الأربعاء الأحمر.. عروس السنة الإيزيدية

شيار خليل – باريس

 

 

ينتظر الإيزيديون في العالم الأربعاء الأول من شهر أبريل/نيسان الشرقي من كل سنة للاحتفال بعيد رأس السنة لديهم؛ فالإيزيدية تتبع التقويم الشمسي، ومع تغيير التقاويم بمرور الزمن اعتمد أتباع هذه الديانة في الفترة الأخيرة على التقويم الشرقي.

ويعدّ الأربعاء الأحمر، أو "جارشمبا سور" عيد رأس السنة الإيزيدية، وأحد أقدم الأعياد؛ فهو عيد التكوين والخليقة، بداية الحياة، وتكوين الأرض واكتمال الربيع، وتقول معتقداتهم إن "طاووس ملك" (رئيس الملائكة) بُعث من قبل الرب إلى الأرض التي كانت سرابا ليحولها إلى أرض حيّة من ماء وتراب كما هي، وينبت فيها الربيع بألوانه الزاهية، وكان ذلك في يوم الأربعاء الأحمر بحسب الديانة الإيزيدية.

ولعيد الأربعاء الأحمر صدى مغرق في القدم، نجده في النصوص السومرية قبل آلاف السنين، التي تحدثت عن عيد "زك موك أو زك ماك" الشهير بين الباحثين في تاريخ الأديان والحضارات القديمة كونه أحد أقدم الأعياد المعروفة في التاريخ البشري، وهو يعني البطن الأول أو أم البطون، في إشارة إلى أول خصوبة، لأن العيد مرتبط بخصوبة الكائنات الحية، كما هي حال "عيد الأربعاء الأحمر" الإيزيدي المستمر إلى يومنا هذا.

يكشف الكتاب المسمى "السبقة" -وهو أحد أهم المراجع الإيزيدية غير المتداولة- أن "الأربعاء الأحمر" سمي بهذا الاسم لأنه في مثل هذا اليوم ضخ الدم "أحمر" في جسم أول إنسان "آدم": "شرب آدم من ذلك الكأس للحياة، فارتجف في مكانه، واكتمل لحمه، وجرى الدم في جسده".

وفي هذا اليوم الذي يعيد فيه طاووس ملك الخصوبة إلى الكائنات الحية خاصة النبات والحيوان، بدأ أول فجر باللون الأحمر، ونضجت شقائق النعمان الحمراء؛ لذلك نجد أن الإيزيديين يعلقون على أبواب منازلهم ورود أبريل/نيسان الحمراء فجر الاحتفال بعيد الأربعاء الأحمر.

أطفال إيزيديون بالزي الفلكوري والفتيات يرتدين فساتين حمراء تحاكي لون الدم (الجزيرة)

أربعة في واحد
"الأربعاء الأحمر" عبارة عن أربعة أعياد دينية في آن واحد، بمعنى أن هناك أربع مناسبات متشابهة الفلسفة، لكنها حدثت في أزمان متباعدة ويحتفل بها في هذا اليوم.

العيد الأول: عيد التكوين "عندما انفجرت الدرة البيضاء"؛ وانفجرت من صرخة آمر الله -حسب نصوص الديانة الإيزيدية- وتكونت منها أربعة عناصر: "آخ، آف، باي، آكر"، وترجمتها باللغة الكردية تعني "التراب، والماء، والهواء، والنار"؛ بمعنى "الصلب، والسائل، والغاز، والبلازما" التي تفاعلت مع بعضها وكونت النجوم والكواكب، وأكدت آخر المكتشفات العلمية أن الكون تكوّن نتيجة انفجار طاقة كونية بيضاء عظيمة، سميت الانفجار الكوني، وتكونت منها أربعة عناصر، وهي ذاتها التي ذكرناها آنفاً.

العيد الثاني: ذكرى غليان الأرض، ثم تجمدها وتكوينها واخضرارها، وهذا ما تظهره عملية غليان البيضة ثم تبريدها ثم تلوينها.

العيد الثالث، عيد الخليقة؛ وذلك عندما خلق أول كائن حي "آدم"، وضخ الدم الأحمر بجسده، لهذا سميت "جارشمي سور"، حيث كانت الطبيعة في أبريل/نيسان تمتلئ بالورود الحمراء وتعلق على الأبواب.

العيد الرابع الأخير: عيد الخصوبة، عندما تخصبت أول بيضة لإعادة تكوين أول كائن حي، بمعنى أن هذه الطقوس والمناسبات تذكر ببداية التكوين.

إشعال الفتائل يوم العيد فالنار في الإيزيدية هي الحياة ولونها شعلتها الحمراء تمنح الأمل بالحياة (الجزيرة)

"يا نار خذي لوني الأصفر"
الإيزيدية في جميع أعيادها تحتفل مع الدورة الطقسية للطبيعة، فعيد الأربعاء الأحمر ـحسب ما يفسر الصحفي المختص في الشؤون الإيزيدية جابر جندو -وهو من إيزيديي سوريا- مرتبط بالطبيعة، وفيه تمارس طقوس عديدة؛ حيث يحرم على الإيزيدي مثلاً الزواج وعقد القران في شهر أبريل/نيسان بالكامل؛ لأن شهر أبريل/نيسان يكون هو "العروس" التي لا تضاهيها عروس أخرى، لذلك يسمونه "بوكا سالي" باللغة الكردية، أي "عروس السنة"، إشارة إلى تفتح الربيع بكل ألوانه.

وتصادف معظم طقوسهم الدينية في هذا الشهر، وأولهم عيد "جارشمبا سور"، كما يحرم على الإيزيدي حراثة الأرض، فهي حبلة بالنباتات وغيرها، ولا يجوز إيذاؤها، ويمنع الإيزيدي من السفر بعيداً عن منزله أو مكان إقامته.

وقبل يوم من العيد، أي يوم الثلاثاء، يقوم الإيزيديون بنحر القرابين، وإشعال النيران مساءً؛ لأنه لا يجوز ذبح أي شيء يوم الأربعاء، والنار في الديانة الإيزيدية -كما يقول جندو لمجلة الجزيرة- هي رمز النور والشمس، وهي "رمز الحياة على الأرض وقبلة الإيزيديين، الذين لا يحبون الظلام والعتمة".

ويضيف "لذلك نقوم بإشعال النار (الفتائل) والقناديل في المكان المقدس (لالش) النوراني وفي مفارق الطرقات والشوارع، مستعملين زيت الزيتون في ذلك، حيث تشعل القناديل على عدد أيام السنة في ليلة الثلاثاء-الأربعاء، ويقفز الشباب فوق النار الموقدة في ساحات القرى، وهم يرددون بعض الترانيم، مثل "يا نار خذي لوني الأصفر"، دلالة على المرض، "وامنحيني لونك الأحمر"، دلالة على الصحة، ويستمر ذلك حتى بزوغ شمس يوم الأربعاء".

حسب المعتقدات الإيزيدية فإن الكون يشبه البيض وعملية تكسيره ترمز للانفجار الكوني وانبثاق الحياة (الجزيرة)

شقائق النعمان
ويتابع الصحفي الإيزيدي جندو حديثه "صبيحة يوم العيد تقوم الفتيات بسلق وتلوين البيض، وهو أهم طقس للإيزيدية، إذ يعدونه رمزاً لخلق الكون والأرض؛ وكيفية خلقه؛ فالبيضة تمثل الحالة بكل معانيها، حيث إن البيضة أثناء عملية سلقها يتحول داخلها السائل إلى جامد، وهذا تمثيل لتجمد الأرض وظهور اليابسة والماء، وتلوينه يدل على كيفية اخضرار الأرض وظهور الحياة فيها".

"أما عملية كسر البيضة فهي تدل على الانفجار العظيم للكون، وتقوم الفتيات بجمع شقائق النعمان (وردة أبريل/نيسان الحمراء) وتعليقها فوق باب البيت مع قشر البيض الملون لزيادة الخصوبة التي تنتج عنها حياة جديدة، وهي بمثابة دعاء للخالق كي يزيد تعداد ذلك المنزل دماً (أفراداً)، ويزيد خصوبتهم ويحفظهم بحب، وسلام، ووئام، ويبعدهم عن أي مكروه".

الآلهة والإخصاب المقدس
يقول الباحث الإيزيدي سليمان دخيل أبو كاشاخ لمجلة الجزيرة إن لطقوس تكسير البيض الملون وتقشيره في عيد الأربعاء الأحمر مكانة خاصة في طقوسه؛ فالبيضة رمز عن كون صغير (ميكرو كوسموس) انبثق منه الكون الأكبر (ماكرو كوسموس)، أما القشور الناتجة عن فعل التكسير فهي قشور لها دلالتها العميقة في هذا العيد؛ فهي قشور للقوة الإخصابية ناتجة عن فعل الإخصاب المقدس".

ويواصل حديثه "ولو بحثنا عميقاً في تفاصيل هذا العيد وطقوسه المقدسة، فسوف يتضح لنا كيف أن هناك علاقة قوية بين البيضة بوصفها رمزاً للخصوبة والطاقة الجنسية المولدة بين الزوجين؛ بوصفه رمزاً لفعل الخلق المقدس".

وهذا هو السبب -كما يفسر الباحث الإيزيدي أبو كاشاخ- في كون شهر أبريل/نيسان الذي يصادف فيه ذلك الزمان شهراً محرماً على الإيزيدية بالزواج والزفاف والعمل، فهو "شهر الاستذكار للزواج البدئي؛ زواج الآلهة، لذا يحرم على الإيزيدي الزواج وعقد النكاح في هذا الشهر، أما ضرورة اللون في طقوس هذا العيد، فما هي إلا محاولة لاستحضار إله العيد ذاته (طاووس ملك) أو (تموز الإيزيدي) بوصفه خالقاً ملوناً، وبالتالي خلق كوناً ملوناً، وطبيعة ملونة، وإنساناً ملوناً".

والقشور حسب الديانة الإيزيدية لا تقل أهمية عن جوهر البيضة نفسه، فالإيزيديون ينثرون تلك القشور المقدسة على حقولهم ومزارعهم وحظائر حيواناتهم، إيماناً منهم بأنها سوف تزيد وتضاعف من عطائها، وبركتها، وخصوبتها، كما لقوة البيضة دلالتها ومكانتها القدسية في عيد "طاوسي ملك"، فإنه يسمى أحياناً "عيد البيض"، ولدلالتها الرمزية المقدسة فإن قرابين البيض الملون تقدم عند زيارة الإيزيديين قبور موتاهم، كما يقول الباحث أبو كاشاخ، وهي رسالة للروح المتوفية وطمأنتها بأن ذرية أهلها وخصوبتهم صالحة، وما تزال على حالها، وستستمر وتبقى خالدة؛ فارقد بسلام في مأواك الرباني.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عرفت مدينة سيدي بوسعيد بالضاحية الشمالية للعاصمة تونس منتصف شهر رمضان طقوسا صوفية مميزة ضاربة في القدم، تسمى “خرجة سيدي بوسعيد الباجي” تيمنا بالناسك الذي تبوأ مرتبة مرموقة في التصوف.

12/6/2017

أقامت جمعية “الأميركيين المحليين” في ولاية شيكاغو طقوسا دينية وتقليدية خلال افتتاح مقرها الجديد، حيث بدأت الفعالية برقصة “الشمس” التي تعد من أهم الطقوس الدينية والشعائر لدى الهنود الحمر.

7/5/2017

شهد العالم الإسلامي احتفالات كبيرة بالمولد النبوي اختلفت تفاصيلها لكنها اجتمعت على التعبير عن حب المحتفى به. ويبدو أن وتيرة الاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم ازدادت بعد الرسوم المسيئة.

3/1/2015

يحتفل الأمازيغ في الجزائر يوم 12 يناير/كانون الثاني بعيد النّاير، وهو أول يوم في السنة الأمازيغية وبداية السنة الزراعية عند الأمازيغ. ويتم خلال تلك الاحتفالات تناول وجبة عشاء خاصة بتلك المناسبة وممارسة عدة طقوس تيمنا بسنة زارعية وفيرة المحاصيل.

11/1/2010
المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة