"كي يبقى تراثنا وحضارتنا الشرقية الإسلامية راسخين في ذاكرة أبنائنا، أنشأت هذه الدار وافتتحت ذلك المعرض"؛ بهذه العبارة يلخّص صاحب "دار النمر" الثقافية في بيروت رامي النمر، هدفه من معرض "مِداد: فن الخط العربي في الحياة العامة والخاصة".

رجل الأعمال والمصرفي الفلسطيني المقيم في بيروت منذ ولادته، أتت عائلته إلى لبنان عقب الاحتلال الإسرائيلي لبلادها، فورث شغفه بالثقافة والبحث من الإرث التاريخي لعائلته التي أسست الدار.

يقول النمر إن عائلته القادمة من مدينة نابلس الفلسطينية، سعت من خلال مشروعها إلى الحفاظ على تراث المنطقة الثقافي وإرثها الحضاري، بما يمثّله من تعايش بين جميع الأديان والطوائف والمذاهب.
 
معرض مداد للخط العربي ببيروت يهدف لإبقاء تراثنا وحضارتنا الشرقية الإسلامية راسخين في ذاكرة أبنائنا (الأناضول)

ويعتبر أن إقامته معرضا متخصصا بالخط العربي (بدأ في أبريل/نيسان الماضي وينتهي في أكتوبر/تشرين الأول القادم) يضم أقدم المخطوطات الشرقية، جاء ليؤكد أن تاريخ المنطقة أصبح في خطرٍ كبير.

ويضيف "كان لا بد من مشروع يعيد ولو شيئا من التألق الذي عرفه لبنان قبل الحرب، لبنان الثقافة وهو ملجأ مهم للمثقفين والمناضلين والأكاديميين والفنانين من جميع أنحاء العالم".

عن المعرض الجديد الذي يعتبر جزءا من نشاطات الدار ويضم التراث الإسلامي الشرقي الثقافي في كافة المجالات، يقول النمر "أهم ما امتاز به العرب في عالم الفنّ عبر التاريخ، كان الخط العربي الذي بدأ من الخط السرياني وتطوّر تاريخيا".

ويؤكد النمر أن المعرض "يضم مخطوطات تعود إلى البدايات الأولى للخط العربي، وأقدم ما عندي يعود إلى القرن الثامن الميلادي".
 
معرض مداد للخط العربي نظمه رجل الأعمال المصرفي الفلسطيني رامي النمر، المقيم في بيروت منذ ولادته (الأناضول)
 
ويلفت إلى أن "أقدم خط عربي هو الحجازي، لكنه غير موجود في المجموعة المعروضة، كما توجد نماذج من الخطوط المكتوبة على الجلد ومن جميع المناطق العربية".

وفي هذا الصدد، يشير النمر إلى أن معرض "مِداد: فن الخط العربي في الحياة العامة والخاصة"، يضم نماذج من مراحل تطور الخط عبر الزمن من الجلد حتى الورقيات.

وعن هذه النماذج يقول "لدينا الخط الكوفي والمدرسة الحديثة للخط الكوفي، كذلك الخط الريحاني والمملوكي والثلث، ثم العثماني، ثم الفارسي، وهنالك المغولي الذي شاع في الهند والصين".

ويضيف "لدينا كذلك إنجيل مملوكي (الأناجيل الأربعة) مدوّن بالخط العربي، ولدينا كتب دينية مسيحية مكتوبة بالخط العربي، وهذه الكتب أنجزها حرفيون مسلمون ومسيحيون في مصر ولبنان وسوريا والعراق، وهي اللغة التي استخدمها المسيحيون في المنطقة على نطاق واسع في القرن التاسع للميلاد".
 
نسخة من المصحف يعود تاريخها إلى عام 1740 كتبها شاب أفريقي بيع عبدا لأحد الأثرياء في أميركا (الأناضول)


اللافت في هذا المعرض -الذي اشترى النمر محتوياته بشكل شخصي من عدة دول ومصادر- هو احتواؤه على مصحف نادر كتبه شاب أفريقي منذ عصر العبودية.

وعن هذا المصحف تحديدا يقول النمر إن "تاريخ المصحف يعود إلى العام 1740، وقد كتبه شاب أفريقي تم بيعه عبدا لأحد الأثرياء في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة".

ويضيف "استطاع الشاب الهرب وذهب إلى ولاية بوسطن فتم اعتقاله، وفي فترة الاعتقال قام بكتابة المصحف ورسم صورته عليه (على أول الصفحة)، بعد ذلك جاء اللورد سلون واشترى الشاب ثم أرسله إلى إنجلترا واهتم به، وكان المصحف في حوزته بجميع تنقلاته".

قصص كثيرة وتاريخ طويل يتوارى داخل هذا المعرض، فلكل مخطوطة حكاية وزمن، لكن أبرز ما يُمكن استشفافه منه هو ذلك التعايش الروحي الديني المشترك الذي كان سائدا في تلك العصور، قبل أن يدخل الدمار الثقافي والحربي والبشري إلى بلاد الشرق، وفق النمر.

أما عن الهدف الرئيسي من المعرض المجاني الذي يتيح لأي شخص الاطلاع على محتوياته، فيقول النمر "الهدف هو مخاطبة فئة الشباب تحديدا وإظهار فلسفة الخط وجمالياته".

من مقتنيات معرض مِداد (الأناضول)


ويشير إلى أنه نظم الكثير من المحاضرات واستضاف كبار الخطاطين من العالم، ونظم كذلك ورشات عمل عن الخط العربي وفنونه للأطفال، لترسيخ ذاكرتنا التاريخية الشرقية في عقولهم.

وقد تأسست "دار النمر" في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، من قبل عائلة النمر الفلسطينية الثرية.

وتضم مقتنياتها مجموعة من الأعمال الفنية تغطي عشرة قرون من الزمن، وتأتي من مناطق تحمل إرث الثقافة الإسلامية أو تتفاعل معها، تم جمعها على مدى أكثر من أربعين عاما.

وتسلط مقتنيات الدار الضوء على التطور الغني والمعقد للتاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة، وذلك من خلال إنتاجاتها الثقافية والفنية.

المصدر : وكالة الأناضول