعيد ميلاد طفل في التاسعة من عمره، وهو الابن الأصغر لعلي بيغلوف، الذي أنفق نصف مليون دولار على الحفلة.

بيغلوف رجل ضخم الجثة ذو قصة شعر مميزة، يعرف أيضا باسم "علي تارترين"، وهي كنية اكتسبها في أيامه الخوالي عندما كان منخرطا في العالم السفلي في مدينة سانت بطرسبرغ. كان قد قضى عقوبة بالسجن لعامين من 1990 إلى 1992 بتهمة الابتزاز.

لم تحل إدانة بيغلوف دون تمكنه من الحصول على جواز سفر قبرصي، كما لم تحل دون صعوده إلى أعلى دوائر السلطة في روسيا.

ما بين 1999 و2016 شغل بيغلوف منصب المدير العام لإحدى الشركات التابعة لثاني أكبر مؤسسة نفط وغاز في روسيا، اسمها "لوك ويل" (LUKOIL)، التي تناط بها مهمة إدارة وحدات تخزين النفط في 35 ميناء في أنحاء روسيا وفي الخارج، وتقدر أرباحها الصافية بما يقرب من مليار روبل (13.2 مليون دولار) في العام.

(الجزيرة)

قبل شهور من إقامة بيغلوف للحفلة المترفة احتفاء بعيد ميلاد ابنه ذي التسعة أعوام، أقدمت شركة لإنتاج ألبان تأسست حديثا ويديرها ابنه الأكبر على فتح مكتب لها في المقر الإقليمي لشركة لوك أويل على ضفة النهر في سانت بطرسبرغ. وبعد عام واحد، كانت الشركة تورد منتجاتها من الألبان ومشتقاتها إلى المحكمة الدستورية الروسية وجهاز الأمن الفدرالي "إف إس بي" (FSB) ومجلس الدولة والمجلس الفدرالي.

في أوكرانيا المجاورة، حيث أسقط في 2014 الرئيس الفاسد وسيئ الصيت فيكتور يانوكوفيتش، كانت النخبة حريصة أيضا على جوازات سفر قبرصية.

ومن هؤلاء مايكولا زلوتشيفسكي، الذي اتهم بإساءة استخدام موقعه عندما كان وزيرا للبيئة والموارد الطبيعية في حكومة يانوكوفيتش، وذلك لإفادة شركة الطاقة التابعة له واسمها بوريزما القابضة -التي تتخذ من كييف مقرا لها ولكن المثير للانتباه أنها مسجلة في قبرص- بحيث تحصل على الأفضلية في استصدار رخص استخراج الموارد الطبيعية في أوكرانيا.

غدت بوريزما عنوانا في وسائل الإعلام الأميركية بعد أن تبيّن أن هانتر بايدن نجل نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن (الرئيس المنتخب حاليا) انضم إلى مجلس إدارتها في وقت كان فيه والده مكلفا بمتابعة ملف السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا.

يخضع زلوتشيفسكي للتحقيق بتهمة الفساد منذ أن غادر موقعه الوزاري في عام 2002. وأدين مؤخرا بالرشوة بعد أن وضع موظفو مكافحة الفساد أيديهم على 5 ملايين دولار نقدا، يقال إنها كانت لرشوة المحققين حتى يتخلوا عن التحقيق في بوريزما. حصل زلوتشيفسكي على جواز سفر قبرصي في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2017، ويقال إنه يعيش الآن في موناكو.

(الجزيرة)

حتى قبل أوراق قبرص، كُتب الكثير عن الأوليغاركيين الروس والأوكرانيين الذين اشتروا جنسية قبرصية، بمن فيهم رجل الأعمال أوليغ ديريباسكا، الملياردير المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين.

ومن ضمن من صدرت الموافقة على طلباتهم للحصول على الجنسية القبرصية واحد من أشهر الهاربين من العدالة واسمه لو تايك جهو، الشهير باسم جهو لو، والذي يقال إنه كان العقل المدبر وراء عملية احتيال بما يعادل 700 مليون دولار، وهي الفضيحة التي أطاحت برئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب عبد الرزاق.

ربما كانت تلك التقارير هي السبب الذي دفع وزير الداخلية القبرصي في 2019 إلى التصريح بسلسلة من الإعلانات، بما في ذلك إلغاء 29 جواز سفر كانت قد منحت بالخطأ، وتشديد خصائص التأهل للتقدم بأي طلبات في المستقبل.

كل من يصنف على أنه شخص مكشوف سياسيا -وهو الشخص الذي يكون مسؤولاً في موقع رفيع داخل الحكومة أو في شركة تملكها الدولة- سوف يحظر عليه في المستقبل الحصول على الجنسية القبرصية على الأقل لمدة لا تقل عن 5 أعوام بعد تركه منصبه، كما سوف يحظر ذلك على أفراد عائلته وشركائه في العمل.

يزعم المحققون في قضايا الفساد أن الأشخاص المكشوفين سياسيا أكثر عرضة من غيرهم للتورط في ممارسات فاسدة، وذلك بسبب تمكنهم من الوصول إلى أموال الدولة.

كما يوضح القانون القيود المفروضة على طلبات الأشخاص المرتبطين بكيانات خاضعة للعقوبات وكذلك طلبات من هم رهن التحقيق أو يواجهون تهما جنائية أمام المحاكم.

(الجزيرة)

مصرف الكرملين والمكشوفون سياسيا حول العالم
بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في 2014، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على أهم قطاعات الاقتصاد الروسي، مما أثر على "بنك في تي بي" (VTB Bank). ما فتئ "في تي بي" يلعب دورا محورا في تجليات القوة الاقتصادية لموسكو من ضخ الاستثمارات في بلغاريا، البلد الذي كان سابقا جزءا من المعسكر الشيوعي وبات الآن عضوا في الاتحاد الأوروبي، إلى تمويل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي انعقدت في سوتشي في 2014، حتى غدا يعرف باسم "مصرف الكرملين".

استثمر 3 من كبار المديرين في بنك "في تي بي" في عقارات متجاورة ضمن مشروع فلل الساحل المرجاني بالقرب من بافوس، المنتجع البحري في قبرص. أليكسي ياكوفيتسكي، المدير التنفيذي لـ"في تي بي كابيتال" (VTB Capital)، وفيكتوريا فانيورينا عضو مجلس إدارة مصرف "في تي بي"، وفيتالي بوزوفيريا نائب الرئيس الأقدم لبنك "في تي بي"، كلهم أجيزت طلباتهم للحصول على الجنسية القبرصية هم وزوجاتهم.

تظهر البيانات التي جمعت من قبل "غلوبال آند ويتنيس" (Global Witness)، المنظمة غير الحكومية المعنية بمكافحة الفساد، ما بين 2007 و2016، أن قبرص كانت الوجهة الأولى للاستثمارات الخارجية من قبل أشخاص مقيمين في روسيا فيما عرف باسم هروب رؤوس الأموال، التي قدرت قيمتها بما يقرب من 130 مليون دولار. على الرغم من أنه لا يقصد الإيحاء بأن هذا المال يستخدم لأغراض إجرامية، تتنامى الأدلة على أن قبرص باتت الوجهة المفضلة للروس الراغبين في غسيل الإيرادات التي يكسبونها من تعاملات مشبوهة.

يمثل منح الجنسية لمن يصنفون على أنهم أشخاص مكشوفون سياسيا مشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، حيث إن لوائح الاتحاد تقيّد بشكل صارم منح جوازات سفر الاتحاد الأوروبي لأشخاص مكشوفين سياسيا. لم تلتزم قبرص بتلك اللوائح إلا في صيف عام 2019، ولكن ليس قبل أن يتمكن كثير من الأشخاص المكشوفين سياسيا من الاستفادة بشكل كامل من البرنامج القبرصي.

ما من شك في أن رئيس الغرفة السفلى في المجلس الوطني الأفغاني مير رحمان رحماني شخص مكشوف سياسيا وبشكل صارخ. قبل أن يدخل عالم السياسة، بنى رحماني إمبراطورية أعمال تزود قوات الاحتلال الأميركي في أفغانستان بالوقود والخدمات الأمنية. ينص طلبه الذي تمت الموافقة عليه على أن زوجته وبناته الثلاث مواطنون أيضا في سانت كيتس ونيفيس (Saint Kitts and Nevis)، البلد الآخر الذي لديه برنامج للحصول على الجنسية من خلال الاستثمار. كما أن ابنه حاجي أجمل رحماني، وهو سياسي يمثل العاصمة كابل، سعى هو الآخر للحصول على جنسية قبرصية.

(الجزيرة)

لدى مجموعة رحماني مصالح ليس فقط في أفغانستان، بل كذلك في الخليج وأوروبا. من وجهة نظر خبراء الفساد، فإن رحماني الأب والابن في موقع يمكنهما من التأثير في السياسة بشكل يعود عليهما بالإثراء الشخصي. ومن شأن جواز السفر القبرصي أن يسمح لهما بإيداع ثرواتهما في حسابات مصرفية أوروبية بعيدا عن عيون الرقيب.

كان ينبغي على إجراءات التدقيق والتحقق القبرصية أن تكتشف كذلك فلاديمير خريستنكو، وهو شخص مكشوف سياسيا من خلال والده فيكتور خريستنكو وزوجة أبيه تاتيانا غوليكوفا. فكلاهما تقلد عددا من المناصب السياسية الرفيعة، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء في روسيا، في حين شغل فيكتور مرتين منصب وزير الصناعة. وأما غوليكوفا، التي كانت وسائل الإعلام الروسية ذات مرة قد وصفتها بأنها "واحدة من أسوأ نواب رئيس الوزراء في روسيا الاتحادية"، فشغلت منصب وزيرة الصحة ومنصب مساعدة بوتين.

أعلن الزوجان عن أن دخلهما السنوي في 2017 تجاوز المليون دولار، على الرغم من أن صافي قيمة ثروتهما المشتركة أكبر من ذلك بكثير، ليس على الأقل بسبب الحصص الكبيرة التي يملكانها في منتجعات الغولف الفاخرة والتي تقدر قيمتها مجتمعة بما لا يقل عن 360 مليون دولار، بل لأسباب أخرى. وطبقا لمشروع الإخبار عن الجريمة المنظمة والفساد، وهي منصة إخبارية استقصائية، "ليس واضحا من الإعلان عن الدخل كيف تمكن خريستنكو وزوجته غوليكوفا من حيازة مثل هذه الممتلكات الثمينة".

في عام 2006، أصبح فلاديمير البالغ من العمر 25 عاما رئيس المجلس الاستشاري لشركة تشيكية تابعة لمجموعة مصنع أنابيب "تشيليابينسك" (Chelyabinsk). يدير حاليا شركة الصناعات الدوائية "نانوليك" (Nanolike) التي تملكها مؤسسة قبرصية والتي قيل إنها منهمكة في تطوير لقاح لكوفيد-19، بالإضافة إلى إنتاجها هيدروكسي كلوروكوين (Hydroxychloroquine)، العقار الخاص بالملاريا والذي روج له البعض باعتباره علاجا لكوفيد-19، على الرغم من عدم وجود ما يثبت قدرته على كبح جماح فيروس كورونا.

إن التسريب الذي حصلت عليه الجزيرة، والذي يمتد على فترة عامين من 2017 إلى 2019، يسلط الضوء على الإخفاق المنتظم لبرنامج الجنسية عبر الاستثمار. فالإجراءات لا تطبق بشكل حاسم وما زال غير المؤهلين من مقدمي الطلبات يحصلون على الموافقة، رغم ما يقال عن قيام الحكومة بتشديد الأحكام المعمول بها في فبراير/شباط 2019.

المال يتجول
بعد شهور من التسويف، أجاز البرلمان القبرصي قانونا في يوليو/تموز 2020 يسمح للحكومة بسحب الجنسية من أي شخص يحكم عليه في جريمة خطيرة، أو يخضع لعقوبات دولية، أو يرد اسمه ضمن قائمة المطلوبين دوليا بعد أن يصبح مواطنا.

في تصريح للجزيرة، قال وزير الداخلية القبرصي نيكوس نوريس المكلف ببرنامج الجنسية عبر الاستثمار، إنه لم يحصل أن منحت الجنسية من خلال انتهاك النُظم المعمول بها آنذاك. وقال إن قبرص تتصرف بكونها دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي بشفافية تامة.

على الرغم من محاولات سد الثغرات، فإن العديد من المنظمات غير الحكومية وكذلك بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وبعض الشخصيات المعارضة في قبرص، يطالبون بشطب البرنامج تماما. تقول السياسية المعارضة آيرين تشارالامبيدس "تعرض الحكومة الاتحاد الأوروبي للخطر. فهم يفتحون بوابات الاتحاد بالجوازات التي يبيعونها".

(الجزيرة)

ورغم أن سمعة قبرص تضررت بسبب الكشف عن البرنامج، فإنها ليست الضحية الوحيدة لدورة المال التي تتضمن شراء الجنسية. ففي كثير من الحالات، تكون الأموال المستثمرة في الشواطئ الذهبية للارنكا وبافوس أموالاً مسروقة من الشعب في روسيا وأوكرانيا والصين. وفي الوقت الذي يقوض فيه الفساد وضع هذه الدولة العضوة في الاتحاد الأوروبي، فإنه يلحق أضرارا جسيمة كذلك بتنمية المجتمع المدني في البلدان التي جيء منها بالأموال.

قد تكون الجوازات قبرصية، إلا أن الشركات المسجلة بلا هوية تكون مسجلة في جيرسي، في حين توجد الحسابات البنكية في كثير من الأحيان في لندن. وترسو اليخوت في كوت دازور، في وقت يوجد فيه المعذبون في كابل وخاباروفسك وكييف.


حول هذه القصة

استقال رئيس البرلمان القبرصي ديمتريس سيلوريس اليوم الخميس، وذلك بعدما بثت شبكة الجزيرة تحقيقا سريا كشف تلقي مسؤولين قبارصة أموالا مقابل منح الجنسية لمجرمين في هذا البلد العضو بالاتحاد الأوروبي.

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة