مثيانق شريلو - جوبا

 

يحمل جون كوني (17 عاما) كراسا وقلما بعد أن حمل السلاح لأربع سنوات في صفوف حركة "كوبرا" برتبة ملازم ثانٍ في صفوف الحركة المتمردة سابقا.

ويعتقد كوني أن الحركة كانت تعمل من أجل كرامة ومجد القبيلة التي ظلت طوال أربعة أعوام قبل التوقيع على اتفاق للسلام مع حكومة جوبا مستهدفة بشكل عنيف، وتعاني التهميش والإهمال الرسمي، فلم توجد مدرسة ثانوية في منطقة بيبور مسقط رأس الصبي الجندي السابق الذي يدرس الآن في إحدى المدارس الإعدادية بالعاصمة الكينية نيروبي.

وفي العام 2010 أعلن ديفد ياوياو المرشح الخاسر في الانتخابات المحلية المؤهلة للمجلس التشريعي لولاية جونقلي -أكبر ولايات جنوب السودان- تمرده على الحكومة بعد أن اتهم جهات رسمية بتزوير نتائج الانتخابات.

زعيم حركة كوبرا ديفيد ياوياو عقب وصوله لجوبا لأول مرة بعد توقيعه لاتفاق السلام مع حكومة جوبا (الجزيرة)


وقام ياوياو -طالب كلية اللاهوت السابق- بتكوين حركته المسلحة التي أطلق عليها اسم كوبرا بحشد شباب قبيلته المورلي لخوض الحرب ضد النظام الحاكم، وتبنى خطابا قائما على أن قبيلتي النوير والدينكا اللتين تجاوران قبيلته تعملان على إقصاء وإبادة القبيلة، ووجد خطابه تأييدا كبيرا وانضم إلى صفوفه نحو 3400 طفل من مختلف الأعمار.

ورغم سنوات الجوع والتشريد والخراب الذي عاشه كوني ورفاقه من الأطفال فإنه يرى في الاتفاق الذي وقعه ياوياو مع حكومة جوبا في مايو/أيار 2013 انتصارا عظيما لهم، وأنه يروي لأطفاله وأحفاده في المستقبل تلك السنوات المؤلمة التي أدت في النهاية إلى إعادة الشرف للقبيلة الصغيرة التي لم يهزمها العدد الهائل من جنود الحكومة المشكلين من قبيلتي الدينكا والنوير، كما يقول.

والمورلي مجموعة أقلية إثنية تقطن ولاية جونقلي ويمارس بعض أبنائها رعي الأبقار، ويوصفون بأنهم أقوياء وأشداء، وعرف عن القبيلة أنها تمتهن نهب الأبقار وخطف الأطفال، وهو أمر يرفضه زعماؤها، ودفعت هذه العوامل إلى زيادة حدة التوتر والنزاعات بينها وبين قبيلتي النوير والدينكا.

ومع ذلك ينظر كوني إلى المستقبل بنوع من التفاؤل الشديد بعد توقف الحرب ومنحهم الحق السياسي في تكوين سلطة إدارية في بيبور الكبرى.

مئات الأطفال المقاتلين سلموا أسلحتهم للسلطات في جنوب السودان (غيتي)

يقول كوني "أمنيتي أن أدرس الإدارة والاقتصاد، وسأعمل من أجل تشجيع جميع رفاقي المسرحين من الجيش على خوض معركة أخرى من أجل التعليم للجميع"، وقد أتاحت منح قدمتها حكومة جوبا الفرصة للصبي كوني وبعض من رفاقه لبداية مشوار جديد يتيح لهم حمل القلم بدلا من السلاح.

وقامت حركة كوبرا وجيش جنوب السودان بالتعاون مع منظمة "اليونيسيف" بتنفيذ مشروع كبير تم بتمويل من منظمات دولية أخرى قضى بتسريح 3400 من الأطفال، وتمت إعادة دمجهم في الحياة المدنية بعد جهود مضنية شارك فيها زعماء القبيلة، وكان جون كوني من ضمن المسرحين.

ويقول زعيم حركة كوبرا الذي يشغل الآن منصب حاكم إدارية بيبور الكبرى ديفد ياوياو لمجلة الجزيرة "إن سنوات الضياع التي عاشها الأطفال المنخرطون في حركته يجب ألا تتكرر مرة أخرى"، وأشار بحسرة شديدة إلى أنه "حان الوقت لكي يلتحقوا بأقرانهم الآخرين من بقية قبائل جنوب السودان الذين يلتحق عدد كبير من أطفالهم بالمدارس". وتابع بالقول "تشييد المدارس هو الأولوية الآن بالنسبة لحكومته الصغيرة".

وأكد المتحدث باسم جيش جنوب السودان العقيد فيليب أقوير اكتمال كافة خطوات تسريح الأطفال المنتسبين لحركة كوبرا من المؤسسة العسكرية بالكامل، وقال في حديثه لمجلة الجزيرة "إن وحدة حماية الطفل في الجيش تابعت بنفسها آخر الخطوات التي أدت إلى تسريح آخر ثلاثمئة طفل من حركة كوبرا إلى الحياة المدنية"، وأضاف "اكتملت العملية ويجب أن يحصل هؤلاء الأطفال على تعليم أفضل بدلا من تدريب عسكري".

حسب تقديرات اليونسيف فإن 550 طفلا تم نقلهم من معسكرات القتال إلى المدارس لتلقي العلم (غيتي)


وبحسب تقرير سابق لمنظمة "اليونيسيف"، فإن نحو 12 ألف طفل لا يزالون مجندين في الحركات المسلحة بجنوب السودان بعد اندلاع المواجهات المسلحة في 15 ديسمبر/كانون الأول 2013 بين القوات الموالية للرئيس سلفاكير ميارديت، والأخرى التي تحارب إلى جانب نائب الرئيس المقال زعيم المتمردين رياك مشار، والتي اتخذت أبعادا عرقية، وقالت اليونيسيف إن حركة قائد المليشيا جونسون أولونج دربت أيضا العديد من الأطفال المنخرطين في صفوفها.

ولا يبدي أركانجو مو المهتم بقضايا الأطفال في جنوب السودان أي نظرة تفاؤلية بشأن المستقبل المشرق لهؤلاء الأطفال المسرحين، ويشير في حديثه إلى أن هنالك تجاهلا غريبا لمصير الأطفال الذين فقدوا بعض أعضائهم في المعارك التي خاضوها سابقا.

ونوه مو بأنه "حتى المنظمات الإنسانية لم تقدم لهم أي شيء، فهم لم يجدوا الرعاية الممكنة لهم كمعاقين وأطفال في ذات الوقت"، وكشف عن أنه "ينشط مع مجموعات أخرى للضغط على الحكومة حتى تقر تشريعا يمنح هؤلاء الأطفال تعويضا ماليا ومعنويا رغم أنه توجد حصيلة محددة بأعدادهم".

المصدر : الجزيرة