الاستقلال.. أكثر من مجرد شارع بقلب إسطنبول

شارع الاستقلال قرب ميدان تقسيم الشهير من أبرز المعالم التاريخية للمدينة (الجزيرة)
شارع الاستقلال قرب ميدان تقسيم الشهير من أبرز المعالم التاريخية للمدينة (الجزيرة)

خليل مبروك – إسطنبول

بين "ميدان تقسيم" الشهير وميناء "كاراكوي"، مرورا بمنارة "غَلَطة" التاريخية، يمتد شارع الاستقلال كأنه طريق يصل تركيا المعاصرة بماضي أمم وحضارات عمرت مدينة إسطنبول ثم رحلت، تاركة وراءها شواهد كثيرة على أهمية هذا المكان.

فمن خلف المحال التجارية التي تبيع أفخم المنتجات العصرية وأكثرها شهرة في العالم، تطل قباب الصوامع الصوفية وأبراج الكنائس المسيحية، لتروي قصة الشارع الذي كان حاضرة بيزنطة وقلب عاصمتها القسطنطينية منذ القرن السابع قبل الميلاد.

وتقول بعض المصادر التي تروي تاريخ الشارع إنه كان يحمل اسم الشارع العربي، لكثرة الشبان العرب الذين يفتتحون فيه المجالس والمنتديات الفكرية والثقافية في عهد الدولة العثمانية.

ويقدم الإسطنبوليون الشارع لزواره بوصفه مكانا سياحيا له طابع وطني، إذ حمل اسمه "istiklal" باللغة التركية تمجيدا لذكرى استقلال تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، وإعلان الجمهورية على أنقاض الدولة العثمانية عام 1923.

لكن الشارع -الذي ظل منذ ذلك الوقت عنوانا لهوية تركيا العلمانية- ما زال يقدم نموذجا لتعايش الدين والمال والسياسة كاحتياجات مادية وروحية، لا تستغني عن مزيجها أي حضارة.

إكسبرس الشرق ما زال في الخدمة لكن لأغراض السياحة (الجزيرة)

فوفق الباحث وخبير التنمية العمرانية عبد الله أداك، بدأ الشارع يأخذ مكانته الإستراتيجية الحديثة منذ الحقبة العثمانية، وتحديدا في القرن 16 الميلادي، حين افتتح فيه السلطان بايزيد الثاني البيوت الصوفية (المولوية) ومن أهمها "غلطة مولوي خانة".

واجتذبت الدور الصوفية الأتراك المتدينين إلى شارع الاستقلال، فتضاعف عدد السكان وجذب التجار الأوروبيين من فرنسا وإيطاليا وهولندا وبريطانيا، الذين افتتحوا فروعا لشركاتهم ومحالهم التجارية فيه.

مثلت المحال الأوروبية في ذلك الوقت قبلة الباحثين عن النموذج الأوروبي في الحياة من أثرياء الأتراك، فازداد النشاط التجاري، واجتذب الشارع -الذي يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات- المزيد من التجار الأوروبيين ومن الزبائن المحليين.

ويقول أداك للجزيرة نت إن هذا النمو الأوروبي في الشارع جعله مقرا للسفارات التي لا زالت تتخذ منه مواقع لها، كسفارات بريطانيا واليونان وفرنسا وأميركا وغيرها. كما التحق رجال الدين بالتجار، فافتتحوا الكنس الكبيرة، مثل كنيسة سان لويس الفرنسية وكنيسة سان أنتونيو الإيطالية وغيرهما.

لفت الثراء المالي والنشاط الاقتصادي الدولي في الحي أنظار أصحاب مهنة الصرافة، وكان جلهم من اليهود الذين بدؤوا يقصدون المكان ويتربحون من نشاطه، وسرعان ما تحولوا إلى طبقة مالية ثرية قادرة على إقراض الدولة العثمانية وإمدادها بالسيولة المالية.

المركز الفرنسي من المعالم الهامة في شارع الاستقلال (الجزيرة)

حوّل كل ذلك النشاط -كما يقول أداك- الشارع إلى قبلة استثمار دولي، فسارعت الشركات الإنجليزية لافتتاح ميناء كاراكوي وخطا للسكة الحديدية عام 1883، الذي يعد المترو الثاني في العالم بعد مترو الأنفاق في لندن، وما زال هذا الخط يعمل إلى اليوم، لكن للتجوال السياحي فقط.

اتجه الفرنسيون إلى الشارع، فربطوه بخط القطار الفرنسي، وأطلقوا على الشارع اسم "غرانت رو ديبورا"، أي شارع الجنة، بينما سماه العثمانيون الشارع الكبير، وأطلقوا على قطاره اسم قطار الشرق.

ويروي أداك أن ركاب القطار كانوا من الأثرياء والمشاهير الأوروبيين في ذلك العصر، ومنهم الروائية البريطانية أغاثا كريستي التي كتبت كثيرا من الروايات البوليسية في فندق برا الشهير بالشارع.

حافظ شارع الاستقلال -أو شارع الجنة- على مكانته مع تطور مدينة إسطنبول، وازداد إقبال الزوار عليه، فأصبح المكان المفضل للاستثمارات الفندقية بإسطنبول، وبات اليوم يضم نصف الغرف الفندقية في المدينة، وهذا ما يفسر انتشار الوجوه الأجنبية الغريبة عن المكان في محيطه.

وتنتشر في الشارع اليوم محال لأرقى العلامات التجارية العالمية، التي تبيع العطور والملابس والزينة، كما يضم المكتبات ودور السينما والمصارف والمقاهي والمطاعم، التي تقدم الأطعمة التركية والغربية على السواء.

ورغم أنه بات مقصدا للكثير من السياح الأجانب والزوار الأتراك على السواء، فإن أغلب الزوار يبدون اهتمامهم بالتجول في الشارع والاستمتاع بالسير بين الناس أكثر من الاهتمام بتاريخه والاطلاع على تمازج أشكال الثقافات فيه.

أبراج الكنائس تظهر من خلف المحال التجارية في شارع الاستقلال (الجزيرة)

أحد السياح الألمان في الشارع قال إنه فوجئ بحجم الإقبال على الشراء من المحال التجارية فيه رغم الارتفاع الكبير في ثمنها، وأضاف لمجلة الجزيرة "لو كانت هذه الأسعار في ألمانيا لكسد هذا الشارع وتوقف الناس عن زيارته".

وقال الشاب الألماني إن "الشارع ذائع الصيت في ألمانيا، وإن أغلب السياح من بلاده يقصدونه عندما يزورون تركيا، لكنهم لا يتسوقون منه نظرا لارتفاع الأسعار".

وكانت الشركة الدولية للاستشارات العقارية "كوشمان آند ويكفيلد" قد أعلنت مطلع العام الجاري أن أسعار إيجارات المحال في شارع الاستقلال الشهير قد ارتفعت في 2014 بنسبة 27%، ليصبح ثاني أغلى شارع في العالم.

وقال فوزي أولتاش -الذي يعمل في محل للكباب والحلويات التركية- إن المحل يكسب الكثير من المال جراء تدفق الزوار الأجانب على الشارع، الذي عده المكان الأفضل للاستثمار في تركيا.

ووصف أولتاش في حديثه للجزيرة نت شارع الاستقلال بقلب تقسيم النابض، مضيفا أن كثيرا من الناس يحضرون إلى الشارع لمجرد التسكع والمشي فيه دون أن يكون لهم عمل محدد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يندر أن يرى الزائر شارع الاستقلال الشهير في إسطنبول فارغا، وهو المعروف باكتظاظه بالرواد في معظم ساعات اليوم، ذلك أنه يعتبر قلب إسطنبول النابض والمركز الاقتصادي والثقافي فيها.

أعيد الثلاثاء فتح منتزه غيزي في ميدان تقسيم بإسطنبول، بعد ليلة من الاشتباكات بين الشرطة التركية والمحتجين عقب إعادة فتحه لبضع ساعات أمس.

تركت الاحتجاجات التي شهدتها ساحة تقسيم بمدينة إسطنبول آثارا سلبية على الفنادق المحيطة بالميدان التي باتت تشكو قلة الزبائن، فاضطرت إلى تخفيض أسعارها إلى النصف.

يعد شارع الاستقلال بإسطنبول معقلا لمؤيدي معسكر العلمانية والمواقف المناهضة للحجاب، على اعتبار أنه يتعارض مع علمانية الدولة. والشارع مرتبط بميدان تقسيم الذي يعتبر قلب مدينة إسطنبول، ومركز المظاهرات فيها وآخرها المظاهرة الحاشدة ضد ترشح عبد الله غل للرئاسة بسبب حجاب زوجته.

المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة